القصيدة التائية 9

القصيدة التائية 9

الدرس في القصيدة التائية 9، الدرس التاسع:من( لقد صاحبت أعلاما كبارا *ولم أرك اقتديت بمن صحبت ... ومن لك بالأمان وأنت عبد *أمرت فما ائتمرت ولا أطعتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الغرور والتهاون في الذنوب

ينصح الشيخ بالتواضع وعدم الاغترار بصحبة العلماء الكبار، ويحذر من التهاون في الذنوب والمعاصي. يشدد على أهمية التوبة والمراجعة والصلاح.

أهمية التواضع ومراقبة النفس

يُناقش أهمية التواضع ومراقبة النفس، ويُشير إلى أن كبار العلماء يحتاجون إلى التذكير بنصائح الكتاب والسنة. يُنبه على ضرورة النظر إلى أخطاء النفس قبل انتقاد الآخرين.

العبودية الحقة لله تعالى والاستجابة لأمره

يناقش مفهوم العبودية لله وضرورة إقامتها على أكمل وجه، ويحذر من الغفلة عن بعض جوانبها. يشير إلى أن العبودية الحقة تتطلب الاستجابة الكاملة لأمر الله ورسوله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: لَقَدْ صَاحَبْتُ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أُرْكَبْ ذُلًّا بِمَنْ صَحِبْتُا وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبِهُتَا وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّى وَنَفْسَكَ ذُمْ وَلَا تَذْمُمْ سِوَاهَا لِعَيْبٍ فَهِيَ أَجْدَرُ مَنْ ذَمَمْتَا وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالتَّفْنِيدِ مِنِّي وَلَوْ كُنْتَ اللَّبِيبَ لَمَا نَطَقْتَا وَلَوْ بَكَتْ الدِّمَاءُ عَيْنَاكَ خَوْفًا لِذَنْبِكَ لَمْ أَقُلْ لَكَ قَدْ أُمِّنْتَا وَمَنْ لَكَ بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ عَبْدٌ أُمِرْتَ فَمَا أَطَعْتَ وَلَا أَمَرْتَا تَقَلَّلْتَ مِنْ الذُّنُوبِ وَلَسْتَ تَخْشَى لِجَهْلِكَ أَنْ تَقِفَ إِذَا وُزِنْتَا وَتَشْفِقُ لِلْمُصِرِّ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَرْحَمُهُ وَنَفْسَكَ مَا رَحِمْتَا رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى وَخَبَطْتَ عَشْوَى لَعَمْرُكَ لَوْ وَصَلْتَ لَمَا رَجَعْتَا وَلَوْ وَافَيْتَ رَبَّكَ دُونَ ذَنْبٍ وَنُوقِشْتَ الْحِسَابَ إِذَا انْهَلَكْتَا وَلَمْ يَظْلِمْكَ بِعَمَلٍ وَلَكِنْ عَسِيرٌ أَنْ تَقُومَ بِمَا حُمِلْتَا وَلَوْ قَدْ جِئْتَ يَوْمَ الْحَشْرِ فَرْدًا وَأَبْصَرْتَ الْمَنَازِلَ فِيهِ شَتَّى لَأَعْظَمْتَ النَّدَامَةَ فِيهِ لِحُبٍّ عَلَى مَا فِي حَيَاتِكَ قَدْ أَضَعْتَا تَفِرُّ مِنْ الْهَجِيرِ وَتَتَّقِيهِ فَهَلًا مِنْ جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَا وَلَسْتَ تُطِيقُ أَهْوَنَهَا عَذَابًا وَلَوْ كُنْتَ الْحَدِيدَ بِهَا لَذُبْتَا وَلَا تُنْكِرْ فَإِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ وَلَيْسَ كَمَا حَسِبْتَ وَلَا ضَنَنْتَا أورد رحمه الله تعالى هذا المقطع تتمة لما سبق، والانتقال إلى نصح نفسه بعد نصحه المنصوح والولد، إن قدر أن الولد هو المنصوح. وقلنا فائدة ذلك أن ينبه المؤلف رحمه الله السامعين والقارئين أنه ليس أحد أرفع من النصيحة، وليس أحد يسلم مما قد ذكر، فيحتاج أن يتوب ويراجع ويصلح من أمر نفسه. فلهذا انتقل بأسلوب هذه الأبيات من النصح لهذا المخاطب إلى نصح نفسه من قبل المخاطب. وفي هذا تنبيه السامعين والقارئين إلى أنه ليس أحد يرتفع أو هو أرفع من النصيحة، وليس أحد كمل، بل أن الصغير إذا نصح لهذه النصائح بالكبير من باب أولى. ولهذا قال: «لَقَدْ صَاحَبْتُ أَعْلَامًا كِبَارًا وَلَمْ أُرْكَبْ ذُلًّا بِمَنْ صَحِبْتُا» وهذا خطاب لنفسه بلسان ولده، أنه لا ينبغي أن يغتر بعلم، ولا بصحبة أهل العلم، فإنه كان من الأعلام ومن العلماء. ومن تواضعه رحمه الله أنه لم يذكر نفسه بعلم أو أنه من أهله، ولكنه أشار إلى صحبته للأعلام الكبار. وقد علمنا أن المؤلف رحمه الله توفي قديما، فهو من طبقة أتباع التابعين ومن بعدهم، فيقتضي ذلك الاعتبار بحال هؤلاء الأعلام الكبار مما كان من سيرتهم وصلاحهم وتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم. والمعنى لا ينبغي لأحد سمع أو قرأ هذه الأبيات أن يغتر بمنزلة نفسه، عالما كان أو طالب علم، لازم