الدرس الثاني عشر بعد المائة:من( قال الإمام البخاري رحمه الله:حدثنا محمد قال أخبرنا أبو ضمرة ... حدثنا تاج المحدثنين فذكر حديثاً وبقية رجال السند من رجال تهذيب التهذيب ).
يتناول هذا الفصل صلاة الاستسقاء ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لنزول المطر مستدلاً بالأحاديث النبوية. يشرح كيفية التعامل مع هذه الأحاديث من حيث الصحة والضعف.
يفصل هذا الفصل كيفية صلاة الاستسقاء كما وردت في السنة النبوية، مبيناً الكيفيتين المعروفتين للصلاة والجمع بين الاستسقاء والجمعة.
يستعرض هذا الفصل مسائل فقهية وعقدية مستنبطة من أحاديث الاستسقاء، مثل جواز مخاطبة الخطيب للحاجة وفضل الدعاء الثابت عن النبي.
يبرز هذا الفصل أن الإنسان بفطرته وعقله يدرك وجود خالق حكيم للكون، مما يستلزم عبادة الله وحده دون سواه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا محمد، قال: أخبرنا أبو ظمرة أنس بن عياض، قال: حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب. ومعنى وجاه يعني في واجهة المنبر، مثل هذا الباب الذي في مؤخرة المسجد في منتصفه بالنسبة للمنبر، فهو في وجاهة المنبر. قال: فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادعوا الله أن يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا». قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة. والسحاب معروف المتتابع، والقزعة واحد السحاب الصغير، يعني لا سحاب كثير ولا سحاب قليل. قال: ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. ومعنى شيئا يعني ولا حتى خيوط السحاب، فالسماء صافية تماما. وقوله: وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، يعني كانت الأرض فضاء، وسلع جبل صغير في طرف المدينة. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، يعني صغيرة. فلما توسطت السماء انتشرت، ثم انطرت، يعني توسعت، فصارت سحابا كثيرا، فنزل بإذن الله منها المطر. وهذا كله والناس في الخطبة. قال: والله ما رأينا الشمس ستا، يعني ستة أيام. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، يعني بكثرة الماء تضررت البهائم، وانقطعت الطرق بكثرة الماء فيها، فادعوا الله أن يمسكها. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والآجام والضراب والأودية ومنابت الشجر». قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. وهذا معناه أنه سرعان ما استجيب في الدعاء، وانقطع المطر. قال شريك: فسألت أنسا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. قال: أخرجه مسلم. قال وقال البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عباد بن تميم، أن عمه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائما، ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه، فأسقوا. يعني في صلاة الاستسقاء دعا، فنزل المطر. قال أبو داود الطيالسي، كما في ترتيب المسند: حدثنا شعبة، عن عمر بن مر، قال: سمعت سالما، عن شرحبيل بن السمطي، عن كعب بن مر، أو مر بن كعب، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر، فأتيت، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا، فادعوا الله لهم. قال: فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا غدقا، غير رائث»، يعني غير متأخر، وطبقا يعني مطبق عام، وغدقا يعني يحصل به الإغداق، بمعنى النفع بكثرة الثمرات، نافعا غير ضار. قال: فما كانت الجمعة الأخرى ونحوها حتى مطرنا. وقد جاء معناه كذلك من حديث جابر بن عبد الله، وقد مر معنا في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». قال: والحديث على شرط مسلم. كذا قلت، ثم رأيت في «جامع التحصيل» أن أبا داود قال: لم يسمع سالم نبي الجعد من شرحبيل. فالعلم بهذا أن الحديث ضعيف بهذا السند، لكن أصله ثابت في حديث جابر بن عبد الله. قال الإمام محمد بن حبان، رحمه الله، كما