الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 5، الدرس الخامس : من : ( أول ما نزل القرآن ... وأرسل بالمدثر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أنواع الوحي الذي يتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم ويبين أهمية معرفة أول ما نزل من القرآن. يذكر ثلاثة أنواع من الوحي ويعدد فوائد معرفة أول ما نزل من القرآن لفهم النسخ والترتيب الزمني للآيات.
يناقش المقطع أول ما نزل من القرآن، موضحًا أن الآيات الخمس الأولى من سورة العلق كانت أول ما نزل، بينما نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر بعد فترة الوحي. يُبيّن أيضًا أنواع الأولية في النزول مثل أول ما نزل في موضوع معين.
يتناول المقطع تفسير قول جابر بن عبد الله أن أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو سورة المدثر، ويوضح أن المراد به أول ما نزل بعد فترة الوحي وليس على الإطلاق. يستند في ذلك إلى آراء أهل العلم وتفسيراتهم لفترة الوحي.
تم الانتهاء من جزء من الدرس مع الإشارة إلى استكمال ما تبقى في درس لاحق مع حمد الله وشكره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فتمة لما أخذناه في نزول القرآن والوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، وعلمنا أن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل بالقرآن بلفظه ومعناه من الله عز وجل، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمعه كما سمعه جبريل بلفظه ومعناه، فأداه بلفظه ومعناه، يعني أنه سمع لغض مؤدى جبريل، سمع اللغض فأداه وهو معلوم المعنى، وسمعه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأداه وهو معلوم المعنى، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. ومر معنا كذلك أن هذا نوع من أنواع الوحي الذي كان يوحى إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أخبر الله عز وجل عن نفسه سبحانه أنه لا يكلمه بشر مباشرة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَاءُۚ﴾. فإذا كلام الله عز وجل أو وحي الله عز وجل لعباده يكون على ثلاثة أنواع: إما وحي يوحيه إليه، أو كلام من وراء الحجاب، أو يرسل إليه رسولا. وهذا الوحي الذي يكون كما مر معنا أنواع: إما أن يأتيه مثل جبريل عليه الصلاة والسلام، يأتيه فيتمثل له في صورة بشر، كما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء بالصحيح حين سأله عليه الصلاة والسلام بحديث عائشة: «كيف يأتيك الوحي؟»، فقال: «أحيانا يأتيه مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول». فإذا هاتان صورتان، وصورة سابقة مرت معنا وهو النفت في الروع، وكما مر معنا كذلك أن بعض أهل العلم قال أن هذا يدخل فيما سبق، والنفت في الروع إذا ألقى على القلب، كما في الحديث الذي تقدم: «إن روح القدس نفت في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها». وهذا عموم الوحي، وهذا عموم الوحي للقرآن. وهكذا كذلك من الوحي الرؤية الصادقة التي تأتي مثل فلق الصبح، كما جاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا كان وحي الأنبياء من قبل، كما قال الله عز وجل فيما حكاه عن إبراهيم وابنه: «يا أبت افعل ما تؤمر»، فما رآه في المنام أمر أمره الله عز وجل به. وهكذا كذلك من أنواع الوحي كذلك كما مر معنا أنه إنزال على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث زيد بن ثابت قال: «فأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفقده على فقهي، فقلت: علي حتى أخفت أن ترضى فقدي». فأشهد من هذا أن الوحي الذي يوحى للنبي عليه الصلاة والسلام أنواع، وأن الذي أنزل عليه به القرآن هو ما سمعنا. ثم قال رحمه الله تعالى: «أول ما نزل من القرآن»، وهذا المبحث يذكره العلماء لفوائد من أهمها ثلاثة فوائد. أولها: معرفة اعتناء الرب تعالى بهذا القرآن، حتى تكفل في هذه الأمة من حفظ القرآن، ليس فقط على وجه الإجمال، بل وعلى وجه التفصيل في أول