شرح كتاب الطهارة  6

شرح كتاب الطهارة 6

الدرس في شرح كتاب الطهارة 6، الدرس السادس (فصل وإن خفي موضع النجاسة من الثوب ...فدعا بماء فنضحه ولم يغسله متفق عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الصلاة بثوب مشكوك في طهارته

إذا خفي موضع النجاسة في الثوب، يغسل ما يتيقن به إزالتها. يصلي في ثوب مشكوك في طهارته بالتحري.

مسائل فقهية متعلقة بالنجاسة والطهارة

يناقش آراء العلماء في التعامل مع الثياب المشكوك في نجاستها، ويشرح قاعدة 'ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه'.

حكم مشاركة المشركين في المسجد الحرام ومشروعية الرياضة

الآية تنهى المشركين عن الاقتراب من المسجد الحرام بسبب نجاستهم المعنوية. الإسلام يبيح الرياضة ضمن ضوابط شرعية.

الختام والدعاء بالصلاة على النبي

يُنصح بالاعتدال في التعامل مع هذا الباب، ويُختتم الكلام بالصلاة على النبي وآله وصحبه والدعاء للمستمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسل ما يتيقن به إزالتها، وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة يعلم عددها أو لا. ومعنى أو لا، أو لا يعلم اختصار لما قبله. قال: صلى في واحد منها بالتحري، اختاره الشيخ تقي الدين. هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى في ذكر بعض المسائل من مسائل الشك في طهارة الثوب أو المكان، وما يلحق به مما سيأتي إن شاء الله. والفصل يجعله العلماء كلفظه فاصل بين مسائل الباب، فهو من الباب، لكنه يختلف عنه من وجه. فكما مر معنا أن الباب هو ما يدخل منه ويخرج، وهو هنا مجموعة متشابهة من العلم، والفصل من هذه المجموعة المتشابهة، لكنه في نوع خاص من تلك المجموعة المتشابهة. ابتدأ رحمه الله تعالى هذا الفصل بهذه المسألة الأولى، قال: وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسل ما يتيقن به إزالتها. رجل أصاب ثوبه شيء من النجاسة، لكن ما يعلم أين هذا الموضع الذي أصابته النجاسة. يقول: يغسل ما يتيقن به إزالة النجاسة. هنا نرجع إلى مسألة القواعد، مر معنا فيما سبق أن الأصل في الأشياء الطهارة، أي في الثياب والأرض والحجارة، وعلمنا دليل هذا الأصل. فإذا خرج الإنسان عن هذا الأصل بتيقن حصول النجاسة، وجب عند ذلك إزالة هذه النجاسة؛ لأن النجاسة صار أمرها يقين. بقي إذا شك في موضع النجاسة من هذا الثوب، يقول: يغسل ما يتيقن به إزالتها، أي إزالة هذه النجاسة. وقوله: ما يتيقن به، يدل على أنه ليس كل الثوب، إنما الحد المنتهى الذي يدخله في اليقين. فالناس في هذا طرفان ووسط. قوم ربما يتساهلون فيغسلون مظنة النجاسة مع وجود مظنة أخرى. مثلا شك في هذا الطرف من الثوب، وما حوله مشكوك فيه، فأخذ بذاك الطرف وترك المشكوك الآخر، هذا خطأ. أو كذلك إنسان آخر، قلنا أن يغسل بعض المشكوك ويترك المشكوك الآخر، هذا خطأ. أو العكس، المشكوك كله بقعة محصورة محدودة عنده، فتعدى ذلك فغسل الثوب كاملا، هذا كذلك يخشى الاسترسال، يخشى الاسترسال فيه أن يوصله إلى شيء من الوسوسة. والوسط ما هو؟ الوسط أن يغسل منتهى المشكوك فيه بحيث يستيقن أن النجاسة زالت، وسط لا إفراط ولا تفريط. والمسألة الثانية: فإن قيل ما هو الدليل على ذلك؟ الجواب: عمومات كثيرة تدل على هذا المعنى. من هذه العمومات أدلت قاعدة إزالة الشك، فإنها تدل على هذا المعنى. ثم انتقل بعد أن ذكر إصابة النجاسة لبعض الثوب والشك في ذلك، انتقل إلى إصابة النجاسة للثوب مع ثياب أخرى. مثلا عنده ثلاثة أثواب متشابهة، هو مستيقن أن أحد هذه الثلاثة نجس، لكن ما يدري، نسي ما هو النجس منها، فماذا يصنع؟ أشار إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رجح في هذه المسألة أن يصلي في واحد منها بالتحري، يبذل الجهد ويصلي بواحد منها، وصلاته إن شاء الله صحيحة. وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. القول الأول: قلنا شيخ الإسلام رحمه الله رجح أنه يتحرى، يعني يجتهد بما يغلب على ظنه أنه الطاهر فيصلي فيه، وهذا يكفي ويجزئه. وهذا هو الراجح كما ذكر. وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. القول الأول: هذا الذي سبق، وهو الراجح، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. والقول الثاني: وهو أنه يصلي صلوات بعدد الثياب المشكوك فيها، يعني مثلا ثلاثة أثواب يصلي ثلاث مرات. والقول الثالث: أنه لا يصلي بشيء منها، بل يصلي عريانًا اجتنابًا للنجس. والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله أدلة كثيرة. وذكر العلماء بالمناسبة في هذا المقام قاعدة فقهية ينبغي لطالب العلم أن يستفيد منها. أشار إلى هذه القاعدة، ومعناها الحافظ ابن رجب في قواعده، والإمام ابن القيم في البدائع رحمه الله، وهكذا شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، وغيرهم من من سبق من أهل العلم. هذه القاعدة هي من فروع قاعدة الضرورة أو الضرر يزال، وهي: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه، وما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه. الجزء الأول من القاعدة هو الذي منه مسألتنا هذه: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه. مثلا اشتبه على إنسان ماء نجس بطاهر، وهو مضطر للطهارة الآن، سواء يشربه مضطر للشرب أو يتوضأ به، هنا نقول له: اجتهد. والإجتهاد في هذا المقام من باب الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. فإذا باحث المحظورات فمن باب أولى ما كان من باب الاجتهاد، يعني أن الضرورة خفتها هنا، يعني الضرر خف. إذا كان الممنوع المحظ يجوز عند الضرورة، فالمشكوك فيه من باب أولى أنه يجوز. هذا معنى القاعدة: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه. ومثله كذلك إذا اضطر للأكل وشك فيما أمامه بين ميتة ومذكاة، شك أمامه فيما أمامه من طعام، ميتة شاه ميتة وشاه مذكاة، هل يجوز له أن يجتهد فيأخذ أحد الشاتين بما يغلب على الظن، إما بصفاتها، إما بزمانها، أو بمكانها، أو بأي قرينة أخرى يستطيع أن يرجح أحد الشاتين أنها المذكاة فيأكلها؟ الجواب: نعم يجوز له أن يجتهد لهذه القاعدة: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه. قال رحمه الله تعالى: وإذا شك في النجاسة هل أصابت الثوب أو البدن؟ فمن العلماء من يأمر بنضحه، ويجعل حكم المشكوك فيه النضح، كما هو مذهب مالك. ومنهم من لا يوجبه، فإذا احتاط ونضح كان حسنا، كفعل أنس في نضح الحصير، ونضح عمر ثوبه، ونحو ذلك. هذه مسألة أخرى من مسائل النجاسة التي تصيب الثوب والبدن. يقول: إذا شك في النجاسة هل أصابت الثوب أو البدن؟ هنا يقول: للعلماء فيه مذهبان. المذهب الأول: أنه ينضحه. والنضح ليس هو الغسل بصب الماء وفرق الثوب أو صب الماء وتحريك موضع الجسد، ولكن النضح هو تبليل الكف أو أخذ ماء يسير في الكف ونفثه نفثا أو تقطيره تقطيرا على الموضع المشكوك فيه بالنجاسة. أشار إلى أن هذا روي عن الإمام مالك أو في مذهبه رحمه الله. وهذا القول الأول. والقول الثاني: أنه لا يجب. وهذا الثاني هو الأصح؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. الأصل أن الثوب طاهر، وأن البدن طاهر، فيبقى على هذا الأصل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد شيئا في الصلاة، ماذا قال؟ أمره أن يبقى على الأصل، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. فإذا كان كذلك، شك ليس عنده يقين، شكا هل أصابت النجاسة الثوب أو البدن أم لا؟ مثاله: رجل خرج للاستنجاء في أثناء تبوله، بالاستنجاء شعر أن البول له رداد، ولا يدري هل أصاب هذا الرداد ثوبه أم لا، أو لم يدري أصاب جسده أم لا؟ فهنا يأتي التفصيل في هذه المسألة. والصحيح أنه ما دام ليس عنده يقين، فإذا يبقى على الأصل، وهو أن الثوب طاهر والبدن طاهر. ثم قال رحمه الله: ويجزي في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، لحديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدع بماء فنضحه ولم يغسله، متفق عليه. ومعنى الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، أن المراد بها النجاسة المعنوية لا النجاسة الحسية. فالمشركون نجس، أي الشرك نجاسة معنوية، فلأجل هذا لا يقرب المسجد الحرام، يعني بشيء من العبادات؛ لأن عباداتهم مخلوطة بشرك وكفر. ومما يدل على ذلك: ما وصف الله عز وجل صلاتهم أنها مخلوطة بالباطل، كما قال سبحانه: ﴿ﻴمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. فصلاتهم مخلوطة بالباطل من التصفيق والتصفير والكلام الشركي. وهكذا كذلك إن كانت لهم تلبية في حج، تلبيتهم مخلوطة بشرك، كقولهم في مجاز الصحيح: أنهم كانوا يلبون فيقولون: لبيك لا شريك لك، لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وهكذا كذلك كونهم قوم لا يعرفون الطهارة، كما لا يعرفون الطهارة المعنوية من التوحيد والطاعة، ربما تطوف المرأة وهي عارية، كما جاء كذلك في الحديث الصحيح: أن المرأة كانت تطوف وتقول: اليوم يبدو كله بعضه أو كله، وما بدى منه لا أحله. تصور لو أذن للمشركين أن يطوفوا بالبيت، وتأتي امرأة تطوف وهي عارية، كيف يكون الحال؟ فلأجل هذا الباطل نهى النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الرب جل وعلا أن لا يطوف بالبيت بعد العام. أرسل في حجة أبي بكر في السنة التاسعة، وأمر أبو بكر وعلي بأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن ينادي في الحج: أن لا يطوف بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، تحذيرا. فكان توطئة لحج النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة، الذي كان على التوحيد والسنة. ومما يؤكد هذا الراجح من الأقوال: ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر عنده أحد المشركين قبل أن يسلم، وهو ثمامة بن أثال، فربط في سارية من سواري مسجده عليه الصلاة والسلام، بقي فيه ثلاثة أيام، وهو في المسجد مأسور. ولو كانت نجاسته نجاسة حسية، لم يتركه النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، بل تركه حتى أسلم بعد ذلك، حين رأى ما رأى من خصال الخير في الإسلام. نعم الله تعالى أعلم. طيب السؤال الأخير يقول السائل: قد قامت إدارة المسجد مباريات كرة القدم للإخوة، وقدمت الجوائز للفائزين من أشخاص من خارج المباريات، فهل يجوز هذا؟ وهل تجوز لنا مشاهدة هذه المباريات؟ الجواب: أنا أنصح هؤلاء الأخوة وإدارة هذا المسجد بتركي التوسع في هذا الباب؛ فإنه يفضي إلى تركي الواجبات وتضيعها، فضلا عن المستحبات، وما يجب الاعتناء به من الاعتناء بالعلم والعمل، وغير ذلك من أبواب الخير. مع ما فيه أي هذا التوسع من التشبه بالفسقة والمتحزبة الذين أفرطوا وبالغوا في هذا الباب. لا نقول أن السني يحرم الرياضة، أو لا تجوز له الرياضة، أو أن الرياضة مكروهة. لا، الرياضة بما لا يخالف الشرع أمر مباح، بل قد يكون مستحبا، بل قد يكون واجبا، يدخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. والمسلم القوي أحب إلى الله من الضعيف، وفي كل خير. وينبغي للمسلم أن يعتني بقوته، فلا بأس بالرياضة عموما التي تتقوى بها الأجسام، وتتنشط به العقول، وتستروح به النفوس. ومن ذلك كرة القدم، لكن بالضوابط الشرعية، لا كشف عورات، ولا تهاون في أوقات الصلوات، ولا تشبه بالكفار، ولا بالفسقة، لا حاجة للكأس، ولا كذلك للدوري، وإضاعة الأوقات في ذلك، ولا الجوائز والأموال التي تهدر في غير محلها. لكن يخرجون في يوم الإجازة، أو بين الحين والآخر، يلعبون بالكرة، وهم متسترون، بما لا يشغل عن واجب، أو يكون فيه دندنة تضر، فإن شاء الله هذا مباح. أما جوائز ومسابقات وتوسع في هذا الباب، فهذا لا أنصح به؛ لأنه باب يضر، واسترسال يذهب بالمقصود من هذه المساجد. يعني هذه مأساة أن إدارة مسجد تتوسع في هذا الباب، يبغى أن تتوسع في القرآن، تتوسع في السنة، تتوسع في أبواب أخرى. وهذا الباب يعطى له نصيب، لا بأس، لكن باعتدال، لا إفراط ولا تفريط. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.