في «الموارد»: أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير، قال: حدثنا طاهر بن خالد بن نزار الأيلي، وطاهر صدوق له ما ينكر عليه، كما قال ابن عدي، رحمه الله، له غرائب وإفرادات، عن أبيه. وقال أبو داود في هذا الحديث بعينه: حديث غريب، وإسناده جيد. قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا القاسم بن مبرور، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: شك الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بالمنبر فوضع له في المصلى. ووضع المنبر لا يعرف في شيء من الأحاديث إلا في هذا الحديث، أي إخراج المنبر إلى المصلى، وهذا الظاهر والله أعلم أنه من غرائب وإفرادات طاهر بن خالد الأيلي، ولهذا الصحيح أن المنبر لا يخرج لا إلى مصلى العيد ولا إلى مصلى الاستسقاء، هذا الذي وردت به الأحاديث الصحيحة في الصحيحين. وأما ما جاء في هذه اللفظة والرواية، فهو مما تفرد به من تقبل روايته، لكن من لا يتحمل مثل هذا التفرد، والله أعلم. قال رحمه الله: فأمر بالمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، يعني حين طلعت الشمس، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنكم شكوتم جذب جنابكم واحتباس المطر عن إبان زمانه فيكم»، يعني تأخره عما عرفتم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، لا إله إلا أنت، تفعل ما تريد، أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى خير». وفي رواية: «إلى حين». قال: ثم رفع يديه صلى الله عليه وسلم حتى رأينا بياض إبطيه. ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، يعني في ثنايا الخطبة توجه إلى القبلة، وأعطى ظهره للناس، وحول رداءه، أي قلب الظاهر باطن والباطن ظاهر. والرداء ما يوضع على أعلى الجسد، فإن كان عليك مثلا كساء قلبت الكساء، أو عليك الجبة قلبت الجبة، أو عليك مشلح قلبت المشلح، فإن لم يكن عليك شيء فاقلب العمامة إذا كانت العمامة غترة مثلا. وهذا كما قال العلماء تفاؤلا بتغير الحال. قال: ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين. ومعناه أنه دعا برفع اليدين في الصلاة في الخطبة قبل الصلاة. وقد اختلف أهل العلم: هل خطبة الاستسقاء قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ لأنه جاء في بعض الروايات أنه قبلها، وهي صحيحة، وبعضها أنه بعدها، وهي صحيحة. فمن أهل العلم من سلك مسلك الترجيح، ومن أهل العلم من سلك مسلك الجمع، وجمعوا ذلك بأنه يجوز هذا ويجوز هذا. والظاهر والله أعلم أن كل الروايات صحيحة، فيجوز هذا ويجوز هذا، وإن كان الأكثر الغالب العادة أن الخطبة قبل الصلاة، وهذا الذي روي في أكثر الأحاديث الصحيحة، وهي الأصح. قال: فأنشأ الله سبحانه سحابا فرعدت وأبرقت وأمطرت بإذن الله، فلم يلبث في مسجده حتى سالت السيول. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لثق الثياب، ومعنى اللثق يعني لزجها وبللتها بكثرة الرطوبة في السماء من كثرة المطر، حتى إذا أثر المطر على الجدران والهواء والأشجار، ظهر أثر ذلك على الثياب وكل شيء. قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لثق الثياب على الناس ضحك حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله». ومعنى كان الناس يطمعون في قطرة ماء، فصار الناس يتأذون بكثرة الماء. قال: هذا حديث حسن. وطاهر بن نزار، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي بسام الرقي، وهو صدوق. وأحمد بن يحيى بن زهير هو أبو جعفر التستري. قال الحافظ الذهبي في «العبر»: سمع أبا كريب طبقته، وكان مع حفظه زاهدا خيرا. قال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت أحفظ منه. وقال ابن الموقري فيه: حدثنا تاج المحدثين، وذكر حديثا. وبقية رجال السند من رجال «تهذيب التهذيب». أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الأحاديث في سياق ذكره لمواضع من مواضع