الدرس في شرح الدروس المهمة 39، الدرس الثامن من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يتناول واجبات الصلاة وفرقها عن الأركان، حيث تجبر بسجدتي السهو إذا تركت سهوًا. يُفرق بين الواجب والركن من حيث الفرضية وآثار ترك كل منهما.
يتناول المقطع واجبات الصلاة المتعلقة بالذكر مثل قول 'سمع الله لمن حمده' و'ربنا ولك الحمد'، والتسبيح في الركوع والسجود. يُشدد على أهمية اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يجب على المصلي الجلوس بين السجدتين بقول 'رب اغفر لي' مرة، ويستحب التكرار. يجب أن يكون الجلوس لائقًا بتعظيم الصلاة.
يتم الإشارة إلى أن هناك كلام سيأتي حول مستحبات الصلاة، وسيكون الحديث عنها في سياق متصل بإذن الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الدرس الثامن، واجبات الصلاة. هذا هو الدرس الثامن من دروسي هذا الكتاب «الدروس المهمة لعامة الأمة». واجْعَلْهُ رحمه الله في واجبات الصلاة، بعد أن ذكر الأركان ذكر الواجبات. وترتيب الواجب بعد الركن مناسب، ومناسبته من جهة فرضيته، فالكل مفروض، إلا أن الواجب -كما سيأتي إن شاء الله- تركه لا يبطل الصلاة، أي واجبات الصلاة خاصة، ولكن يوجب سجود السهو في الأفعال خاصة، يوجب سجود السهو في الأفعال. فما كان من الواجبات تركه سهوًا ونسيانًا أو خطأ، وكان من الأفعال لا من الأقوال -على القول الصحيح من أقوال أهل العلم- فإنه يوجب سجود السهو. أعيد: واجبات الصلاة تختلف عن أركان الصلاة بأن الأركان تركها يستوجب إعادتها، أو بطلان الصلاة إذا لم تعد. وأما واجبات الصلاة فإنها تجبر بسجدتي السهو. وبين أهل العلم خلاف: هل كل واجبات الصلاة توجب بسجدتي السهو، أم الواجبات القولية والفعلية فقط؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أن الواجبات القولية والفعلية توجب سجود السهو. وذهب آخرون إلى أن الواجبات الفعلية فقط هي التي توجب سجود السهو. وهذا الثاني هو الصحيح، لأدلة كثيرة، منها عمومات استدل بها من قال بهذا القول. فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجود سهو لأجل واجب قولي، يعني نسيه أو تركه. وإنما الذي ثبت في كل سجود السهو إنما هو في الواجبات الفعلية. بل دلت بعض الأدلة أنه قد وقع الخطأ في بعض الواجبات القولية، ولم يثبت أنه سجد للسهو فيها. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى ذلك. فقد ثبت أنه قال: «إنه نهى صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود»، ولم يأمر من أخطأ فقرأ بسجود السهو. وغير ذلك من عمومات وأشياء استدل بها أهل العلم في كتب أوسع من هذا الكتاب، لكنها هنا تكفي هذه الإشارة. فإذا هذه مناسبة ترتيب ذكر الواجب بعد الركن، فالجامع بينهما الفرضية، فالكل طلب فعله على وجه الإلزام. وهذا معنى الواجب: ما طلب الشرع فعله على وجه الإلزام. والركن كذلك، لكن الركن -كما تقدم- يفترق عن الواجب بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، وهو من ما هي الشيء. ومعنى ما لا يتم: يعني يبطل ذلكم الشيء في نقصانه. بخلاف الواجب، الواجب هو من ما هي الشيء، لكن لا يبطل ذلكم الشيء في نقصانه. هذا في أركان وواجبات الصلاة، وفي غيرها. بعض أهل العلم لا يفرق بين الركن والواجب. أما في الصلاة فيفرقون بين الركن والواجب، لأن الأدلة الشرعية فرقت بين الركن والواجب. فالواجب يجبر بسجود السهو، والركن لا يجبره شيء، بل لابد من الإتيان به، كما تقدم تفصيله في المسائل المذكورة في أركان الصلاة. فعلمنا بهذا أن الركن لا يسقط بسهو، ولا جهل، ولا عمد. وأما الواجب فإنه في السهو والجهل يجبر بسجود السهو، وفي العمد تبطل الصلاة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ثم قال: واجبات الصلاة وهي ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام. ويريد بجميع التكبيرات: أي قول المصلي «الله أكبر»، وليس رفع اليدين. فرفع اليدين فعل مع التكبير، وله كيفيتان سيأتي الكلام عليها إن شاء الله في السنن. أما قول المصلي «الله أكبر» في تكبيرات الانتقال غير تكبيرة الإحرام، فهي من الواجبات. أما تكبيرة الإحرام فهي ركن كما تقدم. ودليل وجوب هذه التكبيرات: فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر به في بعض الأحاديث. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فيجب على المصلي أن يكبر تكبيرات الصلاة، يقول إذا فرغ من قراءته «الله أكبر» للركوع، ويقول بعد الاعتدال «الله أكبر» للسجود، ويقول «الله أكبر» إذا رفع من السجود، وهكذا في كل موضع فيه تكبير يجب أن يكبر. بقي هذا التكبير: هل يجب أن يكون فيه رفع الصوت وإسماع نفسه إذا كان منفردًا؟ يعني يصلي وحده. الصحيح أنه لا يجب، فيكفي أن يحرك شفتيه بها. والأفضل أن يرفع صوته بها يسمع نفسه. وإن كان إمامًا فيجب أن يرفع صوته بما يسمع المأمومين ما دام في استطاعته. وإن كان لا يستطيع -كمسجد كبير وناس كثير- فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وسيأتي إن شاء الله الكلام على بعض السنن المتعلقة بالتكبير في الكلام على السنن إن شاء الله. وقوله رحمه الله: «وقول سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد»، كذلك من واجبات الصلاة قول الإمام والمنفرد. والمراد بالمنفرد: أي الذي يصلي وحده «سمع الله لمن حمده»، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد». فإذن أفاد الحديث أن الإمام يقول «سمع الله لمن حمده»، والإمام والمأموم جميعًا يقولان «ربنا ولك الحمد»، الجميع يقول «ربنا ولك الحمد». والمنفرد مثل الإمام؛ لأنه هو إمام نفسه، فلهذا قال: «للإمام والمنفرد»، يعني قول «سمع الله لمن حمده». أما «ربنا ولك الحمد» فهو يقال للإمام والمنفرد والمأموم. لكن المأموم: الصحيح من أقوال أهل العلم لا يقول «سمع الله لمن حمده»، لما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا قال -أي الإمام- سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد». وقد جاء في قول المأموم «ربنا ولك الحمد» أربع صيغ يجوز: «ربنا ولك الحمد» بالواو، ويجوز «ربنا لك الحمد» بدون واو، ويجوز «اللهم ربنا لك الحمد» بدون واو، ويجوز «اللهم ربنا ولك الحمد» بالواو. وهذه أربع صيغ لهذه الكلمة، كلها صحت بها الروايات، وكلها جائزة. إذن الواجب الثالث والرابع هو: قول «سمع الله لمن حمده» للإمام والمنفرد، وقول «ربنا ولك الحمد» للإمام والمنفرد والمأموم. ومعنى «سمع الله لمن حمده»: تذكير من الإمام والمنفرد لنفسه؛ لأنه إمام نفسه، والإمام للمأمومين خلفه، تذكير له أن يحمد الله سبحانه وتعالى. فقول المأموم «ربنا ولك الحمد» هو من باب إجابة هذا التذكير. وقال رحمه الله: «وقول سبحان ربي العظيم في الركوع، وقول سبحان ربي الأعلى في السجود». وهذا أن القولان كذلك من واجبات الصلاة. ويقول المسلم في سجوده وفي ركوعه هذين الذكرين؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به في بعض الأحاديث، وكذلك لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فيجب على المسلم أن يصلي صلاة توافق صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في صفتها وكيفيتها وأقوالها وأفعالها. وقد مر معنا فيما يتعلق بالأفعال الاطمئنان بالركوع، وهكذا. كذلك الذكر هذا الذكر مما يقال في الركوع. وهذا أقل الواجب: يعني قوله «سبحان ربي العظيم» مرة واحدة، هذا يقوله باطمئنان وهدوء، ليس بعجلة. هذا حد أقل الواجب. وما زاد عن ذلك فهو مستحب. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات. أو أن المسلم يقول ذلك في الصلاة. وجاء في بعض الروايات بدون ذكر ثلاث مرات، فبعضهم انتقد لفظة «ثلاث مرات». فجمع من حفاظ أهل الحديث رووا الحديث بالإطلاق بدون تحديد عدد. فيكون كما سبق الإشارة إليه أن العدد بحسب القراءة في الصلاة وطولها وقصرها. فإن كانت الصلاة قصيرة فإنه يقلل تكرار هذا الذكر، وإن كانت طويلة يكثر هذا الذكر. فما زاد إذن هو مستحب، والواجب هو مرة واحدة. وجاء في بعض الروايات زيادة «وبحمده». وهذه الزيادة حسنها بعض أهل العلم، جاءت من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وعن جماعة من الصحابة كذلك. فبمجموع طرقها حسنها بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله، وقبله الحافظ ابن حجر وجماعة. وذهب بعض أهل العلم لأنها زيادة شاذة. فالأمر في هذا واسع، وهو من الدعاء. إن شاء زاد «وبحمده» أحيانًا، وإن شاء ترك هذه اللفظة. وهناك أذكار أخرى تقال سيأتي إن شاء الله تنبيه عليها في مستحبات