ما نزل وآخر ما نزل وأنواع ما نزل. ففيه بيان حقيقة حفظ ربنا سبحانه لهذا القرآن. وفيه ثانيا كذلك أو من فوائده: معرفة أول ما نزل، وبمعرفة الأولية يعرف المتقدم من المتأخر، فيعرف الناسخ من المنسوخ. ومن فوائده كذلك: وهذا مقصد أكثر أهل العلم تحقيق الخلاف فيما وقع، وسمي أنه أول ما نزل، وربما لا يكون هو أول ما نزل، بل ما نزل ليس ذلك وإنما شيء آخر هو أول ما نزل. وهذا الذي سيمر بنا في هذا الفصل. فإذا له فوائد، ومن هذه الفوائد هذه الفوائد الثلاث. وبه نعرف أن أول ما نزل ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين: أول ما نزل على الإطلاق، وأول ما نزل باعتبار خاص. قال رحمه الله: «أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قطعا الآيات الخمس الأولى من سورة العلق»، ويقول تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾. هذا ذا قال رحمه الله تعالى. وذلك لأن المسألة فيها خلاف، ولكن الذي لا شك فيه كما دلت عليه الأدلة الصريحة كما سيأتي: أن أول ما نزل على وجه الإطلاق. وخرج بقوله: «على وجه الإطلاق»، ما كان على وجه التقييد. وهناك أول ما نزل بعد فترة الوحي كما سيأتي، وهناك أول ما نزل باعتبار آيات خاصة، مثلا أول ما نزل في الخمر، أول ما نزل في الأطعمة، أول ما نزل في الردة، أول ما نزل في المدينة، أول ما نزل في آيات القتال. فهذا كله معنى من معاني الأولية، لكنها أولية ماذا؟ مقيدة. فإذا أول ما نزل على الإطلاق هو الآيات الخمس من سورة العلق. وهكذا كذلك قوله: «قطعا»، ليبين أن ما ورد من خلاف فهو خلاف بين أمرين: إما من خالف لم يعلم الصواب، ومن علم حج على من لم يعلم. وإما من خالف لم يرد حقيقة هذا الخلاف الذي ظنه من بعده أنه خلاف، وإنما هي أولية مقيدة. قال رحمه الله تعالى: ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، ويقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ﴾. قال في الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، قالت: «حتى جاءه الحق وهو بغار حراء»، والمراد به الشرع القرآن. قال: «وهو بغار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما أنا بقارئ». يعني لست أعرف القراءة. وفي هذا التأكيد أمية النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه كان أميا ليس ممن يقرأ. قال رحمه الله تعالى: فذكر الحديث، وفيه: «ثم قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله: علم الإنسان ما لم يعلم». وبعض أهل العلم قال بهذا: أي اقتران الأولية بالقراءة والعلم مع ذكر الخلق، بيان ابتداء الشرع، ابتداء الخلق، وأن الإنسان لا يستغني عن الشرع كما أن الله عز وجل خلقه، فكذلك الله عز وجل أنزل له ما يصلحه وهو هذا الشرع وهذا الدين. قال: وفيه ما عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال وهو يحدث عن فترة الوحي: «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني». فذكر الحديث، وفيه: «فأنزل الله: يا أيها المدثر إلى قوله: والرجز فاهجر». وثمة آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة. مثل حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سألوه: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: «يا أيها المدثر». قال أبو سلمة: «أنبئت أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق». فقال جابر: «لا أحدثكم إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «جاورت في حراء، فلما قضيت جواري هبطت، فذكر الحديث». فيه: «فأتيت خديجة فقلت: زملوني، وصبوا علي ماء باردا». وأنزل علي: «يا أيها المدثر إلى قوله: والرجز فاهجر». وهذا الحديث الذي كذلك هو في الصحيحين لا ينافي ما سبق. