الدرس في شرح الدروس المهمة 23، الدرس الثالث من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يتناول أركان الإيمان وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
يشرح المقطع أن العقل الصحيح يدل على وجود خالق عظيم، مستدلاً بدليل العقل ودليل الحس مثل إرسال الرسل والمعجزات. كما يبين دلالة الشرع من الكتب السماوية والرسل على وجود الله.
يتناول المقطع أركان الإيمان بالله وهي الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ويشرح أهمية امتثال العبد لأوامر ربه واجتنابه نواهيه لتحقيق كمال الإيمان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، درسنا اليوم هو في الدرس الثالث. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أركان الإيمان. الدرس الثالث: أركان الإيمان، وهي أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى. بعد أن مر معنا ما يتعلق بالشهادتين من مباحث، ذكر رحمه الله ما يتعلق بأركان الإيمان، وهذا من أهم ما ينبغي أن يتعلمه المسلم. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنهم، أن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أسئلة يعلم الناس دينهم، ومن ذلك أن سأله عن الإيمان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» يعني من الله سبحانه وتعالى. وهذه الأركان هي التي لا يتم الإيمان إلا بها. والركن في اصطلاح أهل العلم ما لا يتم الشيء إلا به، وهو جزء من أجزاء الشيء، مثل أركان البيت الأربعة لا يتم البيت إلا بها، وهو جزء مهم لا يتم البيت إلا به أو بها. وهكذا كذلك أركان الصلاة، وهنا كذلك أركان الإيمان. والإيمان تعريفه عند أهل السنة والجماعة، وبما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهو المعنى الصحيح الذي في دين الإسلام، أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهو قول باللسان يقوله المسلم، وللإيمان أقوال كثيرة، وهو كذلك اعتقاد بالجنان أي في القلب، وعمل بالجوارح والأركان يعني أعمال هي من الإيمان، أعمال صالحة، وكلها من الإيمان كالصلاة والصيام وغيرها من الواجبات. والطاعة تزيد هذه بالطاعة وتنقص بالمعصية، وهو شعب كثيرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة بالصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فهو شعب كثيرة، وبه نعرف أن خصال الإيمان كثيرة، كلما استوفاها المؤمن كمل إيمانه، وكلما نقصت نقص إيمانه. ولهذا الإيمان أركان لا يتم إلا بها. أول هذه الأركان الإيمان بالله سبحانه وتعالى، لا يسمى المؤمن مؤمنًا حتى يؤمن بالله عز وجل. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بأربعة مسائل أو مباحث. أولها الإيمان بوجوده جل وعلا، أنه سبحانه وتعالى رب خالق مدبر رازق موجود، وهو الإله الحق الذي يستحق العبادة ولا يعبد غيره. وقد دلت أدلة العقل والفطرة والحس والشرع على وجوده سبحانه وتعالى. فأما أدلة الفطرة ما فطر الله عز وجل الناس عليه، فإنه ما من مخلوق إلا وفطر على الإيمان بخالقه وموجده، فتجد في قلبه توجها إلى ربه سبحانه وتعالى، ولكن هذه الفطرة قد تتغير، وإلا لو ترك ابن آدم على فطرته لتوجه إلى خالقه كما توجهت سائر المخلوقات إلى خالقها، كما قال الله عز وجل: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة، كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ومعنى أن الناس يتغيرون إما بإهمال آبائهم لهم أو بتغييرهم بدينهم الباطل. وجاء في صحيح مسلم في حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث طويل، قال فيه: «أن الله عز وجل قال: وإني خلقت عبادي حنفاء، إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» يعني أزالتهم وصرفتهم عن الفطرة. الأصل أن العباد خلقوا حنفاء أي موحدين، فالأصل أن الإنسان مفطور على معرفة خالقه وموجده. وهكذا دليل العقل، فإن العقل الصحيح إذا تأمل في هذا الكون العجيب وما فيه من مخلوقات عجيبة متنوعة في غاية الجمال والإتقان على كثرتها وتنوع أصنافها، فهي في غاية الجمال والإتقان. وليس هذا فحسب، بل تتعجب كيف هي على هذا الإتقان والجمال، ثم لا يشبه بعضها بعضًا. لو نظرت في بني آدم، كم في الدنيا من بني آدم خلقهم الله عز وجل في أحسن تقويم، ومع ذلك لا تكاد تجد أحدًا يطابق وصفه الآخر. إن دل دل ذلك على شيء، دل على أن خالقها عظيم غاية في العظم. فإن الإنسان على ما أعطاه الله عز وجل من عقل وقوة لا يستطيع أن يوجد ذرة فما دونها أي من العدم، فكيف بهذا الكون الواسع العظيم، سماء عظيمة بنجومها وشموسها وأبراجها، وأرض واسعة بعظيم ما فيها من مخلوقات عجيبة. هذا كله يوجب لكل عاقل منصف أن يؤمن بخالق عظيم موجد لها، وهو الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في حق هذا المعنى العظيم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾. والجواب بلا شك أن الإنسان يعترف أنه لم يخلق من غير شيء يعني من عدم، ويعترف أنه لم يخلق نفسه كذلك، فلم يبق إلا الثالث وهو أن الله جل وعلا العظيم سبحانه وتعالى هو الخالق لهذا الإنسان ولهذا الكون العظيم. فكل ما في الكون مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا شيء يسير من دليل العقل إذا كان منصفًا سليمًا الذي به يثبت وجود ربه سبحانه وتعالى. وهكذا دليل الحس، فإن الحس هو ما نسمعه ونشاهده من آثار وجود الرب جل وعلا. فأرسل الله عز وجل رسلًا متتابعين تواتر خبرهم في