شرح كتاب الطهارة  27

شرح كتاب الطهارة 27

الدرس في شرح كتاب الطهارة 27، الدرس السابع والعشرون (الخامس الترتيب على ماذكر الله ... ولا نعلك لهذه فائدة غير الترتيب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فرضية الترتيب في الوضوء

الترتيب هو فرض من فروض الوضوء، ويعني غسل ومسح الأعضاء على الترتيب الوارد في الكتاب والسنة. الترتيب في الوضوء ثابت بالكتاب والسنة حيث جاء في آية الوضوء تقديم غسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين.

مناقشة فرضية الترتيب ودليلها من الكتاب والسنة

جمهور أهل العلم يستدلون بآية الوضوء على وجوب الترتيب، بينما يرى بعض أهل العلم عدم وجوب الترتيب مستدلين ببعض الأحاديث. يناقش المقطع آراء الفريقين ويستعرض أدلة كل منهما.

الترتيب في الوضوء والغسل وارتباطهما بالصلاة

يناقش المقطع أهمية الترتيب في الوضوء والغسل، ويفرق بينهما في مسألة الترتيب. كما يشير إلى أهمية الوضوء الشرعي في الصلاة مستندًا إلى حديث رفاعة ابن رافع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامس الترتيب على ما ذكر الله؛ لأنه أدخل الممسوح بين مغسولين، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب. أشار رحمه الله تعالى بهذا إلى الفرض الخامس من فروض الوضوء، وهو الترتيب. وقد مر معنا أنه أشار في أول الفصل إلى هذه الفروض على وجه الإجمال، والآن هو في سياق ذكرها على وجه التفصيل. وعلمنا فائدة التفصيل بعد الإجمال. فالترتيب هو الفرض الخامس من فروض الوضوء، والمراد به ترتيب غسل ومسح الأعضاء على الوصف الذي جاء في الكتاب وفي السنة. فجاء في الكتاب في آية سورة المائدة، آية الوضوء، تقديم غسل الوجه، ثم غسل اليدين، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم ذكر المسح: مسح الرأس، ثم ذكر غسل الأرجل. فهذه أربعة فروض مر الكلام عليها، والخامس من هذه الفروض: فروض الوضوء، هو كون هذه الأربعة جاءت على هذا الترتيب: غسل الوجه أولًا، ثم غسل اليدين إلى المرفقين ثانيًا، ثم مسح الرأس ثالثًا، ثم غسل الرجلين رابعًا. فهذا لفظ القرآن، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في السنة؛ فإنه عليه الصلاة والسلام علم أصحابه والمسلمين عمومًا الوضوء بقوله وبفعله. ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أخلف هذه الفروض الأربعة، بل الذي صح عنه عليه الصلاة والسلام هو موافقة القرآن وترتيب بترتيب القرآن. فصار هذا هو الدليل الأول مما يستدل به على فرضية الوضوء: كونها جاءت على هذا الترتيب في الكتاب وفي السنة، ولم يأت في موضع واحد ما يدل على إخلاف هذه الفروض الأربعة. هذا يدل على أن هذا المعنى لازم. وعلل المؤلف رحمه الله استدل أولًا: قال: الترتيب على ما ذكر الله، يعني كما جاء في القرآن. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء كما أمر الله، وهذا يؤيد الالتزام بالترتيب. فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به -يعني بالوضوء- كما أمره الله، مع ما علم من قوله وفعله بموافقة الترتيب وما جاء في القرآن، هذا يؤكد وجوب وفرضية الترتيب. ثم قال: لأنه أدخل الممسوح بين مغسولين، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب. الممسوح بين المغسولين هو مسح الرأس، قال سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. لو كان الترتيب غير مقصود، لكان سياق الكلام على وجه الاختصار يكون بتقديم الأرجل على مسح الرأس؛ لأن الأرجل من ضمن المغسول، فيقول: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم، وامسحوا برؤوسكم، فيجعل المغسول مع المغسول. لكن لما قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ دل على أن إدخال الممسوح بين المغسولين له معنى، هذا المعنى هو الترتيب. وهذه قرينة يستدل بها على معنى الترتيب. قد يقول قائل: الواو عند أهل اللغة العطف بها لا يفيد الترتيب. الجواب: نعم هو كذلك عند أهل اللغة، ولكن كذلك عند أهل اللغة هي لا تفيد الترتيب إذا لم تحتف بها قرينة. أما إذا احتفت بها قرينة، فالقرينة تدل على الترتيب. فقد تكون القرينة لفظية، وقد تكون القرينة معنوية. وقد ذكر أهل اللغة في الكلام على الواو العاطفة وإفادتها الترتيب وعدم الترتيب أمثلة لذلك. يكفي أن نعرف هذا المعنى. وهنا قد وجدت القرينة، والقرينة هي إدخال الممسوح بين المغسولين، هذا أفاد أن الترتيب مقصود. ولذلك استدل جمهور أهل العلم على وجوب وفرضية الترتيب بهذه المعنيين: المعنى الأول كونه جاء كذلك في القرآن والسنة، والمعنى الثاني إدخال الممسوح بين المغسولين. إضافة إلى أنه كما سبق لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخلف بالترتيب في هذه الفروض الأربعة. وقد أمر عليه الصلاة والسلام أن تأخذ منه العبادات، سواء أكان أمر الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، أو الحج: «خذوا عني مناسككم»، أو كذلك أمور الطهارة ومنها الوضوء. هذا الفرض الخامس من فروض الوضوء، وهو الترتيب. كما علمنا دلت عليها دلة الكتاب والسنة من جهة الدليل ومن جهة التعليل. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يشترط الترتيب. وهذا الذي ذكر استدل به من استدل له من استدل ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قد يفهم منه أنه عليه الصلاة والسلام لم يرتب في وضوئه. وذلك بكونه أخر المضمضة والاستنشاق إلى ما بعد غسل اليدين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه فعل ذلك، كما جاء ذلك في بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الحديث: «أن المقدام بن معد يكرب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فغسل كفيه ثلاثًا، ووجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم مضمضة واستنشق ثلاثًا، ومسح يعني الشاهد أنه أخر المضمضة والاستنشاق ثم مضمضة واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه -أي- ثلاثًا». والحديث رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح، وذكره العلام الألباني في الصحيحة. فهذا الحديث استدل به جماعة من أهل العلم على عدم وجوب الترتيب. ولو تأملنا هذا الحديث وجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم -هذا على صحة الحديث- على أن بعض أهل العلم تكلم في هذا الحديث من جهة صحته، حتى قال بعض أهل العلم أن هذه الرواية شاذة وتعارض الرواية المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه على غسل اليدين. فالشاهد على تقدير صحتها قد يقول قائل: أنتم لا تصححونها، لكن نحن نصححها. نقول لهم: لا بأس، على تقدير صحتها، فينبغي أن نعلم جميعًا أن الواجب الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلًا. فحسبنا أن نفهم من هذا الحديث أنه يجوز أحيانًا تأخير المضمضة والاستنشاق إلى ما بعد اليدين، لكن ليس فيه دليل لا من قريب ولا من بعيد أنه يجوز أن نخلف في فرائض الوضوء بدون ترتيب، فنقدم اليدين على غسل الوجه، أو نبدأ بغسل الرجلين، ثم غسل الوجه، ثم غسل اليدين، وهكذا نقلب ونخالف ترتيب أركان وفرائض الوضوء على خلاف ما جاء في الكتاب والسنة المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، هذا غير صحيح. لكن على القول بصحة هذه الرواية يقال: يجوز أحيانًا أن يؤخر الإنسان المضمضة والاستنشاق إلى ما بعد الوضوء، إلى ما بعد غسل اليدين. فإن قال قائل: قد جاء عن بعض الصحابة الاجتزاء بالغسل من دون وضوء، فهذا يدل على عدم الترتيب وعدم وجوب الترتيب. يجاب عن هذا بأجوبة: أولها أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجمع في غسله بين الوضوء والغسل، كما جاء في حديث ميمونة وحديث عائشة. صحيح جاء في حديث ميمونة أنه أخر غسل الرجلين، وهذا لا يضر؛ لأن تأخير غسل الرجلين لا يخلف بالترتيب. فهنا الذي ينبغي تقديم سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لو قيل: أن هذا صح عن بعض الصحابة، فيقال كذلك: ليكن هذا في الغسل خاص، ممكن أن يقال: يجوز لمن اغتسل إذا غسل سائر الجسد أن يكتفي بغسله عن الوضوء. لكن لا يجوز أن نقول: يجوز لك أن تخلف في أركان الوضوء، فتفعلها غير مرتبة، هذا غير صحيح. لم يدل عليه نص لا بمنطوق ولا بمفهوم، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا عن أحد من سلف الأمة. وما نقل عن بعض التابعين في ذلك، فهو إن صح النقل، لعله يحمل على هذه الأوجه التي سمعناها. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. على أن الأفضل والأحوط والأكمل أن الإنسان حتى في الغسل ينبغي عليه أن يسبق هذا الغسل بوضوء، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في غسله عليه الصلاة والسلام. ونقول: الأحوط؛ لأن النصوص دلت عليه، بل بعضهم جعل بعض النصوص أنهم من الصريح، كحديث رفاعة ابن رافع البدري الذي فيه قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أوصاه بوصايا، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، واستقبل القبلة» الحديث، وهو حديث صحيح، صححه العلام الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. فقوله: «توضأ كما أمرك الله» يدل على هذا المعنى. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الركن والفرض، والله تعالى أعلم. ونفتي في هذه الليلة بهذا القدر، وأعتذر عن أي أسئلة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.