شرح العقيدة الواسطية للهراس 18

شرح العقيدة الواسطية للهراس 18

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 18، الدرس الثامن عشر : (وأما قوله ومن غير تكييف ولا تمثيل فالفرق بينمهما ... أن صفاته تعالى على كيفية كذا أو يسأل عنها بكيف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم التكيف والتمثيل في صفات الله تعالى

يشرح المقطع مفهوم التكيف والتمثيل في سياق صفات الله تعالى، مبينًا أن كليهما منفيان في العقيدة الصحيحة. يُوضح أن نفي التكيف لا يعني نفي وجود الكيفية بل نفي العلم بها.

تقسيم الصفات إلى ثبوتية ومنفية وتوضيح السبب في استخدام لفظة 'تمثيل'

يناقش سبب اختيار لفظة 'تمثيل' دون 'تشبيه' ويشرح تقسيم الصفات إلى ثبوتية ومنفية، حيث تُثبت الصفات الثبوتية لله تعالى وتُنفى الصفات المنفية لإثبات كمال الضد.

تقسيم الصفات الثبوتية إلى ذاتية وفعلية وتفاصيلها

تنقسم الصفات الثبوتية إلى ذاتية دائمة وفعلية متغيرة بمشيئة الله، وتنقسم الذاتية إلى معنوية وخبرية، والفعلية إلى أقسام متعددة بناءً على سبب حدوثها أو تأثيرها.