الصلاة أو سنن الصلاة. ولا يجوز للمسلم أن يقرأ القرآن في الركوع وفي السجود. وما قلنا في الركوع يقال مثله في السجود. ولا يقال في الركوع ولا يقرأ في الركوع والسجود القرآن؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كما جاء من حديث علي رضي الله عنه قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود». والحديث الصحيح لمسلم. وقول «رب اغفر لي» بين السجدتين، هذا هو الواجب السادس من واجبات الصلاة. أن يقول المصلي بين السجدتين «رب اغفر لي» مرة واحدة، هذا هو الواجب باطمئنان وهدوء وسكينة. وما زاد عن ذلك فهو مستحب. لما جاء عند ابن ماجة وغيره من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه فيما نقله من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: أن يقول المصلي «رب اغفر لي رب اغفر لي». جاء في الحديث ذكر «رب اغفر لي» مرتين. وهذا يدل أنه يستحب تكرار هذا الذكر. وكم حد هذا التكرار؟ حده بحسب -كما سبق- طول القيام وقصره. فقد يكرر ثلاثًا، وقد يكرر خمسًا، وقد يكرر تسعًا، بحسب ما يناسب القراءة. مع التنبه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل ركوعه وسجوده سواء، أو قريبًا من السواء. يعني يحاول أن يوازي ويقارب بين مدة الركوع والسجود، يكون متقاربًا. والجلسة بين السجدتين كذلك. وهذا من جهة الذكر. بقي من جهة الفعل: فإنه يجلس جلوسًا يليق بتعظيم الصلاة. وسيأتي معنا في المستحبات بعض صفات الجلوس إن شاء الله تعالى بين السجدتين. وهذه الصفات التي ستأتي مستحبة. والواجب هو أن يجلس جلوسًا يكون فيه تعظيم الصلاة، ولا يتشبه بشيء من الحيوانات في جلوسه، أو أي جلسة يجلس بها يكون فيها منافيًا لتعظيم هذه الصلاة. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقعاء كإقعاء الكلب. والمراد بإقعاء الكلب: أي أن ينصب رجليه بين يديه. فإن ذلك مع كونها جلسة ليس فيها تعظيم للصلاة، فهي كذلك فيها تشبه بهذا الحيوان الذي لا يجوز أن يتشبه به. فقد نهينا عن التشبه بالبهائم عمومًا، والحيوانات، وبعضها مما هو مذموم على وجه الخصوص. تعرفون الكلب إذا أقعى كيف يجلس: اليدين والرجلين منصوبة وهو جالس على الإليتين، واليدين موضوعة في الأرض، يجلس وهو قائم، فيكون رأسه إلى الأعلى ومؤخرته إلى الأرض. فهذه الكيفية ليس فيها تعظيم للصلاة، وهي في نفس الوقت كذلك فيها تشبه بهذا الحيوان. وقد كرم الله عز وجل بني آدم، فنهاهم عن التشبه بالحيوانات. ولكن نستفيد من هذا أن المصلي إذا احتاج أن يجلس أي جلسة تناسبه، ليس فيها منافاة لتعظيم الصلاة، جاز له أن يجلس. مثلًا بعض الناس بدين -يعني متين- فيه شيء من كبر الجثة، الإقعاء يتعبه. وسيأتي صفة الإقعاء إن شاء الله المسنون، وهو الافتراش أو نصب الرجلين والجلوس على الإليتين. المهم بعض الناس هذه الكيفية تتعبه. لا نقول أنه لا يستطيع، هو يستطيع، لكنه يتعب بها. فهل يجوز أن يتربع؟ هذا التربع هذه الجلسة تسمى تربع. هل يجوز أن يتربع بين السجدتين؟ الجواب: نعم يجوز؛ لأن المقصود هو حصول جلوس بين السجدتين بأي كيفية. ولكن هناك سنة يستحب أن يجلس المصلي فيها بهذه الكيفية. وما هو خلاف هذه السنة هو جائز ومباح، ما لم يكن فيه جلسة منافية لتعظيم الصلاة، أو جلسة فيها كذلك تشبه بالحيوانات والبهائم. فنعرف بهذا يسر هذا الدين. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما بدنا كان يصلي أحيانًا قاعدًا، فيتربع في جلوسه. يعني إذا ركع، إذا سجد يسجد على هيئة السجود على سبعة أعظم كما تقدم. وإذا جلس بين السجدتين أو جلس للتشهد، جلس متربعًا. وهذه الجلسة قد يحتاجها الإنسان أحيانًا، فلا بأس أن يجلس متربعًا. كذلك بعض كبار السن قد لا يستطيع أن يجلس متربعًا، لكن يستطيع أن يجلس بأن يتربع نصف الرجل وينصب الرجل الأخرى هكذا، ويضع يده على فخذه الأيمن ويتشهد إذا كان بالتشهد. وإذا كان بين الجلستين يضع أحد الرجلين على الرجل المنصوبة، واليد الأخرى على الرجل المتربعة، فيتربع نصف الرجل وينصب الرجل. هذا جائز إذا كان يشق عليه. فالحمد لله الدين يسر. المقصود أن يحصل له جلوس بين السجدتين، ولكن هناك كيفية مستحبة ينبغي على المسلم أن لا يفرط فيها إذا كان يستطيعها. سيأتي الكلام عليه إن شاء الله على مستحبات الصلاة.