بواعث الخلاص من الذنوب 15

بواعث الخلاص من الذنوب 15

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ضرورة مخالفة العوائد للفلاح

يشدد الإمام ابن القيم على أهمية مخالفة العوائد لتحقيق التوبة والخلاص من الذنوب، ويشير إلى ضرورة بذل الجهد والابتعاد عن العوائد التي تعيق الكمال.

دفع المفسدة العظمى بالابتعاد عن الفتن

يناقش أهمية الابتعاد عن الفتن والمفاسد التي قد تؤثر على دين الإنسان، ويشير إلى أن العاقل يجب أن يقدم المصلحة الكبرى ويدفع المفسدة العظمى.

تغيير العادات لتحقيق العمل بالعلم

ينبغي للإنسان أن يغير من عاداته ليتجنب الفتن ويحقق العمل بالعلم، وذلك بتغيير بيئته وأحواله وتنويع العبادات والطاعات.

ختام الرسالة بالتأكيد على مخالفة العادات

يختم الكاتب رسالته بالتأكيد على أهمية مخالفة العادات والتقاليد، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب: «العشرون: ألا يغتر باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كافٍ في حصول المقصود، بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه، وملاك ذلك الخروج عن العوائد؛ فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدًا. ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مضان الفتنة والبعد منها». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع بالدجال فلينأ عنه». فمستعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومضانه. فهنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي أن يظهر له في مضان الشر بعض شيء من الخير، ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه بالشبكة. والله المستعان. جعل رحمه الله هذا السبب الأخير من الأسباب التي تعين للتخلص من الذنوب والتوبة لله عز وجل. ومعنى كلامه رحمه الله هو الجد والاجتهاد في الخروج من العوائد التي هي من الأسباب التي يدخل بها الشيطان للدخول في الذنوب أو الإصرار عليها. فمن العوائد -على سبيل المثال- رفقة السوء التي تدخل عليه لوازم هذه الرفقة، فإن كان هؤلاء رفقاء السوء على أقل الأحوال من الفراغ، فيكون الشر يأتي إليه من الفراغ وقتل الوقت الذي هو مفتاح لما هو أعظم منه. وإن كانوا من أهل الذنوب أو المعاصي أو البدع أو غير ذلك، دخل عليه من الشر الذي كان عندهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» أي من يصاحب. وقد يكون كذلك من العوائد البقاء في بلاد البدعة أو بلاد المعصية أو بلاد الكفر، فإن الإنسان بهذا لا يعان على التوحيد والسنة والطاعة، فيكون خروجه من هذه العوائد بأن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة. وقد يكون كذلك وجود بعض الضياع، فينتقل إلى أناس من ذوي الهمم العالية، كان يجلس بين طلبة العلم وأصحاب الدين الذين يشهدون هممه، فيشعر بالتقصير والتفريط، فيدفع نفسه إلى إصلاح نفسه والاجتهاد في أبواب الخير. ومن باب أولى أن لا يقع في شيء من الذنوب والمعاصي. وهكذا قد يكون -مثل زماننا المعاصر- بعض الأجهزة الحديثة كالجوالات الذكية التي يحق أن تسمى غبية، إذ أنها تستدرج الكثير من الناس إلى شرور لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى. فمن وجد نفسه ضعيفًا مع مثل هذه الأجهزة، لا يتمالك أن تجره إلى أبواب الشر والسوء ومواقع المعاصي. فإن خروجه من هذه العوائد يكون بتركها والانتقال إلى الأجهزة التي لا تدخل عليه هذا الشر. وكما ذكر رحمه الله، قد يأتي الشيطان فيدخل على الإنسان أن بعض ما فيه شر، فيه خير، فيكون هذا سببًا لإصرار الإنسان على البقاء على ما هو عليه. ولا شك أن العاقل المنصف ينظر ويقدم أعلى المصلحتين ويدفع أشد المفسدتين. فإنه لو ترك -مثلًا- الجوال الذكي الذي قد استيقن من نفسه أنه ضعيف مع مثل هذه الجوالات، ضعيف لا يتمالك أن ينظر إلى الصور المحرمة والمواقع المحرمة وغير ذلك مما مفاسده أكثر من محاسنه، مع وجود شيء من المحاسن قد يجدها في بعض المجموعات أو بعض الرسائل، لكن هذا قليل مع شر أكبر منه وأكثر هو كثير. ففي مثل هذه الحال، العمومات الشرعية تدل على أنه يدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. كونه يفوته بعض العلم والخير الذي يمكن أن يحصله من طريق آخر، هذه مفسدة صغرى مقابل ماذا؟ مفسدة كبرى أن يكون أسيرًا لنفسه الأمارة بالسوء مع سقوطه في الشهوات من الصور المحرمة والمواقع السيئة وغير ذلك. فهنا يدفع المفسدة الكبرى بالصغرى. وهكذا كذلك من ابتلي بعمل كانت مفاسده أكثر من مصالحه، فإن مصلحة المال لا يساويها ذهاب الدين. فإن الإنسان يؤثر الحفاظ على الدين على شيء من المال والدنيا الفانية التي ربما يجدها في مكان آخر. ومثله الدراسة في الدراسات المختلطة، يريد أن يحصل شهادة لأجل أن يرتقي بها لوظيفة أحسن ومنصب أعلى، لكن المقابل والنتيجة أنه قد يفقد دينه وتزل قدمه فينحرف عن الصراط المستقيم والدين القوي. والمسلم من سلمه الله، فهنا لا يخاطر بدينه، بل يصبر ويبحث عن مكان نظيف ليس فيه استلطاح محرم، ليس فيه محاذير شرعية. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وسيجد. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. وهكذا. واستدل الإمام ابن القيم رحمه الله بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع بالدجال فلينأ عنه». وهذا مثل قول بعض أئمتنا وعلمائنا: «أن القلوب ضعيفة والشبه خطافة»، فالإنسان لا يعرض نفسه للفتن، سواء كانت فتن الشبهات مع أهل البدع والضلالات والكفريات، أو كذلك فتن الشهوات من أهل المعاصي والمجرمين وغيرهم من الملحدين. فإن الإنسان لا يأمن ونفسه أمارة بالسوء إذا اقترب من هذه الفتن أن يفتنه ما في هذه الفتن من زخرف، سواء شبهة أو شهوة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالابتعاد عن الدجال حتى لا يخاطر بدينه، فيلبس عليه الدجال بما عنده من الشبه وما عنده كذلك من القوة، فإنه ربما أخذ الإنسان كما في قصة الشاب في الصحيح، وامتحنه فيدخل النار، وناره جنة، فيكون فتنة ومحنة، ويقتل كما قتل الشاب، فيأتي بالمنشار فيفلقه فلقتين، ثم يمشي بين الفلقتين، ثم يرده حيًا بعد أن قتله، فيقول: أتؤمن أني أنا الله؟ فيقول الشاب: ما ازددت يقينًا إلا أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمما نجَّى هذا الشاب العلم، فمما يعين على النأي عن الفتن العلم المتبوع بالعمل. ومن العمل بالعلم أن تنأى بنفسك عن مواضع الفتن، فتن الشهوات وفتن الشبهات. ومن ذلك ما أشار إليه أن يخرج الإنسان عن عوائده. وفي قصة في الصحيح في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وكمل بالعابد الجاهل المئة، لما دل على العالم أرشده أن يخرج من أرضه؛ فإن أرضه أرض سوء، ويذهب إلى الأرض الفلانية، وأشار إليه إلى أرض، قال: فإن فيها قومًا صالحين يعبدون الله، اذهب فاعبد الله معهم. فإذا يخرج الإنسان من عوائده ويخرج من مجتمعه ويخرج من حاله الذي هو السبب في إصراره على ذنوبه ومعاصيه، أو هو السبب في كثرة وقوعه في الذنوب والمعاصي. وهذا مجرب، فإذا كان الإنسان في الغربة يكون ضعيفًا مع الشهوات والمعاصي والذنوب، فإذا يرجع إلى بلده وبين أهله لأجل أن يكون في حفظ الله عز وجل، وكذلك في كلاءة ورعاية مع من يحب ممن يستحي أن يعصي الله عز وجل وهو معهم. وقس على ذلك نظائر كثيرة كلها تدخل في هذا المعنى الذي أشار إليه رحمه الله تعالى. وكذلك مما يعيننا ويدلنا على ذلك أن الإنسان حتى في العبادات والطاعات ينبغي أن يغيرها. انظر الصلاة جعلت فيها أذكار مختلفة، وجعل فيها أقوال وأفعال مختلفة، حتى يخرج الإنسان من العوائد التي تنقلب فيه العبادة إلى عادة. فلذلك كان من السنة أن ينوع الإنسان دعاء الاستفتاح والصور التي يقرؤها، وكذلك أذكار الركوع وأذكار السجود والأدعية فيها، وكذلك التشهد والدعاء في آخره، وغير ذلك مما ورد فيه التنويع، حتى تخرج العبادة من العادة فلا تتحول العبادات إلى عادات. فمن الخطأ ما يفعله بعض الناس من أنه يكرر سورًا معينة وأذكارًا معينة طوال الوقت وفي كل صلاة، فتتحول العبادة إلى ماذا؟ إلى عادة. تتحول العبادة إلى عادة، فتكون هذه العبادة معدومة الفائدة؛ لماذا؟ لأن التعبد لله عز وجل لم يحصل، والالتفات إلى معنى هذه الصلة بين العبد وربه لا يحصل. فإذا تأمل الأحاديث التي وردت في هذه الصلاة، حين يقرأ الفاتحة، فالفاتحة على الشطرين: شطر للعبد وشطر لله سبحانه وتعالى، فهي محادثة بين الله العظيم وعبده. فأنت تسأل الله والله يجيبك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث. وهكذا كذلك في الأذكار، وهكذا كذلك في الأدعية. وقل مثل هذا في سائر العبادات. الوضوء لا تجعله دائمًا ثلاث مرات، لكن افعل كما جاء في حديث ابن عباس وغيره: «توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا»، حتى لا تتحول العبادة إلى عادة. وهكذا كذلك قل في كثير من الطاعات والقربات. فكما أنه كذلك يقال في باب المعاصي والذنوب، وباب الشبهات والشهوات، فإنه كذلك يقال في باب الطاعات والقربات، حتى لا تتحول العبادات إلى عادات. فينبغي للإنسان أن يخرج عن العوائد، وينوع هذه العبادات، ويغير كذلك صفتها وكيفيتها وزمانها ومكانها، حتى لا تتحول العبادة إلى عادة. وقس على ذلك نظائر كثيرة من المعاملات، حتى تحتسب أقوالك وأعمالك الظاهرة والباطنة لله عز وجل. فحاول دائمًا وأبدًا أن تخرج عن العوائد. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة اللطيفة النافعة الماتعة. وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.