إجابة دعائه، وهو من علاماته ودلائل صدق رسالته ونبوته، عليه الصلاة والسلام. والشاهد في هذه الأحاديث كما رأينا ظاهرا، إذ أنه عليه الصلاة والسلام دعا الله بنزول المطر، فاستجاب الله دعاءه في هاتين الكيفيتين من الاستسقاء. فالاستسقاء ورد في الشرع بكيفيتين اثنتين، الكيفية الأولى: أن يكون ذلك بخروج الناس إلى المصلى، و«صلاة الاستسقاء»، وهذا يكون كما دلت عليه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، بالخروج في الصباح الباكر إلى موضع الاستسقاء، فيجتمع الناس وقد وعدوا بذلك، فيخطب فيهم الخطيب خطبة تذكرهم بالله، وتأمرهم بالتوبة من ذنوبهم، وكثرة الاستغفار، فإن كثرة الاستغفار من أسباب نزول الأمطار، كما جاء في سورة نوح عليه الصلاة والسلام، ويدعو دعاء بأمر الاستسقاء بما يناسب المقام، ويرفع يديه، ويقلب الرداء، كما مر معنا في الأحاديث، وغيرها من الأحاديث الأخرى كثيرة، ثم ينزل فيصلي بهم ركعتين، ثم يتفرق الناس. وهناك كيفية أخرى، وهي بأن يقدم الصلاة على الخطبة. والأول هو الغالب العام الذي وردت به الأحاديث كما تقدم، وهذا وردت به بعض الأحاديث، وهي كذلك صحيحة، ولكنها دون الأول، فهي أكثر وأصح. والكيفية الثانية: أن يدعو في صلاة الجمعة، يدعو في ثنايا خطبة الجمعة بدعاء الاستسقاء بما يناسب المقام، فذلك يجزئ عن صلاة خاصة لصلاة الاستسقاء، فتدخل صلاة الاستسقاء في صلاة الجمعة، وذلك لأن جمع الناس يوم الجمعة يجزئ عن جمع الاستسقاء، مع الدعاء فيه، يجزي عن دعاء الاستسقاء. وكل الكيفيتين قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما رأينا بعضه في هذه الأحاديث. ففي حديث أنس ذكر الكيفية التي فيها جمع صلاة الاستسقاء مع صلاة الجمعة. وبه نعرف خطأ فعل بعض الناس، إذ يعلنون بصلاة الاستسقاء صباح يوم الجمعة، ثم يصلون في نفس اليوم الجمعة، هذا خطأ. إذا كانت أمر الاستسقاء سيكون يوم الجمعة، إذن تكون مع صلاة الجمعة، لا حاجة أن يصلوا في الصباح صلاة الاستسقاء، ثم في الظهر يصلون صلاة الجمعة، في هذا مشقة على الناس، وخلاف سنة النبي، لكن الأكمل والأفضل والأحوط أن يجمعوا بين الاستسقاء والجمعة، بالكيفية التي صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما إذا كانت في غير يوم الجمعة، فإنه يكون على ما سبق في الأحاديث الأخرى. وهل يستحب أن يكون في يوم صيام الناس، كالاثنين والخميس؟ ليس هناك دليل صحيح صريح يدل على استحباب ذلك، لكن استحسنه بعض أهل العلم، نظرا للعمومات في استجابة دعاء الصائمين، فإن الصائم ممن تستجاب دعوته. فكون الاستسقاء يكون في وقت الصيام، فهذا جلب لسبب من أسباب إجابة الدعاء. والأمر في هذا واسع، فهو مما يجتهد فيها للعلم، والناس فيه بين الأجر والأجرين، يعني في موافقة الصواب، وعدم موافقته، ما دام المقصود هو الوصول إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، والأمر مما يسوغ فيه الاجتهاد، فالأمر واسع. ثم هذه الأحاديث فيها مجموعة من المسائل، وهي كثيرة جدا، لكن نقتصر على ذكر خمس مسائل من هذه المسائل. أولها: ما أراد الشيخ أن يستدل به، ففيها جميعا دليل من دلائل نبوة، وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، في استجابة دعائه في الاستسقاء، وهكذا كذلك في الطلب من الله سبحانه وتعالى أن يكف عنهم الماء الذي يحصل به الضرر، وتكرار ذلك حتى استقر عند القريب والبعيد أنه عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، ذلك من دلائل وبراهين ومؤكدات صدق رسالته ونبوته، عليه الصلاة والسلام. وكما قلنا: قد يجاب الإنسان الدعوة، لكن على هذا التواتر والنسق، لا يعلم هذا لأحد من الصالحين، مهما بلغ من الصلاح، ولكنه إن دل على شيء، دل على أنه من دلائل نبوة، وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وبه نعرف الفرق بين كرامة الولي، ومعجزة النبي، فإنها وإن توافقت في الأصل، لكنها تختلف في الكيف والقدر والوصف، فقد يكون من كرامة الأولياء استجابة الدعاء. فإن قيل: كيف نفرق بين كرامة الولي ومعجزة النبي؟ يقال: يفرق في كيفيتها، ووصفها، وقدرها، وكذلك غيرها من المعاني التي يكون بها التفريق. فمن تتبع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وأخباره في هذا الباب خاصة، فضلا عن الأبواب الأخرى، فإنه سيجد هذا المعنى جليا ظاهرا، فليس أحد يعرف عنه في تاريخ الناس من استجابة الدعاء له كما عرف لنبينا عليه الصلاة والسلام، حتى بلغ مبلغ المقطوع به المتواتر. وهذا إن دل على شيء، دل على صدق رسالة، ونبوة عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك: جواز مخاطبة الخطيب للحاجة، يجوز للمأموم أن يكلم الخطيب، ويجوز للخطيب أن يكلم المأمومين أو أحدهم عند الحاجة، سواء كانت الحاجة تتعلق بالدين، ككلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي لم يصل لتحية المسجد، أو كان الأمر لأجل الدنيا مما فيه المصالح العامة، مثل كلام الرجل على الاستسقاء، فهذا جائز. كما ننتبه أنه لا يجوز كلام الناس بعضهم لبعض إلا للضرورة. فمثلا لو احتاج أن ينبه الخطيب على شيء فيه ضرر على الناس، فإنه لا بأس أن ينبه على ذلك، أو العكس، الخطيب ينبه بعض الناس أو أفرادهم. وفيه من المسائل كذلك: ما دل عليه حديث عائشة من أمر المنبر، وأن الصحيح عدم وضع المنبر في الاستسقاء، على ما تقدم الإشارة إليه في أن هذا مما تفرد به طاهر بن خالد الأيلي، وليس مثله ممن يتحمل مثل هذا التفرد، وقد علمنا أن الإعلال يكون بأوجه، وهذا موضع من مواضع الإعلال، والله أعلم، وإن كان أصل الحديث ثابت. وفيه من المسائل كذلك: الحرص على هذه الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، بحفظها وتتبع ألفاظها ومعانيها، فإنه ينبغي لمن دعا دعاء الاستسقاء أن يحرص على مثل هذه الألفاظ، فإنها ألفاظ جامعة مانعة، جمعت معاني كثيرة في ألفاظ قليلة. وفيه كذلك من المسائل: بيان كذلك فضل الله عز وجل على عباده، وافتقار العباد إلى الله سبحانه وتعالى، فهم يفتقرون إليه سبحانه في الرخاء وفي الشدة. فهنا أنظر كيف افتقر العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى في رفع القحط، وافتقروا إليه كذلك في الرخاء بأن يكون ذلك على قصد وقدر، فلله الحكمة سبحانه وتعالى في تدبير أمر خلقه. وبه نعلم أن هذا موضع من مواضع كثيرة جدا لا تعد ولا تحصى، تدل على معاني ربوبية الرب سبحانه وتعالى في تدبير شؤون خلقه، فاستقامة حياة الناس موضع من مواضع ربوبية الرب في خلقه جل وعلا. فيتعجب الإنسان كيف يمكن لعاقل من بني آدم يجحد ويكفر بوجود الرب سبحانه وتعالى، وهو يرى هذا النظام البديع، وهذا التدبير المتقن، الذي يستحيل أن يقول عاقل منصف أنه كان من غير إله حق مدبر له. لو كان الأمر صدفة كما زعموا، لجرت الصدفة ولو في بعض الأحيان على خلاف هذا النظام المتقن. وأما كون أحوال الناس تمشي بهذا الاعتدال والاستقامة، تنقطع الأمطار بما لا يكون به هلاك الناس، من آلاف السنين، وتنزل الأمطار بما لا يكون به هلاك الناس، من آلاف السنين، وهكذا كل ما يحتاجه الإنسان من هواء، ومن غذاء، ومن شدة، ومن رطوبة، ومن جفاف، ومن سائر مصالحهم وحوائجهم، في نظام متقن وسط بين نقص يضر، وزيادة تهلك. فهذا النظام المتقن البديع، إن دل على شيء، دل على معنى عظيم من معاني إثبات ربوبية الرب سبحانه وتعالى، فلا يكون من الإنصاف، ومن كذلك معنى العقل، ولو كان الإنسان عنده ذرة مسكة عقل، أن يدعي أحد أن هذا الكون إنما هو صدفة، أو يجري بغير تدبير إله خالق حق. وإنما هذا قول من غطى على عقله، وفطرته، وحسه، فضلا عن الدين والشرع، وإلا الإنسان بفطرته، وحسه، وتجربته، وعقله، لو أنصف نفسه، لم يجد بدا إلا أن يعلم أن ما يجري في هذا الكون من هذا النظام البديع العجيب، يقتضي، واستلزم وجود رب خالق حق، خلق ذلك لحكمة. فلذلك وجب عبادته وحده سبحانه وتعالى دون من سواه.