الدرس في كتاب الجهاد والسير 11، باب قتال البغاة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل حكم قتال البغاة ووجوبه استناداً إلى القرآن والسنة، مثل قوله تعالى في سورة الحجرات وحديث عرفجة بن شريح الأشجعي في صحيح مسلم. يجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق.
يتناول هذا الفصل أحكام التعامل مع البغاة أثناء القتال، حيث يجب قتالهم مع الإمام حتى يفيئوا إلى أمر الله، مع ضوابط مثل عدم قتل الأسرى أو تتبع الفارين بدون إذن الإمام. كما يشدد على حرمة دماء المسلمين.
يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام التعامل مع أهل البغي بعد القتال، مثل عدم قتل الجرحى أو الأسرى، وعدم غنم أموالهم أو سبي ذريتهم، مع بيان أحكام الضمان في حالة القتل الخطأ.
يؤكد هذا الفصل على وجوب مناصرة الإمام في قتال الطائفة الباغية إذا رفضت الإصلاح، ويستند إلى ما تمت الإشارة إليه سابقاً في وحدة المسلمين ودعم الإمام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: فصل، ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا تغنم أموالهم. قوله -رحمه الله-: فصل، أي مما يلحق فيما قبل، وهو لا يلحق به تمام الإلحاق، فالفصل فاصل مأخوذ من معنى الفاصل، وهو ما كان له بعض التعلق فيما قبله، ولكنه ليس منه. يعني لأجل ذلك فصل في فصل خاص. وقتال البغاة في الأصل ليس هو من أحكام الجهاد في سبيل الله الذي جاءت فيه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، لكن لما كان معناه فيه معنى من معاني القتال الواجب الذي يجب على المسلمين، أدخله من أدخله من العلماء في كتاب الجهاد. وكما مر معنا في أوائل هذا الكتاب أن بعض أهل العلم لم يدخل قتال البغاة في هذا الموضع، بل بعضهم يجعله في كتاب الحدود، يجعله ضمن كتاب الحدود والجنايات؛ لأن فيه معاقبة هؤلاء البغاة. فلذلك بعضهم يذكر هذا الفصل في كتاب الحدود والجنايات. فمن ذكره فبذاك الاعتبار، ومن ذكره هنا فبهذا الاعتبار؛ أي لأن فيه بعض مواضع الشبه في الجهاد، لأنه من القتال الذي أوجب على المسلمين، فهو يجب على ولي الأمر وعلى المسلمين إذا احتاج إلى نصرتهم. والبغاة في اصطلاح أهل العلم، وكما دلت عليه الأدلة الشرعية: هم الخارجون على الإمام، ولو كان الإمام غير عادل، بتأويل ولهم شوكة. فإن اختل أحد هذه الشروط، فهم قطاع طريق ومفسدون من المفسدين في الأرض. كأن يكون جماعة قليلة، أو يكون فردًا، أو يخرج ليس على الإمام، قبيلتين يقتتل أفرادها، فهذا من الفساد، وهم أهل فساد، وليسوا من البغاة. فإن قاتلوا الإمام، ولو كان الإمام لم يكن عنده شيء من العدل، كان عنده ظلم، ما دام مسلمًا، فلا يجوز قتال الإمام المسلم، وقتال هؤلاء من الواجب. أو كان أهل اقتتال قبائل من المسلمين تقتتل، ولم يستطع الإمام أن ينهي فتنتهم إلا بالاستعانة بالمسلمين، فهؤلاء من أهل البغي. فإذن قتال البغاة هو كل قتال يحتاج الإمام المسلم إلى نصرة المسلمين لمن يخرج عليه، سواء كان الخروج عليه مباشرة كالخوارج ونحوهم، أو كان الخروج ليس مباشرة مثل القبائل التي تقتتل. فإذا أراد أن يخمد فتنتهم الإمام، اجتمعوا عليه، فهؤلاء بغاة إذا لم يندفع شرهم إلا بذلك؛ أي بالاستعانة بالمسلمين، فهم بغاة. فهنا يجب على الرعية إعانة ولي الأمر المسلم في إقامة حدود الله وإخماد هذه الفتنة؛ لأنه لا قيام للدنيا والدين للناس إلا بولي الأمر، فإنه لا تتم لهم المصالح الدينية والدنيوية إلا بذلك. فلابد من نصرته وإعانته، وإبقاء دولة الإسلام قوية صامدة، فهي