الخلق، وصار علمهم وخبرهم من الأخبار والعلوم الضرورية، وما أيد به عليهم الصلاة والسلام من المعجزات والآيات التي شاهدها أمم من الناس وتواتر نقلها وثبت خبرها ثبوتًا ضروريًا، هو دليل من أدلة الحس الكثيرة التي تدل على صدق وجود الخالق سبحانه وتعالى. فنحن نقبل ونصدق بما هو أقل من مثل هذه الأخبار في إثبات محسوسات، فمثلًا يثبت الإنسان حضارات ماضية وسابقة لم يرها ولم يسمعها ولم يمسها بيده، ومع ذلك يثبتها لأن نقلًا متواترًا يثبت وجودها، وآثارًا من آثارها باقية حسًا يصحح حقيقتها. فكيف لا نقبل ما هو أعظم منه مما بقي من أخبار وآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ فكم من نبي خلف خلفه آثارًا حسية هي أقوى من آثار تلك الحضارات التي لو أنكرها منكر لعد مكابرًا. فما جاء عن الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم كثرة متتابعة، وما بقي من آثارهم كلها دلائل الحس تدل على صدق وجود الرب جل وعلا. وهكذا من دلائل الحس إجابة دعاء الداعين، فإنها دلائل حس تثبت وجود الرب سبحانه وتعالى. فما من مؤمن من مسلم أو يهودي أو نصراني، بل حتى مشرك لكنه يؤمن بالله عز وجل سبحانه وتعالى، إلا وقد وجد من دليل الحس من إجابة دعاء ربه جل وعلا له ما لا يستطيع أن يجحده أنه دليل على وجوده جل وعلا. وقد قال الله عز وجل عن المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وأما دلالة الشرع على وجود الله عز وجل فكثيرة، من الكتب التي أنزلها سبحانه وتعالى، وأعظمها القرآن العظيم، والرسل الذين أرسلهم عليهم الصلاة والسلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. فما في هذه الكتب وما جاء به الرسل كلها أدل شرعية تناقلها أمم يستحيل تواطؤهم على الكذب، تناقلتها أمم يستحيل تواطؤهم على الكذب وهم لا يحصون كثرة، فهذا دليل آخر محقق يثبت بمثله بل بأقل منه بكثير إثبات موجود، فكيف بالله عز وجل العظيم الذي تضافرت في إثبات وجوده الأدلة؟ وهذا قليل من كثير، ولعل بسط قليلًا في هذه النقطة وذلك لأهميتها والانتشار الجاحدين المكابرين لهذه الحقيقة في أوساط المجتمعات، وساعد على ذلك جهل الكثير من الناس مع ركونهم للشهوات التي وجدوا أن أقرب طريق يصلون إليها دون لوم ولا تعيير هو جحود وجود الرب سبحانه وتعالى، نسأل الله السلامة والعافية. ومن الإيمان بالله الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى، بأنه جل وعلا الرب الخالق المدبر الرازق الملك جل وعلا، لا رب غيره ولا خالق سواه ولا مدبر ولا مالك إلا هو سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فالذي خلق الأولين والآخرين هو الله جل وعلا، فإذن لا يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى. والإيمان بربوبيته سبحانه هو أن نفرده جل وعلا في أفعاله، فنثبتها له وحده وننفيها عما سواه. ومن الإيمان بالله الإيمان بألوهيته سبحانه وتعالى، بأنه جل وعلا هو الإله الحق وحده لا شريك له، والإله أي المعبود حبًا وتعظيمًا وخضوعًا وذلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. وما بعث الله عز وجل من رسول إلا قال: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن «اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت». والإيمان بألوهيته هو إفراده سبحانه وتعالى بأفعال خلقه، بأن نفرده جل وعلا بأفعالنا القولية والفعلية والقلبية الظاهرة والباطنة، وهي عبادة الله عز وجل التي هي كمال الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم. فكما أننا لا نصلي إلا لله، فكذلك لا ندعو إلا الله، ولا نخاف إلا من الله، ولا نرجو إلا الله، ولا نذبح إلا لله، ولا ننذر إلا لله، وهكذا قل في سائر العبادات تصرف لله عز وجل وحده. ومن الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته، بأن نفرده سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فنثبتها له جل وعلا خالصة كاملة لا يشاركه معه فيها شيء من مخلوقاته، كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. نثبتها إثبات وجود من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومعنى أن نثبتها إثبات وجود أي نثبتها على ما يليق بالله جل وعلا، لا نتعرض لها بتحريف ولا تعطيل، كما لا نتعرض لها بتكييف أي ذكر كيفية معينة ولا تمثيل، لأن هذا مما ليس بمقدورنا، فهو من الغيب الذي لا نعلمه، ومما لا يجوز لنا لأننا أمرنا بالتسليم للشرع وعدم الاعتراض له. فالقاعدة أن نثبت لله ما أثبت لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من أسمائه الحسنى وصفاته العلياء من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والقاعدة في ذلك الآية الجامعة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وبهذا نكون قد انتهينا من مباحث الإيمان بالله عز وجل. وللإيمان بالله عز وجل ثمرات عظيمة، من أهم هذه الثمرات، وهي ثمرات كثيرة، من أهمها اعتماد العبد على خالقه وتعلقه به وخضوعه وذله، وبهذا تكمل عبوديته لربه سبحانه وتعالى. ومن ثمراتها تحقق كمال محبة العبد لربه بمعرفته سبحانه وتعالى بربوبيته ولوهيته وأسمائه وصفاته. ومن ذلك قيام العبد بالعبودية على الوجه الذي يحبه ربه جل وعلا له، فإن ذلك بحسب كمال إيمانه بربه وخالقه سبحانه وتعالى، فيمتثل ما أمر ويجتنب ما نهى عنه وزجر سبحانه وتعالى. هذا خلاصة ما يذكر بهذا المبحث، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.