الأخيار أم لازم غيرهم، لأنه ما من أحد إلا وهو يحتاج إلى ما في هذه الأبيات من نصح. وأنه كلما زادت مواضع الشرف، فإنها تقضي زيادة التوثق في الأمر والنهي. وليس حال العالم كحال الجاهل، فالعالم السؤال معه أشد من سؤال الجاهل. ومن لم يكن من رفقته إلا الجهال ليس كمن كان من رفقته الفضلاء والعلماء، لأن هؤلاء بنصائحهم وبعلمهم وبسيرتهم حجة على هذا الإنسان الذي قد سمع ورأى وعاصر وعاشر هذا الخير الذي هو بمثابة الحجج الشرعية والكونية التي تلزم بالرجوع والتوبة إلى الله والإنابة إليه. قال: «وَنَادَاكَ الْكِتَابُ فَلَمْ تُجِبْهُ وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فَمَنْ تَبِهُتَا» يعني أنت ممن عرف الكتاب، قرأته وحفظته وسمعته من غيره، ومع ذلك لم تجبه. والخطاب للمؤلف ولغيره من أمثاله، وليس المراد أنه لم يجب في شيء، ولكن المراد إكمال الإجابة في تمام الإنقياد، هذا هو المقصود. فإذا كان الصغير لم يكن علمه بلغ مبلغ الكبير، فالحجة على الكبير أشد من الصغير. ولهذا فهو يذكر بتتابع الحجج التي قامت على الكبير ما لم تقم على الصغير. ثم قال: «وَيَقْبُحُ بِالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي وَأَقْبَحُ مِنْهُ شَيْخٌ قَدْ تَفَتَّى» إذا كان فعل الفتى للتصابي، والمراد للتصابي الطيش الذي يلازم الصبيان من عدم وضع الشيء في موضعه قولا وفعلا، فإن هذا مذموم ومستقبح. لأن الفتى كما قلنا من بدأ يدرك الأمور ويميز بين الأشياء، والصبي هو من لا يميز ولا يدرك في الغالب. ففعل الفتى للتصابي مذموم لأنه نقص وتحامق وعدم طريق سوي. فإذا كان كذلك، فأعظم منه شيخ كبير يجعل نفسه كالفتى. ولهذا كان من الشرع جزاء فعل المعاصي من الكبير ليس كالصغير. قال: «وَنَفْسَكَ ذُمْ وَلَا تَذْمُمْ سِوَاهَا لِعَيْبٍ فَهِيَ أَجْدَرُ مَنْ ذَمَمْتَا» لا يكون نظرك هو لأخطاء الآخرين، ولكن انظر إلى أخطاء نفسك قبل نظرك لأخطاء الآخرين. ولهذا ذكر أن المنافق هو الذي يرى القذاة في عين غيره ولا يرى الجذع في عين نفسه. ثم قال: «وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالتَّفْنِيدِ مِنِّي وَلَوْ كُنْتَ اللَّبِيبَ لَمَا نَطَقْتَا» والمعنى وأنت أحق بذكر تفاصيل اللوم والذم مني، لأنك كبير وأنا صغير، ولأنك علمت وأني جهلت. وقوله: «وَلَوْ كُنْتَ اللَّبِيبَ لَمَا نَطَقْتَا» يعني بما يستوجب براءة نفسك واتهم غيرك، بل ينبغي أن يعلم الناصح أنه أولى بالنصيحة من غيره. قال: «وَلَوْ بَكَتْ الدِّمَاءُ عَيْنَاكَ خَوْفًا لِذَنْبِكَ لَمْ أَقُلْ لَكَ قَدْ أُمِّنْتَا» يعني لو نزل بكاؤك دما من عينيك من الخوف من الذنوب، مع ذلك لم أقل أنك قد أمنت. لأن الشأن كل الشأن ليس أن يبكي الإنسان على ذنوبه، ولكن الشأن كل الشأن أن يصلح ما وقع من ذنوبه بتوبة صادقة فيها إخلاص. قال: «وَمَنْ لَكَ بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ عَبْدٌ أُمِرْتَ فَمَا أَطَعْتَ وَلَا أَمَرْتَا» يعني كيف تنفعك الأمان، يعني أن لك أعمال صالحة وأنك فعلت وفعلت، وأنت عبد، وحق العبد ماذا؟ أن يؤدي ما يجب لسيده. فلا ينبغي الإنسان أن يغتر بشيء من أمر الدنيا. ثم قال: «إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ وَمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» فكون أن الإنسان يؤدي بعض العبودية ويغفل عن بعض آخر، هذا لا ينجيه حتى يقيم العبودية على أكمل وجوهها وأتمها. ولهذا كان العباد درجات، أكملهم الأنبياء، من أدى هذه العبودية على أحسن مقاماتها وأرفع درجاتها. ولهذا فإن الله يدعوهم بها في أشرف المواضع، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ فالخالق والمدبر والمالك لكل شيء هو الذي يفرد بالعبادة وحده. فتقيم له كل معاني العبودية في ظاهرك وباطنك، وقولك وفعلك، فإن فعلت فأنت العبد بحق، وإن قصرت فأنت الذي تستحق اللوم. وهذا قوله: «أُمِرْتَ فَمَا أَطَعْتَ وَلَا أَمَرْتَا» ما أكثر الأوامر التي أمرنا بها، والكثير منا إلا من رحم الله لم يستجب. وما أكثر النواهي التي نهينا عنها، والكثير من الناس إلا من رحم الله لم يستجب. فحقيقة العبودية بتمام الاستجابة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.