شرح الدروس المهمة  44

شرح الدروس المهمة 44

الدرس في شرح الدروس المهمة 44، تابع الدرس العاشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سنن الصلاة بعد الركوع

يتناول شرح سنن الصلاة بعد الرفع من الركوع، مثل قول 'ربنا ولك الحمد'، ويوضح أحكام المأموم والإمام والمنفرد. يُفصّل أحكام هذه السنن ووجوبها واستحبابها.

تفاصيل سنن الصلاة بين السجدتين

يشرح تفاصيل سنن الصلاة بعد الركوع وبين السجدتين، مثل تكرار الدعاء وتوجيه الرأس في الركوع. يُوضح أن بعض هذه السنن واجب والبعض الآخر مستحب.

كيفية السجود والمجافاة

يشرح كيفية تطبيق سنن الصلاة في السجود، خاصة مجافاة العضدين والبطن عن الفخذين. يُحذر من التكلف أو الإهمال ويؤكد على الاعتدال في تطبيق هذه السنن.

ختام الكلام حول سنن الصلاة

يختم الكلام حول المجافاة في السجود، ويؤكد على أن الاعتدال هو المأمور به، ويشير إلى أن العلم عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أما بعد، فتتمة للقراءة في كتاب شيخنا الوالد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، الدروس المهمة لعامة الأمة. وكان آخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله في الدرس العاشر من سنن الصلاة. وكنا أخذنا ثلاث سنن من سنن الصلاة، واليوم إن شاء الله نقرأ ما يتيسر من هذه السنن. قال رحمه الله تعالى: «رابعا: ما زاد عن واحدة في تسبيح الركوع والسجود». يريد رحمه الله تعالى أن من سنن الصلاة كذلك ما زاد عن واحدة في تسبيح الركوع والسجود. ومر معنا أن التسبيحة الواحدة مع الإطمئنان من واجبات الصلاة، ولهذا كان الزائد عن الواحد هو من المستحبات والسنن. فإذا قال المصلي في ركوعه مثلا: «سبحان ربي العظيم»، أدى الواجب، فما زاد عن ذلك فإنه مستحب: مرتين، ثلاثا، خمسا، سبعا، تسعا. وهكذا في السجود، إذا قال: «سبحان ربي الأعلى» مرة واحدة، فإنه فعل الواجب، فما زاد عن هذه المرة الواحدة في المرتين والثلاث والخمس والسبع والتسع إلى آخره، فهو مستحب. ومر معنا في الواجب الدليل على هذا الذكر في الصلاة، وما زاد عن ذلك فهو مما يستحب الزيادة فيه. وقد صح عن النبي ﷺ أن ركوعه وسجوده وقيامه كان سواء، أو قريبا من السواء. وفسر العلماء هذا، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحديث في دروس سابقة: أن الركوع والسجود والاعتدال ينبغي أن يكون متقاربا بقدر القراءة. فالقراءة القصيرة يكون ركوعها وسجودها قصيرا، والقراءة الطويلة يكون ركوعها وسجودها طويلا. ولهذا لما كان قيام الليل يطول فيه القيام كثيرا، كان يستحب معه إطالة الركوع والسجود. وليس معناه أن وقت الركوع يكون سواء بالمثل كوقت القراءة، مثلا لو قرأ في قيامه بما يعادل عشر دقائق، ليس معناه أن يكون ركوعه وسجوده كذلك عشر دقائق، ولكن لنقل: تكون يكون الركوع والسجود بقدر ما يكون معتدلا مع قراءة عشر دقائق. فمثلا لو قرأ بقصار السور، فمناسب أن يكون تسبيحه في الركوع والسجود قدر ثلاث تسبيحات أو خمس تسبيحات أو سبع. وإذا قرأ بطوال المفصل كسورة قاف مثلا، فهنا يناسب أن يطيل الركوع والسجود والتسبيح فيهما بأكثر من الثلاث والخمس بما يناسب القيام. وهذا معنى الأحاديث التي ورد فيها أن ركوعه وسجوده كان قريبا من السواء، أي بالنسبة للقيام. فهذا هو تفسير ومعنى. وإن سأل سائل: كم القدر المستحب في التسبيح المعتدل في الركوع والسجود؟ أجاب عن هذا السؤال الإمام بن القيم رحمه الله في كتابه «زاد المعاد»: ما معناه أنه قدر عشر تسبيحات، واستدل بأثر مروي عن عمر بن عبد العزيز، وأنه كان أشبه الناس صلاة بصلاة النبي ﷺ، بشهادة من شهد له بذلك. فحصي تسبيحه، فكان قدر عشر تسبيحات. إذن من أراد الاعتدال في ركوعه وسجوده، فليسبح تسعا أو عشرا حولها، فهذا هو المعتدل وكمال الطمأنينة في الركوع وفي السجود. وقد صح عن النبي ﷺ أنه كذلك كان يدعو في سجوده، فيجوز للمصلي أن يدعو في سجوده، بل حث النبي عليه الصلاة والسلام عليه، وبينا بقوله: «فقمن أن يستجاب لكم»، أي حري أن يستجاب لكم. أنه يستحب للإنسان أن يدعو في سجوده، ويجوز أحيانا أن يقول بغير «سبحان ربي العظيم» أو «سبحان ربي الأعلى»، بالنسبة للسجود، فيقول مثلا: «سبحانك اللهم بحمدك، اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» في الركوع وفي السجود، كما جاء معناه في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ويجوز أحيانا أن يقول: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». وردت هناك أدعية وأذكار أخرى، ينوع فيها المصلي في صلاته بحسب ما وردت به السنة. وأحيلكم في هذا لمن أراد الزيادة أن يرجع إلى كتاب العلامة الألباني رحمه الله: «صفة صلاة النبي ﷺ». قال رحمه الله تعالى: «خامسا: ما زاد عن قوله بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد». وهذا كذلك من سنن الصلاة، أي ما زاد عن قوله المصلي: «ربنا ولك الحمد»، فإنه من مستحبات وسنن الصلاة. وأما قول المصلي: «ربنا ولك الحمد»، خصوصا إذا كان مأموما، فإنه في قول أكثر أهل العلم أنه من واجبات الصلاة، بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك. ومر معنا في دروس سابقة أن للمأموم والإمام والمنفرد أحكام في هذا الموضع، وفي المسألة خلاف، والصحيح والذي سبق الإشارة إليه التفصيل في هذه المسألة. فالمأموم إذا صلى خلف الإمام، فالإمام سيقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». وأما المأموم، فالصحيح أنه سيقول إذا قال الإمام: «سمع الله لمن حمده»، سيقول: «ربنا ولك الحمد». ومر معنا أن في «ربنا ولك الحمد» أربع كيفيات كما وردت به سنة، فيجوز أن يقول: «ربنا لك الحمد»، ويجوز أن يقول: «ربنا ولك الحمد» بزيادة الواو، ويجوز أن يقول: «اللهم ربنا لك الحمد» بزيادة «اللهم» وبدون الواو، ويجوز أن يقول: «اللهم ربنا ولك الحمد». كما يجوز أوجه أخرى بزيادة ألفاظ بعد «ربنا لك الحمد» أو «ولك الحمد». فالشاهد: المأموم يقول: «ربنا ولك الحمد». وهنا قال: «ما زاد عن قوله بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد». وهذا هو الحد الأدنى، وهو حال المأموم. أما الإمام والمنفرد، فسنقول: ما زاد عن قوله بعد الرفع من الركوع: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». واضح هذا. يعني عندنا الآن مأموم وإمام ومنفرد. فالمأموم سيقول على القول الراجح بعد الإمام إذا رفع: «ربنا ولك الحمد». الإمام سيقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». المأموم سيقول فقط: «ربنا ولك الحمد»، ولن يقول: «سمع الله لمن حمده»، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا» الحديث. ثم قال فيه في هذا الحديث: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». فدل أن المأموم يقول فقط ماذا؟ «ربنا ولك الحمد». وهذا الحد أعده أكثر أهل العلم أنه واجب. أما بالنسبة للإمام والمنفرد، فهو إذا رفع من الركوع سيقول الجملة الأولى: «سمع الله لمن حمده»، والجملة الثانية: «ربنا ولك الحمد». الإمام والمنفرد إذن لما قال رحمه الله: «ما زاد عن قوله بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد»، هذا بالنسبة لمن؟ بالنسبة للمأموم. هذا واجب. فما زاد عن هذا، هذا مستحب. ما هو الزائد؟ الزائد أن يكرر مثلا هذا، يقول: «ربنا ولك الحمد، ربنا ولك الحمد، ربنا ولك الحمد». ما زاد عن المرة الواحدة هذا مستحب. أما المرة الواحدة فهو الواجب، لأن النبي ﷺ أمر به، والأصل في الأمر للوجوب إلا أن يصرفه صارف، ولا صارف لها هنا. وهكذا من الزائد: الزائد بالأدعية الأخرى التي وردت في هذا الموضع. عندنا إذن الزائد أن يزيد في العدد، مثل أن يكرر: «ربنا ولك الحمد، ربنا ولك الحمد»، فهذا مستحب. وعندنا من الزائد كذلك أن يدعو بأدعية أخرى صحت عن النبي ﷺ، إما من قوله وإما من تقريره. فمما ثبت مثلا أن يقول: «ربنا ولك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد». فقد صح بصحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وعبد الله بن أبي أوفة. فمثل هذا يقوله أحيانا، وأحيانا يكرر: «ربنا ولك الحمد»، وأحيانا يكرر كذلك الدعاء الآخر: «أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولم يعطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». ونحوها من الأدعية الأخرى التي أشار إليها أهل العلم. وقد ذكر العلامة الألباني رحمه الله في «صفة الصلاة» عددا من هذه الأدعية التي يصحت عن النبي ﷺ في هذا الموضع. وإن سأل سائل: ما هو حد الاعتدال والاطمئنان المتوسط بعد الرفع من الركوع؟ الجواب: أن الحد المتوسط في هذا أن يتابع القراءة. فالقراءة القصيرة يكون اعتداله فيها قصيرا، والقراءة الطويلة يكون اعتداله فيها طويلا. يكون اعتداله فيها طويلا. ولهذا قال بعض أهل العلم في حديث أنس: أن النبي ﷺ ربما يرفع بعد الركوع حتى يقول القائل: أنه نسي. يعني من طول القيام بعد الركوع. قالوا: أن هذا كان في صلاة الفجر. نظر بعضهم إلى روايات حديث أنس المذكور، فقالوا: أنه كان في صلاة الفجر. والنبي عليه الصلاة والسلام كان في صلاة الفجر يطيل القراءة، فلما كان يطيل القراءة، كان من الاعتدال في الصلاة أن يطيل معها ماذا؟ كذلك الركوع والسجود والاعتدال بعد الركوع. وهذا يؤكد لنا المعنى المتقدم: أن المراد بالسواء والقريب من السواء ليس تماما المماثلة، ولكن تماما المكافأة. وفرق بين المماثلة والمكافأة. يعني إذا طالت القراءة، يطيل قليلا في الركوع والسجود، ولكن ليس هو مثله أبدا كما تقدم. ثم قال رحمه الله تعالى: «السادس: ما زاد عن واحدة في الدعاء بالمغفرة بين السجدتين». أي كذلك من سنن الصلاة: الزيادة عن لفظة الواحدة في الدعاء بين السجدتين، بقول المصلي: «رب اغفر لي». ومر معنا في واجبات الصلاة: أن قول المصلي: «رب اغفر لي»، أي مرة واحدة باطمينان، واجب من واجبات الصلاة. وما زاد عن هذا الواحد، إما بتكراره: «رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي»، يكرر، فهذا مستحب. ويقال فيه ما قيل في الركوع والسجود والاعتدال، أي بالنسبة للعدد، وبالنسبة للوقت. فينبغي أن يكون وقت جلوس المصلي بين السجدتين متوازيا مع وقت ركوعه وسجوده. لهذا جاء في بعض الأحاديث: أن جلوسه بين السجدتين كان مثل سجوده. وكما قلنا: أن السجود يطول وينقص بحسب القراءة، فكذلك الجلوس بين السجدتين. وهكذا كذلك ما زاد عن قوله: «رب اغفر لي»، أي مرة واحدة، ليس بتكراره، بل بالأدعية الأخرى. على من يقول بصحة ما ورد في هذا الباب من أدعية، فإنه كذلك يذكر هذه الأدعية، وهو من سنن الصلاة، ليس من الواجبات. وبقية الأحكام هي مثل ما قيل في الركوع والسجود. ومن أراد الزيادة في الأدعية الواردة، وشيء من التفصيل، فيرجع لكتاب الشيخ الألباني رحمه الله: «صفة صلاة النبي ﷺ». ثم قال رحمه الله تعالى: «السابع: جعل الرأس حيال الظهر في الركوع». أي السابع من سنن الصلاة: أن يجعل المصلي رأسه حيال ظهره في الركوع. ومعنى «حيال»: أي موازيا لظهره. فلا هو بالذي ينكس رأسه حتى يلتصق ذقنه بنحره، فينخفض الرأس عن الظهر، ولا هو بالذي يرفع رأسه فيبتعد الذقن عن الرقبة، بما يكون فيه ارتفاع الرأس عن الظهر، ولكن وسط بين ذلك. كما جاء معناه في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أنه لم يكن أي ينكسه ولا يرفعه، ولكن يصوبه بين ذلك، يشخص برأسه على وجه الاعتدال. وهكذا جاء نحوه في السنن من حديث: «بحديث حميد الساعد» رضي الله عنه. فهذه سنة من سنن الصلاة في الركوع، حتى أن القائل يقول: لو وضع الماء على ظهره عليه الصلاة والسلام لم ينكب. يعني من شدة استواء ظهره. وهكذا كذلك استواء رأسه مع ظهره. وهنا قد يقول قائل: كيف نصنع بهذا الحديث أو هذا المعنى مع قول أهل العلم: أنه ينظر إلى موضع سجوده؟ لأنه لو نظر إلى موضع سجود، يحتاج أن يرفع رأسه قليلا. الجواب: المقصود تطبيق هذه السنة التي صحت بها الأحاديث. وأما النظر إلى موضع السجود، فهو إما في القيام، وإما أنه كذلك في الركوع، ولكن لا ينحصر موضع السجود بمكان الجبهة، وإنما موضع السجود: كل المكان الذي يقع عليه جسد المصلي، ومنه ما بين جبهته وما بين قيامه في المكان الذي سينظر إليه إذا اعتدل رأسه في حال الركوع، فهذا من موضع السجود. واضح الآن: الإشكال قد يقول قائل: إذا نظر بعينيه إلى مكان السجود، أي مكان جبهته، رأسه سيرتفع. إذن لن يكون مستويا. فكيف نحن نطالبه بأن يستوي رأسه مع ظهره، وفي نفس الوقت نطالبه أن ينظر إلى موضع سجوده؟ الجواب على هذا من جهتين: يقال أن بعض أهل العلم قال: النظر إلى موضع الجبهة إنما هذا في القيام فقط، عند القيام في الاعتدال أو في القراءة. وأما في الركوع، فهذا هو الوضع الذي ينبغي عليه، ويكون عينيه في المكان الذي تأتي إليه في الوسط. وأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر، فقالوا: لا مانع أن ينظر إلى موضع سجوده، لأن موضع السجود لا ينحصر بمكان الجبهة والرأس، بل كل المكان الذي يصلي عليه المصل هو موضع سجودي، لأن الركبتين تسجد، والرأس يسجد، والجسد كله يسجد على هذا المكان، ينخفض فيه. فإذا هو ينظر إلى موضع سجوده، إلى المكان الوسط، وهو من موضع السجود. أيما رجل من أمتي أدركت الصلاة، فعنده ماذا؟ مسجده وطهوره. فالمراد بالمسجد: المكان الذي يسجد فيه، وليس عين مكان الرأس. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: «وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا». وفي أحد تفسيري الآية: المراد للمساجد، أي مواضع أعضاء السجود. وأعضاء السجود سبعة، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: الرأس، ومنه الجبهة والأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين. وبهذا يكون لا إشكال: يعتدل الرأس مع الظهر، وينظر بعينيه إلى وسط مكان صلاته، ولا ينافي هذا نظر المصلي إلى مكان السجود. ثم قال رحمه الله: «الثامن: مجافات العضدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين في السجود». ومعناه: من سنن الصلاة كذلك أن يجافي بين العضدين عن الجنبين. والعضد: العضلة التي تكون في أعلى اليد، فيبعدها عن الجنب. والبطن يبعده عن الفخذ. يعني لا يلصق بطنه بفخذه. ومعناه أن رأسه يكون بعيدا قليلا. فهذه الصفة صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث: أنه كان يفعلها في سجوده. وهو ما يسمى بالمجافاة في السجود، حتى جاء من حديث أم سلمة، ومعناه من حديث ميمونة: أنه كان يفعل ذلك، أن يجافي بين جنبيه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه لمرت. والبهمة: صغير الغنم. ومعناه أنه يبعد الجزء الأعلى من اليدين عن الجنب. والناس في هذا طرفان ووسط. فمنهم من يتكلف ويبالغ في المجافاة حتى يشق على نفسه، وليس هذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وربما بعضهم مد رأسه بعيدا جدا، وجاف بين يديه بعيدا جدا، بما فيه تكلف ومشقة شديدة، وليس هذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن التكلف. وفي الحديث