الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وحدة دين الأنبياء والرسل

يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على وحدة دين الأنبياء والمرسلين، مشيرًا إلى أن الله تعالى شرع لهم دينًا واحدًا مع اختلاف الشرائع والمناهج. ويبين أن أمة الإسلام تمثل الوسطية بين اليهود والنصارى في العقيدة والشريعة.

منزلة وفضل الأمة المحمدية

يُبيّن المقطع منزلة الأمة المحمدية وفضلها على غيرها من الأمم، ويُشير إلى أن الله أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأن هذه الأمة لها الأجر مرتين لعملها في وقت محدد.

وسطية أمة الإسلام في دين المرسلين

المقطع يتناول دين المرسلين ويدعو إلى توحيد الله، ويبرز وسطية أمة الإسلام في دينها مقارنة بأهل الكتاب، ويشير إلى بعض الأمثلة على مخالفة أهل البدع لهذا الوسط.

فضل الإسلام وأهمية الاستقامة عليه

يشرح المقطع أهمية الاستقامة على شرع الله لتجنب الضلال، ويبرز فضل الله على الأمة الإسلامية بالأجر العظيم رغم قلة العمل، مشيراً إلى مزايا الدين الإسلامي الذي ختم الله به الأديان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: في جواب الصحيح، من بدل دين المسيح، قال: بدين الأنبياء والمرسلين دين واحد، وإن كان لكل من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن معاشر الأنبياء ديننا واحد»، و«إن أولى الناس بابن مريم الأنى، إنه ليس بيني وبينه نبي». فدين المرسلين يخالف دين المشركين المبتدعين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:30]، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:32]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:50]، يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:51-52]، فتفرقوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:13]. وقد قص الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بقصائص ميزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة وأكمل منهاج، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة، هم خيرها وأكرمها على الله، من جميع الأجناس. هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام. فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم القبائث، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحل لهم شيئا من القبائث كما استحلتها النصارى. ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى، فلا يجبون الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة. بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات، حتى يقال في فضائل الراهب: له أربعون سنة ما مس الماء. ولهذا تركوا الختان مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام. وأتباعه واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا يأكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض. وكان اليهود ليرون إزالة النجاسة، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض. والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه، ولذلك المسلمون وسط في الشريعة، فلم يجحدوا شرع الناس لأجل شرعهم المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيروا شيئا من شرعهم المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى. ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود، ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا بقصائص المخلوق ونقائصه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود، ولا المخلوق متصفا بقصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى. ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود، ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى. وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل، فهم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل. يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال، إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، رد على الممثلة، وهو السميع البصير رد على المعطلة. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1-4]، والصمد السيد المستوجب لصفات الكمال، والأحد الذي ليس له كف ولا مثال. وهم وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين للقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه. وفي باب الوعد والوعيد بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار. وهم وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الغالي في بعضهم الذي يقول بإلهية أو نبوة أو عصمة والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه، وهم خيار هذه الأمة. والله سبحانه أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم للناس رحمة وأنعم به نعمة. يا لها من نعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:28]، وهم الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإرساله أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده. يجمع الله لأمته بخاتم المرسلين وإمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين ما فرقه في غيرهم من الفضائل، وزادهم من فضله أنواع الفواضل، بل آتاهم كفلين من رحمته. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كَفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:28]، لأن لا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وبالصحيحين عن ابن عمر وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أجلكم في أجل من خلى من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرتين؟ فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء! فقال الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال الله تعالى: فإنه فضلي أعطيه من شئته». أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى جعل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأكمل له لأمته الدين، وبعثه على حين فترة من الرسل وظهور الكفر وانطماس السبل. فأحيا به ما درس من معالم الإيمان، وقمع به أهل الشرك من عباد الأوثان والنيران والصلبان، وأذل به كفار أهل الشرك والارتياب، وأقام به منار دينه الذي ارتضاه، وأشهد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه. وأظهر به ما كان مخفيا عند أهل الكتاب، وأبان به ما عدلوا فيه عن منهج الصواب، وحقق به صدق التوراة والزبور والإنجيل، وأماط به عنها ما ليس بحقها من باطل التحريف والتبديل. وكان من سنة الله تبارك وتعالى مواترة الرسل وتعميم الخلق بهم، بحيث يبعث في كل أمة رسولا ليقيم الحجة عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون:44]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:163-165]. ولما أهبط آدم إلى الأرض، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَالْعَذَابُ الْآخِرَةُ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:123-127]. فقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:8-10]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15]، وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام:130]. وهذه تتمة لمقدمة المؤلف رحمه الله تعالى، وهي ظاهرة قد تضمنت أربعة مباحث. أي: هذه التتمة المبحث الأول ما أشار إليه أن دين المرسلين يختلف عن دين المشركين، بأن دين المرسلين يدعو إلى توحيد الله عز وجل وحده، وهم مجتمعون في أصل التوحيد. كل من أرسل من رسل الله يدعون إلى توحيد الله عز وجل وحده، من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مرورا بعدد من الأنبياء والمرسلين: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين. وأشار إلى ذلك بالآيات والأحاديث التي ذكرها رحمه الله تعالى. ثم أبان رحمه الله تعالى أن هذه الأمة أمة الإسلام كانت وسطا في سائر الأمم، وذلك بأمرين: بما أنزل الله عز وجل من الشرع والدين والأحكام والتفاصيل التي فيها هذه الوسطية. وبما كان من استجابتهم لأمر الله بما يوافق هذا الوسط، فلم يقع منهم غلو كما لم يقع منهم تفريط، فبقوا على هذا الوسط في دينهم. وضرب أمثلة على ذلك بحال النصارى مما حرفوا وبدلوا دين الله، ومما كان كذلك من شرع الله عليهم، ولله حكمة فيما شرع لهم. وهكذا كذلك اليهود قبل ذلك. وكما أشار وسيأتي إن شاء الله بعضه: أنه لما كانت اليهود أمة غضب بتحايلها وكذلك عدم استجابتها، كانت لهم من الأحكام ما فيه تشديد. يعني بعض الأحكام فرضت عليهم من عند الله فيها تشديد بسبب تحايلها. وهكذا كذلك بسبب كثرة مسائلها، مثال من أمثلة التي تحايلت على شرع الله سبحانه وتعالى. هذا بعض الحكمة التي بها نعرف لماذا شدد على أمة ولم يشدد على أمة أخرى، والعكس من ذلك النصارى مع ما حصل منهم من تحريف لدين الله عز وجل، فزاد ذلك بعدا في الغلو، وذاك بعدا في التفريط. وهدى الله عز وجل هذه الأمة بما أنزل من شريعة وسط، وبما كانوا عليه من استجابة، فكانوا أمة وسطا. وما ذكر وهذا من باب الفائدة. الفائدة أن اليهود كانوا لا يرون إزالة النجاسة، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، قرض الثوب بالمقراض ما في غضاضة، قرض يقص ويرمى، فربما صنع بعض المسلمين خطأ شيئا من هذا. يعني مما فيه تجديد على النفس، لكنهم إذا علموا شرع الله وهذا الوسط استجابوا، فرجعوا مرة أخرى للفطرة. فمن ذلك ما جاء في الصحيح في صحيح مسلم، وجاء معناه كذلك في البخاري، عن أبي موسى: أنه كان يشدد في البول، وكان لا يبول إلا في قارورة. وذكر أن بني إسرائيل كان إذا أصاب أحدهم بوله قرضه، فظن أن ذلك ثناء، فقال له حديث رضي الله تعالى عنه: «لوددت أن صاحبكم لم يشدد هذا التشديد، فلقد رأيتني وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانتهى إلى صباطة قوم، فذكر الحديث في بوله عليه الصلاة والسلام في الصباطة». يعني بقايا الزبالة، بال قائما عليه الصلاة والسلام، فبهذا يعلم أن دين الإسلام يرد الناس إلى الفطرة. وثالثا مما أشار إليه رحمه الله تعالى: أن هذا الوسط الذي دعا إليه دين الإسلام في مواضع كثيرة خالف فيها بعض أهل البدع، وما خالف فيها أهل البدع هو بعض ما كان عليه بعض من انحرف من أهل الكتاب: إما من اليهود وإما من النصارى. ولكر بعض الأمثلة في باب الأسماء والصفات، وهكذا كذلك في باب الوعد والوعيد، وفي باب القدر، وغيرها من الأبواب التي أشار إليها. وهذا الوسط هو في الحقيقة وسط بمقتضى الشرع الذي أنزل من الأدلة، ما في هذا المعنى. وفي واقع الأمر يوجد من ظلال أهل الكتابين ومن قبلهم ما هو قد وقع فيه بمثل ما وقع فيه بعض ظلال المسلمين. لأجل أن يعلم أن من لم يستقم على شرع الله الوسط، فمآله أن يضل كما ضل من سبق من أهل الكتابين وغيرهم. ثم أخيرا بين فضل الله عز وجل على أهل هذه الأمة بما كان من الأجر العظيم مع قلة العمل. وهذه كلها مزايا أربع مع ما سبق في أول المقدمة، تدل على فضل هذا الدين الذي ختم الله عز وجل به الأديان.