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة: من هذه الأجوبة أن مراد جابر بن عبد الله أن ذلك أول ما نزل باعتبار سورة كاملة. وهذا ضعيف، لأن الصحيح أن السورة لم تنزل كاملة. وكذلك قيل: أن مراد جابر بن عبد الله أن هذا أول ما نزل بعد فترة الوحي. وقيل: أن هذا أول ما نزل باعتبار التبليغ، ما أمر بتبليغه. وهذا الأخير على قول من يقول فيمن يفرق بين النبوة والرسالة: أن النبوة من أوحي إليه أو النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، وأن الرسول من أوحي إليه وأمر بالتبليغ. والصحيح خلاف هذا، بل النبي من بعث بشريعة من كان قبله، وقد أمر بالتبليغ كذلك، والرسول من أتي بشريعة جديدة، وكلاهما قد أمر بالتبليغ. فيكون الصواب الله تعالى أعلم: أن مراد جابر بن عبد الله هذا أول ما نزل بعد فترة الوحي. وهذا هو قول أكثر أهل العلم: أن مراد جابر بن عبد الله أول ما نزل باعتبار ما كان بعد فترة الوحي. وقد قيل: أن الوحي فتر ثلاثة سنوات كما ذكره ابن إسحاق وغيره، ولكنه بغير إسناد صحيح. فالله أعلم كم الفترة، المهم أن الوحي فتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هذه الحكمة: تخفيف روع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه لما نزل عليه: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، راعى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فكان من حكمة الله عز وجل ولطفه برسوله عليه الصلاة والسلام أن فتر الوحي، يعني انقطع فترة أي نزول القرآن عليه، حتى يكون بذلك سبب في طمأنينة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك تهيئة للنبي عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه الوحي مرة أخرى وهو متهيئ له ومتشوق له. وغير ذلك مما ذكره أهل العلم للحكم. فالشاهد قول جابر بن عبد الله: «أول ما نزل»، أي باعتبار هذا المعنى، أي بعد فتور الوحي وانقطاعه، ليس أول ما نزل على الإطلاق. ويؤيده الرواية التي سبقت، فإن جابر بن عبد الله في أحد رواياته: وهو كذلك من طريق سليمان بن عبد الرحمن قال: كما سمعنا: «فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض». وهذا يدل أن هذه الحادثة بعد حادثة حراء الذي فيها أنزل عليه: «اقرأ». ويؤكد أن: «يا أيها المدثر» ليس أول ما نزل مطلقا، ولكن أول ما نزل بعد فتور الوحي. قال رحمه الله تعالى: فهذه الأولية التي ذكرها جابر رضي الله عنه باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل بشأن الرسالة. وهذا الثاني قلنا ضعيف، لأن الراجح كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التفريق بين النبي والرسول ما سبق. قال: لأن ما نزل من سورة: «اقرأ» ثبتت به نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل من سورة: «يا أيها المدثر» ثبتت به الرسالة، بقوله: «قم فأنذر». هذا هو قول الجمهور، والصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب النبوات. قال: ولهذا قال أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر. لا مانع أن يكون كذلك باعتبار أنه أولا كان تبع لما قبل وبعد أرسل بمعنى أمر بشرع جديد يختلف عن من قبله. لكن لا نقول أن معناه أن النبي الذي لم يؤمر بالتبليغ، والرسول الذي أمر بالتبليغ، فهذا خلاف الصواب. فإذا الخلاصة أن هذه الأولية أولية مقيدة. وبه نعرف أن ما ذكروا بعض أهل العلم من أن أول ما نزل مثلا في آية القتال كذا وكذا، وأول ما نزل في الخمر كذا وكذا، فهذه كلها أوليات مقيدة. ومما يذكر كذلك أن بعض أهل العلم ذكر أن أول ما نزل سورة الفاتحة، ولكن هذا القول ضعيف. وقد أشار البيهقي رحمه الله في كتاب الدلائل النبوة إلى هذا الحديث، وأنه روي من حديث أبي ميسرة عمر بن شرحبيل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة الحديث، وفيه: أن أول ما نزل سورة الفاتحة. ولكن هذا ضعيف لا يصح. فقد قال البيهقي رحمه الله بعده: هذا منقطع، وإن كان محفوظا، فيحمل أو فيحتمل نزوله بعد: «اقرأ» و«المدثر». فهذا هو الصواب: أنه لم يصح بأن أول ما نزل على وجه الإطلاق إلا أوائل سورة العلق الآيات الخمس الأولى. وما قال فذلك فإما ضعيف، وإما هو باعتبار شيء آخر مقيد. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.