الآخر قال: «نهينا عن التكلف». حديث عمر وسلمان رضي الله عنهما وآخرون. وآخرون يبالغون في إهمال هذه السنة بحجة الاعتدال، حتى ربما ألصقوا اليدين في الجنبين على وجه الاستمرار، والبطن في الفخذين كذلك من غير ضرورة ولا عذر، وعلى وجه الاستمرار. وهذا خلاف السنة. والسنة في هذا وسط بين فعل أولئك المتكلفين وبين فعل هؤلاء المتساهلين. وهذا الوسط يعرف إذا عرفت ثلاثة أمور. الأمر الأول: أن المسافة بين موضع قيام المصلي وسترته قدر ثلاثة أذرع تقريبا، من أدرع نفسه. والذراع: من أطراف الأصابع إلى أطراف المرفقين. هذا من هنا إلى هنا ذراع، من أطراف الأصابع إلى المرفق ذراع. ثلاثة أذرع كل واحد بدراعه القصير، ثلاثة أذرع قصيرة. والطويل: ثلاثة أذرع طويلة، بحسب ذراع المصلي نفسه. هكذا جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في موقوف المصلي بينه وبين السترة. فإذا كان كذلك، إذا مد رأسه وجاف بين جنبيه، سيراعي أن موضع سجوده حيث يضع رأسه على الأرض، يجعل مسافة يمر فيها قدر شاه، يعني شبر تقريبا، بين رأسه موضع وضع الرأس وبين السترة، لا يلصق رأسه بالسترة تماما. هكذا صحت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. إذن هذه المسافة يحصل فيها اعتدال في المجافاة. واضح إذن: لن يمتد جسده في حال سجوده أكثر من ثلاث أذرع، بل سيكون أقل من ثلاثة أذرع. فما يفعله بعض الإخوة حيث إذا أراد أن يسجد، تأخر ماذا؟ إلى الوراء، ربما يقف وقوفا صحيحا إلى السترة، بين وبين السترة ثلاثة أذرع، وهذا حسن، وهذه السنة. لكن بعضهم لأجل أن يمد ويجافي، إذا أراد أن يسجد، تأخر إلى الوراء، ثم صار مده أطول من اللازم، وهذا هو التكلف. واضح كيف يتأخر إلى الوراء؟ وهذا خلاف سنة النبي ﷺ. وهكذا العكس: من يضم نفسه بنفسه، فيكون جسده مضموما، فهذا كذلك خلاف سنة النبي ﷺ. والوسط هو المطلوب. المعنى الثاني الذي ينتبه له: أن المقصود من إبعاد العضدين عن الجنبين، ليس أن تجعل العضد تسعين درجة إلى أقصى منتهى الفك والانفتاح، وإنما المقصود إبعاد يخرج المصلي عن التشبه بالحيوان، ويحصل للمصلي تطبيق السنة. فقد جاء في أحاديث كثيرة عن أنس وعائشة وأبي حميد وابن عمر وآخرون من الصحابة: نهي النبي ﷺ إذا سجد المصلي أن يضم يديه، أو أن يضعهما على الأرض، فيكون سجوده كنبساط الكلب. تعرفون الكلب كيف يضع الدراع على الأرض، ويضمه إلى جسده، فهذا الذي نهى عنه النبي ﷺ. إذن المجافاة المقصود منها: مجافاة معتدلة، ليس فيها مشقة ولا تكلف. وأما معنى الحديث: «أن بهم لو أرادت أن تمر لتمر»، ليس معناها المبالغة في الفتح، ولكن هي فتحة معقولة متوسطة. والبهمة: صغير الغنم معروف، أنه تكون مدللة إذا ربيت في البيت، تكون كثير التذلل مثل القطة، وأشد يعني تتمسح بالإنسان. وكثيرا ما تتمسح بالمصلي إذا صلى، إذا ربيت داخل البيت، وهي تحب كثيرا أن تدخل في الأماكن الضيقة، لأنها اعتادت أن تجلس في حظ مالكها. فلذلك لو وجدت فتحة تريد أن تدخل حتى تصل إلى رأس المصلي، وهذا معنى: «لو أرادت بهمة أن تمر لمرت»، لأن البهمة تحب أن تمر بالأماكن الضيقة. وإلا للزم أن يرفع يديه حتى لا تمس الأصابع الأرض إذا أراد المهمة تمر بالراحة، وهذا غير ممكن هكذا. لكن المقصود هو هذا الذي سمعنا. وأما المعنى الثالث الذي ينبغي أن ينتبه له: أن معنى عدم التصاق البطن بالفخذ، ليس أن يتقوص الظهر من الأعلى. واضح التقوص. لكن المقصود: التقوص هكذا. المقصود أن يستوي الظهر، وفي نفس الوقت لا يلمس الفخذ. وهذا هو الاعتدال. فلا ترفع ظهرك فتتكلف، فيكون من الأعلى مقوصا، لأن وصف حديث سيود النبي عليه الصلاة والسلام ذكر فيها استواء ظهره. يعني أنه لم يكن فيه تقوص، لم يكن فيه تقوص. وبهذا تكون المجافاة معتدلة. والله أعلم.