الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 9، الدرس التاسع:من( وصوم الدهر:الصواب قول من جعله تركاً للأولى أو كرهه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف أهل العلم في حكم صوم الدهر، والقول بالكراهة هو الأقرب؛ حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر وأرشد إلى صيام يوم وإفطار يوم. صوم الدهر يعتبر خلاف الأفضل إذا لم يتبرر.
سرد الصيام له معان متعددة، منها الاستمرار في الصيام لفترة أو صيام أيام معينة بشكل متتالي. النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال لا يفطر ثم يفطر حتى يقال لا يصوم.
الأفضل هو عدم سرد الصيام لما فيه من تعطيل لحقوق أخرى. يجوز إخراج زكاة عروض التجارة من نفس العروض إذا لم يكن لدى صاحبها مال نقدي، إما بإعطائها للفقراء أو ببيعها والتصدق بثمنها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وصوم الدهر، الصواب قول من جعله تركا للأولى أو كرهه. وهذه مسألة أخرى من مسائل الصيام فيما يتعلق بصيام الندب، ما يذكر في مواضع صيام الندب، صوم الدهر. وقد اختلف أهل العلم فيه إلى أقوال كثيرة، فمنهم من جعله مستحبا، ومنهم من حرمه، ومنهم من ذكر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا، أنه خلاف الأولى أو أنه مكره. والقول بالكراهة أقرب، لكثرة ما روي في هذا الباب. وقد يقال: هو خلاف الأولى والأفضل، إذا لم يتبرر هذا الصائم، ولم يضيع حق واجب، لا على نفسه ولا على ذوي الحقوق من أهله وقرابته، أو ما يرد عليه من ضيف ونحوه، ومن باب أولى حق لله سبحانه وتعالى. وهكذا يقيد أن لا يكون معه بلا شك صوم ما نهي عن صومه، مثل أيام التشريق ويومي العيد. فإذا كان كذلك، وهذه القيود صعبة ويشق تحققها، فإذا قدر أنها تحققت، ممكن أن يقال: إنه خلاف الأولى والأفضل. والدليل أنه خلاف الأفضل ما جاء في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين في قصة عبد الله بن عمر المشهورة، وسبقت الإشارة إليها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين علمه وأرشده إلى الاقتصاد في العبادة، ومن ذلك أمر الصيام، ما زال به حتى قال له: صم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام نبي الله داود، قال: وهو أعبد الناس. فقال: يا رسول الله، إني أطيق وأفضل من ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: لا أفضل من ذلك، لا أفضل من ذلك. فقوله: لا أفضل من ذلك، دليل على أن من خالف هذا، فصام الدهر أو صام أكثر من صيام يوم وإفطار يوم، فإنه فعل خلاف الأفضل، فعل خلاف الأفضل. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «وكان أعبد الناس، وكان لا يفر إذا لاقى، لا يفر إذا لاقى». فقوله: لا يفر إذا لاقى، معناه: مع قيامه بهذه العبادة، ما كان يضيع الحقوق، لا المستحبة ولا الواجبة. وكأنه يقول عليه الصلاة والسلام: إذا كنت تستطيع أن تفعل مثل داود عليه الصلاة والسلام، كان أعبد الناس، ومع ذلك كان أقدم الناس في الخير، حتى الجهاد في سبيل الله. وهذا في الغالب لا يجتمع، خصوصا الصيام، لأن تتابع الصيام يضعف الإنسان. فلذلك قال من قال من أهل العلم: إنه يشق أن يؤدي الإنسان الحقوق كلها، وفي نفس الوقت يصوم الدهر، فصيام الدهر لأجل ذلك، على أقل الأحوال، خلاف الأفضل والأولى، بل هو مكروه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن صيام الدهر. فقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم، حين سئل عن صيام الدهر، قال عليه الصلاة والسلام: «لا صام ولا أفطر، من صام