الدرس في شرح كتاب الطهارة 38، الدرس الثامن والثلاثون (الثالث من نواقض الوضوء مس الذكر ... الثالثة ينقض إن قصد مسّه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مس الذكر كثالث نواقض الوضوء، حيث يتناول اختلاف أهل العلم في هذا الناقض لاختلاف الروايات الواردة فيه. يرجح المقطع أن الأحاديث التي تشير إلى نقض الوضوء بمس الذكر هي الأصح والأكثر والأوضح.
الراجح في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر هو التفريق بين من مس ذكره قاصدًا ومن مسه بغير قصد، كما أن التفريق بين مس الذكر بباطن الكف وظاهرها له أساس في اللغة والنصوص الشرعية.
يناقش المقطع تفاصيل مس الذكر أو الفرج وما إذا كان ينقض الوضوء، ويشرح آراء أهل العلم المختلفة حول هذه المسألة، ويتطرق إلى مسائل متعلقة مثل تغسيل الميت وغسل الصبي.
يختتم الشيخ الدرس الحالي ويؤجل مناقشة بعض النقاط للدرس التالي، مع الإشارة إلى وجود عبارة ذات صلة بالناقض الخامس سيتم تناولها لاحقا. ينهي الشيخ الدرس بالدعاء والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في مباحث نواقض الوضوء، فيما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه كتاب الطهارة. وكنا أخذنا في الدرس السابق شيئًا من نواقض الوضوء، ونواصل في هذا اليوم هذه النواقض، وهذا الناقض هو الثالث. قال رحمه الله تعالى: الثالث من نواقض الوضوء مس الذكر، ففيه ثلاث روايات: أحدهما لا ينقض، لحديث قيس، وفيه: «وهل هو إلا بضعة منك». والثانية ينقض، لحديث بسرة بنت صفوان، وفيه: «من مس ذكره فليتوضأ». قال أحمد: حديث صحيح. قال: الثالث ينقض إن قصد مسه. وقال الشيخ تقي الدين: ويستحب الوضوء عقيب الدم، ومن مس الذكر، وما إلى ذلك، إلى استحباب الوضوء من مس النساء، أو الأمراض إذا كان لشهوة. هذه مجموعة من المسائل، أولها وهو المقصود ها هنا: أن من نواقض الوضوء مس الذكر، وقد اختلف أهل العلم في هذا الناقض لاختلاف الروايات الواردة فيه. والأقوال المشهورة كما أشار ثلاثة أقوال، وهي روايات تروى عن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. القول الأول: أنه لا ينقض، أي من مس ذكره لا ينتقض وضوءه. والقول الثاني: أنه ينقض الوضوء، من مس ذكره فوضوءه ينتقض. والقول الثالث: فيه تفصيل، ثم اختلفوا في هذا التفصيل. فمنهم من قال: التفصيل أن يفرق بين من مس ذكره بشهوة فإنه ينقض الوضوء، ومن مسه بغير شهوة فإنه لا ينقض الوضوء. وهناك تفصيل آخر، وهو أن من مسه قاصدًا لمسه فهو الذي ينتقض وضوءه، ومن مسه وهو لا يقصد مسه كالمخطئ والغافل ونحوهما، فهذا لا ينقض وضوءه. ودليل القول الأول كما أشار رحمه الله: قول النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث الصحيح: «إنما هو بضعة منك»، وهو حديث طلق بن حبيب. وقال هنا: قيس. ودليل الثاني: أنه ينقض الوضوء، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ»، وهو ما جاء في حديث بسرة بنت صفوان. وأكثر الأحاديث وأصحها ما روي في أن مس الذكر والفرج ينقض الوضوء، لما جاء من حديث بسرة، وجاء من حديث حفصة، وجاء عن عدد من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، هذا المعنى. ولهذا فقد رجح الكثير من العلماء أحاديث