الصفات ذات الطبيعة المزدوجة: الذاتية والفعلية

يُوضح أن بعض الصفات تكون ذاتية في أصلها وفعلية في تفاصيلها، مثل صفة الخلق والكلام، حيث تُعتبر ذاتية في أصلها وفعلية في تفاصيل آحادها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما قوله: «هو من غير تكيف ولا تمثيل»، قال: فالفرق بينهما أن التكيف أن يعتقد أن صفاته تعالى على كيفية كذا، أو يسأل عنها بكيف. وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين. وليس المراد من قوله: «من غير تكيف» أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه. وهكذا كذلك هذا الذي ذكره رحمه الله من كلام شيخ الإسلام: «من غير تكيف ولا تمثيل». فبين الشارح رحمه الله أن الفرق أولًا بين التكيف والتمثيل: أن التكيف أن يعتقد أن صفات الله تعالى على كيفية كذا، يعني على كيفية معينة في الذهن، ولو لم يكن لها وجود في الواقع، فهي بهذا المعنى أوسع من التمثيل. التمثيل ذكر كيفية لها مثال في الواقع، والتكيف ذكر كيفية قد يكون لها مثال، وقد لا يكون لها مثال، فهي أوسع من التمثيل، إذ التمثيل تكيف على مثال مخصوص معلوم. وأما التكيف فقد يكون على شيء مخصوص معلوم، وقد لا يكون على شيء مخصوص معلوم. فمثال التكيف الذي هو في نفس الوقت تمثيل: مثاله أن يجعل مثالًا من أمثلة المخلوقين، كقول بعض الممثلة -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا- بأن يد الله كأيديهم، فهذا تمثيل، وهو تكيف في نفس الوقت. لكن إن اعتقد كيفية ليس لها مثال، لم يذكر لها مثالًا من أمثلة المخلوقين، وإنما تخيلها خيالًا في الذهن على شيء ليس له مثال في المخلوقين، هذا يسمى تكيفًا ولا يسمى تمثيلًا. فالأول من «في» والثاني من «في»، التكيف من «في» يعني لا يجوز، والتمثيل لا يجوز. وقال: «أو يسأل عنها بكيف»، كذلك من التكيف السؤال بكيف. ولهذا روي في بعض روايات أثر مالك المتقدم: «وما ظنك إلا مبتدع»، فأمر به فأخرج، لماذا؟ لأنه سأل عن الكيف، ولم يكن السلف يسألون عن الكيف. ثم نبه رحمه الله أن نفي التكيف لا يعني نفي وجود كيفية، وإنما نفي التكيف يعني عدم العلم بالكيفية، وعدم السؤال عن الكيفية، هذا المعنى من نفي التكيف. ويدل عليه أثر مالك وأثر ربيعة بمعناه كما تقدم: «والكيف مجهول». وقوله: «مجهول» ليس معناه أنه ليس له وجود، لا، هو موجود، لكنه غير معلوم، لا يمكن للعقل -عقل هذا الإنسان الضعيف- أن يصل إلى معرفة هذه الكيفية. ثم أشار رحمه الله تعالى إلى أن هذه الكيفية الموجودة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا من خصائصه جل وعلا. وهنا تنبيه: وهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حرص في الألفاظ التي عبر بها على موافقة المنقول، وعدم معارضة المعقول. ولذلك أشار رحمه الله في مناظرته في هذه العقيدة الواسطية: أنه اختار لفظة «تمثيل» دون لفظة «تشبيه» لسببين: أولًا؛ لأن هذا لفظ الكتاب، وهو الذي جاء معناه كذلك عن بعض الأئمة، وقام الإجماع عليه، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فالنفي للتمثيل لا للتشبيه. وثانيًا: اختار لفظة «تمثيل»؛ لأن التشبيه من جهة المعقول موجود، فيوجد تشابه في الأسماء، فيوجد تشابه في الألفاظ، ولكن لا يوجد تشابه في الحقائق. فللمخلوق يد، ولله سبحانه وتعالى يد، فيوجد مشابهة في اللفظ؛ لأنه لا يوجد مماثلة. فلو نفي المشابهة طار في هذا شبهة وإشكال. ولهذا كان الأكمل من جهة الدليل، ومن جهة كذلك التعليل الصحيح: أن ينفى التمثيل ولا ينفى التشبيه، لهذين المعنيين: أولًا؛ لأنه دل عليه الدليل، وثانيًا؛ لأنه اللفظ الذي يصح بدون إشكال، بخلاف نفي التشبيه يحصل إشكال؛ لأنه يوجد تشابه في الألفاظ. نثبت للمخلوق علم، ونثبت لله علم، في تشابه، لكن ليس هناك تماثل. نفي التماثل صحيح، ونفي التشابه غير صحيح. وهكذا أشار رحمه الله تعالى في بعض كتبه الأخرى: في «الفتاوى»، ومجموعة الفتاوى في المجلد الثالث، إلى سبب اختياره إلى هذا اللفظ دون غيره، مع الألفاظ الأخرى التي مرت بما هو قريب من هذا المعنى، فيرجع إليه. طيب، بعد أن أخذنا هذا، وقبل الدخول في مباحث الأسماء والصفات وما سيأتي، ننبه بذكر بعض التقسيم مباحث الصفات. وهذا التقسيم الذي سيأتي -إن شاء الله- لم يكن معبرًا به، ومتعامل به عند سلف الأمة، وإن كان معناه بالاستقراء موجود في أدلة الكتاب والسنة. ومعنى بالاستقراء: يعني بالبحث في أدلة الكتاب والسنة، نجد أن هذه الأقسام موجودة. ولكن ذكرها العلماء بعد ذلك ردًا على أهل البدع؛ لما كان طوائف أهل البدع يظلوا ويظلون في بعض هذه الأقسام نفيًا وإثباتًا، إثباتًا بغلو أو تعطيلًا بنفي. فكان من أهل السنة أن بيّنوا هذه الأقسام، والوجه الصحيح لإثباتها، مع التنبيه على تفاصيل سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليها في مواضعها. أولًا ينبغي أن نعلم أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات منفية، أو تسمى سلبية. والتعبير بالمنفية أحسن من التعبير بالسلبية؛ لأن فيها معنى النفي، ومعنى السلب ليس هو المراد به المعبّر به، وفيه كذلك لبس سيأتي التنبيه عليه في موضع -إن شاء الله-. فالثبوتية: ما كان فيه إثبات بعض الصفات، مثل: العلم، السمع، البصر، هذا ثبوت، إثبات هذه الصفات. الاستواء، النزول، الوجه، اليدين، الأصابع، هذه كلها تسمى صفات ثبوتية، أثبت شيء لله سبحانه وتعالى بما دل عليه الدليل. والقسم الثاني: صفات سلبية، أو نقول كما قلنا: الأفضل منفية، وهي التي نفت عن الله سبحانه وتعالى بعض الصفات. وسيأتي معنا -إن شاء الله- في موضعه: أن الصفات المنفية ليست نفيًا محضًا، وإنما نفي لإثبات كمال الضد، ليس نفي محض؛ لأن النفي المحض ليس بمدح. مثال المنفية: قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، هذه صفات منفية. وكما قلنا: لا يوجد في مباحث الصفات شيء منفي نفيًا محضًا، وإنما منفي لإثبات كمال الضد، هذا هو الذي جاء به دليل الكتاب والسنة. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في موضعه. وهكذا كذلك الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، أي تتعلق بذات الرب سبحانه وتعالى. وضابطها: هي التي لا يزال ولم يزل سبحانه وتعالى متصفًا بها، اتصاف الرب جل وعلا بها دائم. وقسم آخر: هي الصفات الفعلية، وهذه الصفات الفعلية هي التي تتعلق بالمشيئة، متى ما شاء سبحانه وتعالى اتصف بها، تسمى صفات فعلية. ثم نرجع إلى الصفات الذاتية، فنجد أن أدلة الكتاب والسنة بالاستقراء قسمت هذه الصفات الذاتية إلى قسمين: صفات معنوية، ونقول: وهذا الأفضل ذاتية معنوية؛ لأن المراد بالمعنوية ما كان لها معنى، ما كان دالًا على معنى، مثل: الحياة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام ونحوه. والأفضل كما قلنا: نقول ذاتية معنوية، ولا نقول معنوية فقط؛ لأنه سيأتي معنا أن هذا من تعبير الأشاعرة، وفيه لبس يأتي -إن شاء الله- تنبيه عليه في موضعه. والقسم الثاني الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة بالاستقراء من قسم الصفات الذاتية: الصفات الذاتية الخبرية، مثل: الوجه، واليدين، والأصابع، والقدم. وضابطها: ما كان نظيره مسمى أبعاضًا لنا، يعني هو بالنسبة للمخلوق ما كان أبعاضًا له. فإذا لو عبر على معناه لقيل: الصفات الذاتية البعضية، لكن ما عبر بهذا أهل السنة، لماذا؟ لأن هذا التعبير خطأ، ولا يليق بجلال الرب سبحانه وتعالى، وفيه مشابهة الخالق للمخلوق، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فلذلك عبروا بالخبرية؛ لأن ثبوتها لا يعرف إلا عن طريق الخبر، ثبوتها لا يعرف إلا عن طريق الخبر، يعني بطريق الدليل. ما يعرف بدليل آخر، بخلاف الذاتية المعنوية: أنت تستطيع أن تصل إلى بعض الصفات بالقياس الأولوي، إذا كان المخلوق العلم فيه كمال، والجهل فيه نقص، فالخالق أولى بهذه الصفة. بخلاف الصفات الذاتية الخبرية: ما تعرف إلا بالدليل، الدليل أثبت الأصابع، أثبت اليدين، الدليل أثبت العينين، أثبت القدم، أثبت الوجه، وهكذا. وننتقل إلى الصفات الفعلية: تنقسم كذلك بالاستقراء استقراء دلة الكتاب والسنة إلى قسمين: صفات فعلية لها سبب، وصفات فعلية ليس لها سبب. مثال الذي له سبب: كالرضى والغضب. ومثال الذي ليس له سبب: كالنزول والاستواء ونحوه. وقد يعبر كذلك بتقسيم آخر: أنها تنقسم إلى صفات فعلية لازمة، وصفات فعلية متعدية. المتعدية: التي تصل إلى المخلوق، مثل: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة. واللازمة: التي لا تتعد إلى المخلوق، مثل: الاستواء، وهكذا المجيء، والنزول، ونحو ذلك. وهذا كله عرف بالاستقراء. وأخيرًا ننبه بأن بعض الصفات الذاتية يقال لها ذاتية فعلية باعتبار، فهي باعتبار أصلها ذاتية، وباعتبار آحادها فعلية، مثل: الخلق والكلام. فصفة الكلام بالنسبة لله جل وعلا على أصلها ذاتية، كالعلم والسمع والبصر، فالله عز وجل لم يزل ولا يزال قادرًا على الخلق، وعلى الكلام، هذه بهذا المعنى صفة ماذا؟ ذاتية، ذاتية معنوية، باعتبار أصلها. فهو لم يزل ولا يزال قادرًا على الخلق والكلام، كما أنه كذلك متصفًا بالسمع والبصر والعلم ونحوه من الصفات. وباعتبار آحاد هذه الصفة فهي تتعلق بالمشيئة، متى ما شاء خلق، فهي الصفة فعلية بهذا الاعتبار، ومتى ما شاء كذلك تكلم، فهي فعلية بهذا الاعتبار. إذن بعض الصفات تكون ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار، فباعتبار أصلها ذاتية، وباعتبار آحادها فعلية، مثل: الخلق والكلام، وما كان بمعناها مما هو على هذا المعنى.