الدهر». وجاء في لفظ حديث أبي هريرة نحوه. وفي رواية قال: «لا صام من صام الأبد». وهكذا جاء في رواية في حديث عبد الله بن عمر في البخاري، قال: «لا صام من صام الدهر». لأن عبد الله بن عمر كان حلف على نفسه أن يصوم الدهر وأن يسرد الصيام، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن الأفضل خلاف ذلك، وأمره أن يأخذ بالرخصة وأن يترك ما عزم على نفسه، فلم يزل به وهو يقول: أطيق أفضل من ذلك، حتى قال له: صوم يوما وأفطر يوما. حتى صار بعد هذا يشق على عبد الله بن عمر هذا الصيام، حين كبر وتعلقت به حقوق، وكره أن يكون قد ترك شيئا كان منه مع النبي صلى الله عليه وسلم الالتزام به، فربما أفطر أيام، فصار يقضيها في أيام أخرى، ويقول: ليتني أخذت برخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك لأنه ألزم نفسه والتزم به عند النبي عليه الصلاة والسلام، فكره أن يترك شيئا كذلك. على أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، هن صيام الدهر، كما جاء في نفس الحديث، بل وجاء في أحاديث أخرى كثيرة معنى ذلك. فإذن أجر صيام الدهر يحصل بصيام ثلاثة أيام، لأن الحسن بعشر أمثالها، فيحصل بذلك في كل يوم صيام عشرة أيام، أي أجر صيام عشرة أيام، وبهذا يكون قد صام الشهر، وفي كل شهر يفعل ذلك، فهو صام السنة بأكملها. وأما شبهة من استدل على استحباب صيام الدهر أو على جوازه على أقل الأحوال، استدلوا بمعض الأدلة، منها ما جاء من حديث عائشة بالصحيحين أن حمزة الأسلمي رضي الله عنه كان يسرد الصيام، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر، فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». قالوا: وقد جاء أن عبد الله بن عمر كان يسرد الصيام فنهاه، وهنا حمزة الأسلمي يسرد الصيام ولم ينهه، فدل ذلك على أنه جائز على أقل الأحوال، إن لم نقل إنه مستحب لمن لم يعترض مع حقوقه الأخرى. هكذا جمعوا بين هذا الحديث وذاك الحديث. والصواب أن سرد الصيام، على الصحيح من أقوال أهل العلم، يأتي له معاني، فمن معانيه الاستمرار في الصيام، وهو صيام الدهر، وهو الذي رويه في حديث عبد الله بن عمر. ومن معانيه الاستمرار في الصيام، لكن ليس بصيام الدهر، وعدم حصول الفطر. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصيام، فيصوم حتى يقال: لا يفطر. وهذا المعنى قد جاء في حديث أسامة بن زيد، رواه أحمد والنسائي والترمذي بإسناد صحيح. فهل يحمل هذا الحديث أنه كان عليه الصلاة والسلام يصوم الدهر؟ الجواب: بلا شك ليس كذلك، لأنه جاء بالصحيحين من حديث عائشة أنه كان عليه الصلاة والسلام يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم. فعلم بذلك أن من معاني السرد هو الاستمرار بالصيام فترة، ثم الإفطار فترة أخرى، الاستمرار فترة والإفطار فترة أخرى. ومن معانيه كذلك سرد الصيام على ورده المعتاد، فمثلا من استمر بالصيام الاثنين والخميس والثلاث البيض، ثلاثة أشهر، أربعة أشهر، يقال: فلان سرد صيامه، أي صيامه المعتاد. ثم إذا عرضت له عوارض، إما مجيء ضيوف أو استمرار وفود أو حصول مثلاً أعراس أو توافق مناسبات وأعياد، أفطر، فيقال: أفطر حتى ظنن أنه لا يصوم، لكنه أفطر لسبب. وعلى هذا يحمل قول عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصيام، أي صيامه المعتاد، حتى يقال: لا يفطر، يعني: سيستمر بهذا وينضبط به طول حياته، ثم بعد ذلك تعترض له عوارض من مقدم الضيوف أو غير ذلك، فيفطر حتى يظن الظان أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يصوم. وهذا أحد معاني السرد التي فسر بها