نقض الوضوء على ما روي من عدم نقض الوضوء، وذلك لمرجحات. من هذه المرجحات: أن الأحاديث المروية في نقض الوضوء بمس الذكر والفرج أصح وأكثر. ومن هذه المرجحات ثانيًا: أن الأحاديث المروية في نقض الوضوء بمس الذكر والفرج أصرح وأوضح. ومن هذه المرجحات كذلك: أن هذه الأحاديث التي فيها نقض الوضوء أكثر تفصيلًا، وزيادة التفصيل يدل على زيادة تأكيد، فثبوت الحكم. فلهذه المرجحات وغيرها، رجح أكثر أهل العلم هذه الأحاديث على ما جاء في الأحاديث التي ليس فيها ذكر نقض الوضوء بمس الذكر. ويبقى هنا: ما هو الجواب عن مثل هذه الأحاديث التي فيها أن من مس ذكره فوضوءه لا ينتقض؟ أجاب العلماء عما ورد في هذا الباب بأجوبة، منها: أن ما روي ليس صريحًا في أنه لا ينقض الوضوء، وإنما السؤال عن من مس، فقال: «إنما هو بضعة منك»، فليس فيه صراحة نفي الإلزام بالوضوء لمن مس ذكره. وثانيًا: أنها قضية عين، والخطاب يدل عليه، وقضايا الأعيان عند العلماء لا يستدل بها على عموم الأحكام. وهكذا كذلك لما تقدم من أن الروايات المروية بنقض الوضوء فيها الأمور الثلاثة المتقدمة، فلهذا كان القول بنقض الوضوء أقوى من القول بعدم نقض الوضوء. على أنه يمكن أن يحمل تفسير هذه القضية على تفصيل في المسألة، وهو الراجح والله أعلم، وهو أن يفرق بين من مس ذكره مخطئًا أو غافلًا أو نحو ذلك، أي بغير قصد، فيقال له: «إنما هو بضعة منك». وأن من مسه قاصدًا لمسه فهذا ينتقض وضوءه، ويؤمر بإعادة الوضوء. وهذا القول أقرب وأصح لدلالة النصوص على ذلك، ولأن له معنى يدخل في عمومات النصوص، وهو أرجح من التفصيل بالتفريق بين من مس بشهوة ومن مس بغير شهوة. أولًا لأن التفصيل بالقصد وغير القصد دلت عليه الأدلة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ومن مس بغير قصد يدخل في هذا العموم. وأما التفريق بشهوة وبغير شهوة، فلا يوجد دليل يدل عليه، لا دليل خاص ولا دليل عام. أكثر ما استدل به: ما استدل به في قضية مس المرأة بشهوة، وأنه ينقض الوضوء، استدلالًا بالآية. والصحيح: أن الآية ليس فيها دليل على هذا التفصيل. بل الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المقصود بها الجماع، وليس المس بشهوة. بل صح صريحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يمس ويصلي، بل ويقبل ويصلي ولا يتوضأ، كما جاء عن عائشة، رضي الله عنها، عند أبي داود وغيره، بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقبل بعض نسائه، فيخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ. فاستفدنا من هذا أولًا فيما يتعلق بمسألتنا: أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء. واستفدنا ثانيًا: أن قياس مس الذكر على مس المرأة قياس غير صحيح، لأمرين: أولًا لأنه من قياس الشبه، وهو يسمى عند الأصوليين من أضعف الأقيسة، ما يسمى بقياس الشبه، يعني تشبيه شيء بشيء، فيلحق به بالحكم، هذا من أضعف أنواع الأقيسة، حتى سماه بعض أهل العلم: أنه قياس إبليس. وثانيًا: إذا ثبت أن الأصل الذي قيس عليه لم يصح، وهو قضية التفصيل في مس المرأة بشهوة وبغير شهوة لم يصح، فكذلك ما قيس عليه من باب أولى. واضح إذا كان الأصل الذي قيس عليه هم قاسوا التفصيل في قضية مس الذكر على