ولو كان فيها شيء من النقص من ظلم، خير من زوالها وذهابها. فزوالها وذهابها يترتب عليه من الشر الكثير في دين الناس ودنياهم، ما هو أعظم -لا شك- من ترك هؤلاء البغاة، ولو طالب البغاة بالعدل كما زعموا. وقوله -رحمه الله-: ويجب قتال البغاة، دليل هذا الوجوب أدلة كثيرة، أشار في الشرح إلى بعض هذه الأدلة، منها قول الله عز وجل في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، والشاهد في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، فهنا الوجوب؛ الأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، فأمر بمقاتلة التي تبغي، والأمر لجميع المسلمين أن يقاتلوا مع ولي الأمر؛ ليندفع هذا البغي. وهؤلاء من كان هذا وصفهم وحالهم وتوفرت فيه الشروط المذكورة سابقًا، فهم البغاة. وجاء في الباب أحاديث كثيرة، منها حديث عرفجة بن شريح الأشجعي -رضي الله عنه وأرضاه- في صحيح مسلم، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم ويفرد جماعتكم، فاقتلوه». وهذا وصف البغاة الذين منهم الخوارج، والحديث في صحيح مسلم، والشاهد في قوله عليه الصلاة والسلام: «فاقتلوه»، فالأمر للمسلمين بأن يناصروا ولي الأمر المسلم في دفع أمر هؤلاء البغاة. وجاء في رواية في مسلم، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان». وهذا أمر لعموم المسلمين. وقوله -رحمه الله-: حتى يرجع إلى الحق؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ومعناه: لا ينقطع القتال إلا أن تفيء هذه الطائفة إلى أمر الله. وهذا يتناول ثلاثة أشياء: الأول أنه لا يجوز التخلف عن الإمام ما دام قاتلًا لم ينتهِ، فلابد أن يقاتل مع الإمام حتى يحصل المقصود. والأمر الثاني: أنه إذا حصل المقصود، فلا يجوز استمرار القتال لحمية وجاهلية وانتقام لنفس، وكذلك حنق على ذهاب أنفس أو أموال أو غير ذلك، فهذا لا يجوز. فلو مثلًا قال البغاة: رضينا بالصلح، ورموا بالسلاح، أو رمى بعضهم، وطالبوا بالصلح، والبعض الآخر ينتظر: هل يعطى الأمان لهؤلاء أم لا؟ فلا يقال: ما دمتم قد قتلتم منا، فلا عفو لكم إلا القتل، لا، بل كما أمر الله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فإذا حصل الفي والرجوع، فإنه يجب الكف. ويبقى هنا من باب أولى: لو أن الإمام أراد أن يقيم صلحًا، فلا يجوز لأحد أن ينقض هذا الصلح، وأن يخرج على رأي الإمام، بل الواجب متابعته في هذا الأمر. إذا كان العلماء اتفقوا، بل بعضهم نقل الإجماع: أن عقد الذمة لا يعقده إلا ولي الأمر، وإذا عقده وجب طاعته في ذلك. وعقد الذمة مع من؟ مع الكافر، وأي الكفار؟ الكافر الحربي، مع الكافر الحربي. ومع ذلك إذا تم، يتم مع ولي الأمر، فإنه يجب على الجميع الالتزام به. فكيف إذا كان مع مسلمين بغاة؟ مسلمين بغاة؟ فإنه من باب أولى. ولهذا أتبع فقال: ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، ومما يكمل فيما سبق الأمر الثالث في قوله: حتى يرجع إلى الحق، كما تقدم: يستمر مع الإمام حتى يتم هذا الرجوع وهذا الفيء. وإن وقف الإمام، لا يجوز مسابقته والخروج عن أمره في هذا التوقف، بل يجب متابعته في هذا. والأمر الثالث: أنه كذلك لا يجوز إحداث شيء من التفصيل بدون إذن الإمام؛ لأن من الناس من يوسع باب التأويل، فيبدأ يستحل دماء وأنفس بحجج واهية، إنما هو الانتقام لنفس، وإطفاء حنق، أو نحو ذلك. وهذا لا يجوز، بل ينبغي أن يكون المسلم تابعًا للحق بالدليل والبرهان. ثم قال: ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم؛ يعني ولا يجهز، والمعنى: ولا تغنم أموالهم. والمعنى: أنهم ليسوا كفارًا حتى يعاملوا معاملة الكفار، بل هم مسلمون بغاة، مسلمون بغاة. فما داموا كذلك، فإنهم لهم حقوق أهل الإسلام. ولذلك إذا أسر أحد منهم، لا يعامل مثل أهل الكفر. الأسير الكافر يجوز للإمام ماذا؟ أن يقتله إذا رأى المصلحة في قتله. لكن أسير أهل البغي لا يقتل، أسير أهل البغي لا يقتل؛ إلا كما قال أهل العلم: إذا تعلقت به حقوق خاصة تقتضي القتل، إذا تعلقت به خصوص حقوق خاصة تقتضي القتل، فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، إلا بإحدى ثلاث. فإن كانت عنده أحد هذه الثلاث، أو ما كان بمعناها مما يستحق بها المسلم القتل، فإنه يقتل، وإلا فالأصل حرمة دم المسلم. وقد روي في هذا الباب آثار كثيرة، يدل أن هذا الباب له أصل في الشرع، بل عمومات الشريعة تدل عليه: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. فالأصل في دماء المسلمين الحرمة، ويدل عليه كذلك نص القرآن: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، فإذا حصل الفي، فهنا يجب الكف كما أمر الله سبحانه وتعالى. فنرجع إلى الأصل، وهو حرمة دماء المسلمين. وأشار في الشرح إلى مجموعة من الآثار، ومن أصحها ما روي عن علي -رضي الله عنه- وأبي أمامة وجماعة، فيما حصل من قتال في زمن علي -رضي الله عنه-، فإنه نهى وأمر أن ينادي المنادي بمعنى ما ذكر المؤلف -رحمه الله-: فلا يقتل أسير، ولا يتبع مدبر؛ يعني إذا أدبر إنسان من الفتنة، فقد كفى الله المؤمنين القتال. إنسان هرب من أهل البغي وفر، أو أعلن توبته، تقبل توبته، تقبل توبته. لكن هنا تأتي مسألة: وهي إذا تكررت التوبة، إذا تكررت التوبة، وعلماء نقض هذه التوبة، يقول: تبت إذا وجد الضعف، ثم يرجع فيخرج على المسلمين، يقول: تبت إذا وجد الضعف، ثم يعود فيخرج على المسلمين. فهنا هل يقتل؟ الجواب الصحيح: أنه في مثل هذا التفصيل، فإن كان شره وأمثاله لا يندفع إلا بالقتل، فإنه يقتل، خصوصًا إذا تعلق به دماء، فهو من المفسدين في الأرض. وكما تقدم معنا: أنه إذا تخلفت بعض الشروط السابقة، فيكون هؤلاء حكمهم كحكم المفسدين. وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فالإمام ينظر ما هو الأصلح في حقهم. فإن كان شرهم لا يندفع إلا بالقتل، قتلهم، خصوصًا إذا تعلقت بهم -كما تقدم- دماء. وهذا هو الغالب على الخوارج، ومن كان بمعنى هؤلاء من البغاة. فإن كان شرهم يندفع بدون ذلك، مثلًا: السجن يسجنون، أو النفي ينفون، أو التعزير يعزرون، فينظر الأصلح، ويدفع الشر الأخف ثم الأشد، الأخف ثم الأشد، كحال جميع أهل البغي، جميع أهل البغي. وكذلك قوله: ولا يجاز على جريحهم؛ أي لا يجهز على جريحهم، لا ينهى ويقتل. وقد صح عند البيهقي وغيره، من حديث أبي أمامة، أنه قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يقتلون موليا، ولا يتبعون لائذًا. ومعناه: أنهم لا يعاملونهم معاملة الكفار. فإذن لا يجهز على جريح، إذا وجد في الحرب جريح من أهل البغي، فإنه يعالج ويطبب، وبعد ذلك ينظر ما الأصلح في حقه. إن تاب والتوبة تنفع معه، فإنه يقبل منه. وإن كان ممن تعلقت به حقوق، فينظر بهذه الحقوق على ما سبق الإشارة إليه من تفصيل. ثم قال -رحمه الله-: ولا تغنم أموالهم، كذلك أموال هؤلاء ليست غنيمة؛ فإنها أموال مسلمين، فلا يجوز غنيمتها؛ لأنهم وإن كانوا من أهل البغي، هم أهل إسلام. طيب هل ترد أموالهم إليهم؟ الجواب: هذا يرجع للإمام، يرى الإمام أن إرجاع هذه الأموال إليهم يعين على توبتهم وعلى استقامتهم، أعادها إليهم. وإن كان يرى أن إعادة الأموال إليهم سيقوي شوكتهم ويكرر خروجهم، فلا يعطيهم. أو لا يعطيهم السلاح، ويعطيهم القوت والمركوب. ومن باب أولى: ما تحت أيديهم من عقار أو بنيان أو نحوه، فله ذلك. المهم: يدفع شرهم بالأخف ثم الأشد، على ما صحت به الأحاديث والآثار في هذا الباب. وهكذا كذلك من باب أولى: النساء والذرية، فإنهم لا يسبون؛ لأنهم من المسلمين. وثبت بالصحيح في مناظرة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أصله بالصحيح، وجاء خارج الصحيح مطولًا في مناظرة ابن عباس للخوارج، ما يدل على هذا المعنى، ما يدل على هذا المعنى. فإن الخوارج ظنوا أنه لا يقاتل إلا كافر، فلذلك جعلوا السبي والغنيمة مما يلازم القتال، مما يلازم القتال. فإذا وقع قتال، فعندهم لابد أن يكون معه ماذا؟ سبي ومغنم. وليس هذا بصحيح؛ لأن الله عز وجل في كتابه أخبر أن القتال قد يقع بين أهل الإيمان: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، فإذا كان كذلك، فإذا -كما قلنا- من باب أولى: لا يكون سبيًا. ويروى عن الزهري -رحمه الله- كما ذكر البيهقي وغيره، أنه قال: هاجت الفتنة الأولى، فأدركت -يعني هذه الفتنة- رجالًا ذوي عدد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يدل أن هذا قول جمهور الصحابة ومذهبهم، ممن شهد معه بدرًا. وبلغنا أنهم يرون: أن هذا أمر الفتنة، لا يقام فيه على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص، في من قتل، ولا حد في سبي امرأة سبيت، إلى آخر ما ذكره في الشرح. وهذا يدل: أنهم يعاملون معاملة الإسلام، فلا يجوز أن يقتل منهم أحد بعد أسره، ولا يتبع مدبر، ولا يجاز على جريح، ولا تغنم أموال، ولا تسبى ذرية، ولا تسبى ذرية. وكما تقدم: هذا هو الأصل، إلا إذا تعلقت به حقوق خاصة، فعند ذلك يكون الاستثناء، عند ذلك يكون الاستثناء. وكذلك يقال في هذا المقام: إذا وقعت فتنة بين طائفتين كلاهما أهل بغي، أو طوائف كلها أهل بغي، وكان القتال لعصبية ورئاسة وبغي، ولم يقم الإمام مع أحد لكون الجميع أهل بغي، فهنا هؤلاء فيما بينهم أهل بغي. وكما تقدم: لا يجوز أن يكون هناك بينهم قتل أسير، ولا كذلك غنيمة، ولا سبي، ولا غير ذلك. يبقى الآن الكلام على الضمان، على من الضمان؟ قال العلماء: الضمان على الكل مع الجهل بالقاتل وبالمتلف. فالضمان على الكل. وهذا يحصل فيه الإشكال كثيرًا، تحصل مشاكل بين بعض القبائل، فإذا وقع الصلح، يقولون: على من الدماء؟ الآن عندنا دماء، وعندنا جرح، وعندنا وعندنا، على من هذه الخسائر؟ فيقال: على الجميع. هذه فتوى الصحابة، وكذلك قضى بهذا أهل العلم من الأئمة. وذكر هذا عدد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: الضمان على الكل مع الجهل. فإن علم الباغي، فالضمان على الفئة الباغية. وإن كان هذا الباغي يتفصل -يعني فيه تفصيل- يقال: مثلًا فلان قتله مجموعة من آل فلان، فيقال: ديته على آل فلان. فإن كان حصل قتل من هنا ومن هنا، ولا يعلم عين القاتل، فهنا الجميع يضمن، تجمع الديات جميعًا. ويقال: مثلًا القتلى مثلًا سبعة عشر، قد يكون من هؤلاء أكثر، وقد يكون من هؤلاء أكثر، فيقال: الجميع يتحمل هذا، الجميع يتحمل هذا، مع الجهل. ومع العلم: تضمن الطائفة الباغية، كل بحسب بغيه. وهذا إذا كان لم يدخل الإمام فيما بينهم. وأما إذا أراد الإمام أن يصلح، فأبت إحدى الطائفتين، فقاتل الإمام تلك الطائفة الباغية، فيجب أن يناصر الإمام، ويقاتل جميع المسلمين مع الإمام ضد هذه الطائفة الباغية، كما تقدم، وسبقت الإشارة إليه. طيب إلى هنا، والله تعالى أعلم.