هذا الحديث. وعلى هذا يكون لا إشكال في حديث حمزة الأسلمي، خصوصا وأنه غير صريح بأن معنى السرد ها هنا هو استمرار الصيام بصيام الدهر، بخلاف حديث عبد الله بن عمر، صريح، ومع ذلك نهاه النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما استدل به من قال بالاستحباب أو الجواز، بما روي من آثار في هذا الباب، فإنه يقال: هذه الآثار المروية عن الصحابة، منها ما صح أو التابعين، ومنها ما لا يصح. فما لم يصح انتهينا منه، ولا إشكال. ولهذا ينبغي التحقيق في كثير من هذه الآثار المروية. وما صح منها، فإنه يحمل أنه اجتهاد من بعضهم رضي الله عنهم وتأويل. والصواب في هذا اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالأفضل والأكمل هو عدم سرد الصيام، لأنه بسرده يتعطل عن حقوق أخرى، ولا يكون على الأفضل الذي علم وأرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «لا أفضل من ذلك». وهذا هو العدل والصواب. على أن بعض من نقل عنه أنه كان يسرد الصيام قد روي عنه كذلك بروايات صحيحة أنه كان يفطر، فمثلا عبد الله بن الزبير حكي عنه أنه كان يسرد الصيام، وكان لا يفطر، بينما روي عنه روايات صحيحة أنه كان يفطر. فكيف يجمع بينها؟ يجمع بينها أنه كان يصوم أحيانا فيسرد، لكن ليس سردا يكون به صيام الدهر، وإنما كان يواصل الصيام فترة ثم يقطع فترة أخرى. ومن باب أولى كذلك ما يحكى من جواز متابعة الصيام دون فطر في الليل. فهذا خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا له: يا رسول الله، ولكنك تواصل. قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبات أطعم وأسقى». فبين لهم أنه يختلف عنهم، فيعانوا بعون الله. وفي رواية كما جاء في حديث أنس، قال: «فمن شاء منكم فليواصل إلى السحر». فالمواصلة ليست مستحبة، والأفضل والأكمل هو تعجيل الفطر، حتى في صيام التطوع، ليس فقط في صيام الفرض، حتى في صيام التطوع. ومع ذلك إذا أحب الإنسان أن يواصل جاز له أن يواصل إلى السحر، لا يجوز له أن يواصل يومين متتابعين، فضلا أن يحكى أن عبد الله بن الزبير واصل خمسة عشر يوما، وغير ذلك مما يروى من آثار في هذا الباب. فيقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة، وإذا جاء نهر الله بطر نهر معقل، كما قيل. نكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. هذا يسأل عن زكاة عروض التجارة، يقول بعض الناس: بلغ ماله النصاب، وفي نفس الوقت عليه ديون، ربما يبلغ مبلغ نصف النصاب، هل عليه زكاة؟ إذا كان إخراج انتقاص هذه الديون يجعل المال ينقص عن النصاب، فليس عليه زكاة، وإن استطاع فليعجل بسداد هذه الديون. وهنا يأتي سؤال آخر سأل به بعض الإخوان، وهو أن هذا صاحب التجارة ربما عنده عروض تجارة، وليس عنده نقد ومال، فيسأل: المال بلغ النصاب وفيه الزكاة، لكن ليس عنده مال يخرج الزكاة، فكيف يفعل؟ الجواب: القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز لصاحب عروض التجارة أن يخرج زكاته من نفس عروض التجارة، فمثلا صاحب البقالة ما عنده مال سيولة، ليس عنده يخرج زكاة، لكن عنده بضاعة كثيرة، إذن تصدق من هذه البضاعة. كذلك صاحب مثلا محل تغيير الزيوت، عنده زيوت معروضة للبيع تبلغ النصاب، لكن ما يستطيع أن يخرج الزكاة لأنه ليس عنده مال، فيقال له: أخرج من هذه الزيوت إن وجدت فقراء تصدق عليهم، صاحب سيارة فقير أو مسكين، تعطيه دبة زيت، تقول: هذه زكاة، وهو يغير بها سيارة ويحصل المقصود. أو تبيعها حتى بالجملة ولو نقص من قيماتها قليلا، وتتصدق على من ينتفع بهذه الزكاة ويستحقها، والله تعالى أعلم.