التفصيل في قضية مس المرأة، قالوا: مس المرأة بشهوة ينقض وبغير شهوة لا ينقض، إذن الذكر كذلك، فيقال لهم: إذا كان الأصل أصلا لم يثبت، فالمقيس عليه من باب أولى. فترجح بهذا القول الذي سمعتموه، وهو التفريق بين من مس بقصد ومن مس بغير قصد، وهذا هو الراجح الذي تدل عليه النصوص وتقتضيه كذلك عمومات الأدلة، فهو كما قيل: يوافقه المنقول والمعقول. وهنا تتم لهذا المبحث ننبه بتنبيهات: أولًا: تأكيدًا لما سبق، علمنا فيما سبق أن الراجح في هذه المسألة، وهي قضية نقض الوضوء من مس الذكر، الصحيح التفصيل. أولًا: ترجيح ما روي بمعنى حديث بسرة بنت صفوان على ما روي في حديث طلق بن علي، لأن ما جاء في حديث بسرة بنت صفوان له مرجحات كثيرة. ومن هذه المرجحات: أنه روي بحديث أصح وأكثر، وغيرها مما ذكر. وعلمنا مما سبق: أن الراجح بهذه المسألة التفصيل، وعلمنا أن التفصيل هو التفريق بين من مس ذكره قاصدًا ومن مس ذكره بغير قصد، فهذا هو التفريق الذي تدل عليه الأدلة بعموماتها، وكما قيل: يوافقه المنقول ويدل عليه المعقول. وقد رجح الإمام ابن القيم، رحمه الله، في مواضع من كتبه، ما جاء معناه في حديث بسرة على ما جاء معناه في حديث طلق بن علي، من أكثر من سبعة أوجه. فبهذا نخلص إلى هذا القول الذي سمعتموه، وهو التفصيل بين من مس قاصدًا ومن مس بغير قصد. ونلحق بهذا بتنبيهات: التنبيه الأول: أن العلماء اختلفوا في المس، هل هو بباطن الكف أو بظاهر الكف؟ وهل هو بالكف أصلا أو بأي جزء من الجسد؟ والصحيح الذي تدل عليه النصوص وتقتضيه اللغة: أن المس إنما يكون بباطن الكف. ولذلك نضيف تفصيلًا آخر، فيقال: أن المس يكون بباطن الكف، فلذلك يضاف تفصيلًا لما سبق، وهو كالتنبيه على القول الراجح في هذه المسألة: أن من مس ذكره وفرجه بباطن كفه قاصدًا ينتقض وضوءه، ومن مسه بظاهر كفه لا ينتقض وضوءه. قد يقول قائل: لماذا هذا التفريق؟ الجواب لأمرين: الأمر الأول: لأن النصوص دل ظاهرها على ذلك. والأمر الثاني: أن هذا الباب تعبدي، ومن قال أن له علة فالعلة معقولة بباطن الكف، ليست بظاهر الكف، وذلك أن يبعد المسلم عما يضر بطهارته من مس ذكره بغير حاجة، يعني بعد الوبوء. لأن في الغالب إذا عبث المرء بذكره قبله أو دبره، ربما كان هذا داعيًا لانتقاض الوضوء بأسباب كثيرة، وهذا لا يكون غالبًا إلا بباطن الكف لا بظاهره. طيب أقول: إن قال قائل لماذا هذا التفريق؟ فيقال لأمرين: الأمر الأول لأجل ظاهر النص، لأن ظاهر النص يدل على أن المس بباطن الكف لا بظاهره. والثاني لأن هذا المعنى تعبدي، فنبقى على هذا الظاهر لأن الحكمة قد تظهر وقد لا تظهر، وإذا ظهرت قد يختلف فيها الناس، فنبقى على هذا الظاهر. ولو قلنا أن لهذا حكمة كما ذكر بعض أهل العلم، يعني لماذا جعل الشرع مس الفرج ينقض الوضوء؟ بعضهم قال: تعبدي، وبعضهم قال: له حكمة. ومن قال له حكمة جعل الحكمة هو أن لا يعبث المسلم حال وضوءه بفرجه، يعبث يعني يفعل شيء لا حاجة له وهو على وضوء، لا حاجة له أن يعبث، بينما لو ذهب يستنجيء سيفعل بقدر الاستنجاء. واضح فمنعًا لهذا الأمر، وهو أن لا يعبث المسلم بفرجه وهو على طهارة، وهذا قد يؤدي لنقض الطهارة من خروج شيء، فلذلك جعل سدا لهذه الذريعة أن من مس فرجه أو ذكره فإنه ينقض الوضوء. وهذا المعنى لا يكون بظاهر الكف، يعني حتى على القول بالتعليل، إنما يكون بباطن الكف لا بظاهر الكف. ولهذا ترجح التفصيل الذي سمعناه: أن مس الذكر أو الفرج الذي ينقض الوضوء إنما هو بباطن الكف لا بظاهره. التنبيه الثاني: وهو أن يقال اختلف أهل العلم ما المقصود بالذكر والفرج؟ فمن قائل: أنه القبل المقدمة. ومن قائل: أنه المقدمة والمؤخرة، القبل والدبر المخرجان. ومن قائل: أنه يضاف بالنسبة للرجل كذلك الخصيتان. وأرجح الأقوال في ذلك هو أن المقصود بذلك القبل والدبر، لدلالة الأدلة المروية في هذا الباب. لأنه جاء في حديث بسرة: «من مس ذكره فليتوضأ». وجاء في حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما، أنه قال: «من مس فرجه فليتوضأ، وأي امرأة مست فرجها فلتتوضأ». ونحوه في حديث حفصة، وهكذا في حديث أبي هريرة، وكلها أحاديث صحيحة. والفرج أعم من القبل، فهو يشمل القبل والدبر. وجاء في رواية يحسنها بعض أهل العلم فيها زيادة: «وأنثيه». فعلى هذا يكون الحديث على عمومه، وهذا هو القول الراجح، والمسألة فيها خلاف طويل، فهذا خلاصته والله أعلم. التنبيه الثالث: أن يقال هل المقصود بالمسه هنا مس المسلم لعضو نفسه أم كذلك لعضو غيره؟ أخذ بعض أهل العلم بظاهر الأحاديث فقالوا: إنما المقصود عضو نفسه لا عضو غيره. والصحيح: أنه عام، عضو نفسه أو عضو غيره، ولكن خرجت هذه الأحاديث مخرج الغالب. وكذلك يقال: أنه ذكر الأدنى فالأولى والأعلى من باب أولى، إذا كان ينقض بمسي ذكر نفسه، فذكر غيره من باب أولى. وقد روي عن بعض الصحابة أنهم أمروا بالوضوء من تغسيل الميت، وروي مرفوعًا يحسنه بعض أهل العلم. قال بعض أهل العلم: وذلك لأن تغسيل الميت في الغالب يكون فيه مس للفرج، وهذا ليس بلازم، لكن فهم هذا بعض أهل العلم. والصحيح في هذه المسألة هو ما سمعنا، لعموم الأدلة، ولأنه من باب أولى. وهنا تأتي مسألة يسأل عنها الكثير من الأمهات، وهي هل يدخل في هذا الحكم فرج الصبي أو الصبية؟ فإن المرأة قد تحتاج أن تغسل الصبي وهي على وضوء، فماذا تصنع؟ هل تعيد وضوءها؟ وهل هناك حد للصغير؟ اختلف أهل العلم كذلك في هذه المسألة، وروي عن الإمام مالك، رحمه الله، القول بالعموم، وأن الصبي كغيره، يعني يلحق به حكم النقل. والأحوط في هذا الباب أن تتوضأ المرأة كذلك. فإذا مثلًا قالت امرأة: يحصل في بلادنا البرد الشديد ويشق علي في كل تغسيل للطفل أعيد الوضوء. فيقال: بإمكانك أن تغسل هذا الموضع من غير أن تمسيه باليد، إما باستعمال المناديل أو باستعمال القفاز، وما كان بمعناه مما يحصل به المقصود ولا ينتقض إن شاء الله الوضوء على ما تقدم تفصيله: أن المقصود هو الملامسة بباطن الكف. علمنا في هذا الناقض، وهو الرابع في الحقيقة، وعندنا في النسخة مكتوب الثالث، وهو خطأ، والصواب أنه الرابع، لأن أخذنا قبله ثلاثة: أخذنا الأول الخارج من السبيلين، والثاني خروج النجاسات، والثالث زوال العقل، والرابع هو مس الذكر على التفصيل الذي سمعناه. ونقف هذه الليلة إن شاء الله عند هذا الحد، ونترك الباقي للدرس اللاحق. وتوجد هنا عبارة لها تعلق بالناقض الخامس، فسنتركه إن شاء الله للدرس اللاحق لتعلقه به. فإلى هنا واله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.