شرح أصول السنة 12

شرح أصول السنة 12

الدرس في شرح أصول السنة 12، الدرس الثاني عشر: (وأن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ... على ما صحت به الأخبار والآثار من غير وجه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإيمان بكلام الله تعالى يوم القيامة

يؤكد الشيخ على أهمية الإيمان بكلام الله تعالى يوم القيامة مع العباد بدون ترجمان كأحد أصول أهل السنة والجماعة، ويفرق بين التقرير والحساب في ذلك اليوم.

صفات كلام الله تعالى ودلائله

يتناول المقطع إثبات كلام الله تعالى بحرف وصوت استنادا إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية، ويشرح حديثا نبويا يصف سماع أهل السماء لصوت الله عند نزول الوحي.

الإيمان بالحوض النبوي وصفاته

يؤمن أهل السنة والجماعة بوجود حوض للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، يتميز بكثرة آنيته وصفات مائه، وتواترت الأحاديث في وصفه وعدد الصحابة الذين رووها.

طرد المخالفين عن حوض النبي

يتحدث المقطع عن طرد بعض الأمة عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن هذا الحوض هو نعمة كبيرة خص الله بها هذه الأمة، ويتم الإشارة إلى استكمال الحديث حول هذا الموضوع لاحقا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «وأن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان». والإيمان به والتصديق به كذلك من أصول أهل السنة والجماعة أن العباد يكلمون يوم القيامة، يكلمهم الرب جل وعلا ليس بينهم وبينه ترجمان، كما جاء ذلك في حديث عدي بن حاتم في الصحيحين، وجاء كذلك في رواية للبخاري: «ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». وقوله: «والإيمان به والتصديق به» يعني كما جاء يؤمن به ويعقد القلب عليه ويجزم به ويصدق به، كسائر أصول أهل السنة. ومن لم يؤمن به كان بذلك خارجا من أصول أهل السنة في هذا الأصل. وهنا تنبيه في التفريق بين الحساب وبين التقرير، فإنه جاء كذلك في حديث ابن عمر أن الله جل وعلا يقرر عبده بأعماله، فيقول: «أنا سترتها عليك في الدنيا فأسترها عليك اليوم». وأما الحساب فمن حوسب عُذب، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عائشة، ومعناه عند الترمذي من حديث أنس، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «أليس الله تعالى يقول: فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما ذلك العرض، إنما ذلك العرض»، وهو الذي ورد في حديث عدي بن حاتم وحديث عبد الله بن عمر. ولكن كما قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن من نوقش الحساب يهلك، من نوقش الحساب يهلك». ففرق بين تقرير أعمال العباد وبين مناقشة العباد، فمن نوقش وحوسب عُذب، ومن قرر لا يلزم منه أن يعدب. وفيه كذلك إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. وقد مر معنا أن الله جل وعلا يتكلم كلاما يليق بجلاله وعظمته، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، تكلم قبل أن يخلق السماوات والأرض، وتكلم كذلك حين خلق السماوات والأرض، وتكلم حين أرسل رسله، وتكلم بما أنزل من كتبه. ومن ذلك كلامه جل وعلا لرسله من ملائكته، وهكذا كلامه مع رسله من بني آدم، فهو يتكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته. ومن هذا أنه سبحانه وتعالى يتكلم بكلام حقيقي بحرف وصوت، نقول حقيقي حتى لا يحرف اللفظ عن ظاهره كما فعلت الكلابية والأشاعرة والمرجئة، فجعلوا الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهذا ليس بصحيح، وهو تعطيل وتحريف لكلام الله سبحانه وتعالى. بل تكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته، ومن حقيقته أنه بحرف وصوت، أنه بحرف وصوت. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ والنداء لا يكون إلا بحرف وصوت، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وهذا النداء بحرف وصوت. وهكذا أدلت ذلك كثيرة، وأصرح منه ما جاء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري تعليقا في صحيحه، ووصله أبو داود والبيهقي بن خزيمة من حديث بن مسعود، وذكره البخاري في خلق أفعال العباد من حديث عبد الله بن مسعود بإسناد حسن أو صحيح، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان». وهذا هو تشبيه لصوت الرب جل وعلا في قوته، وليس هو تعيين للصوت أنه كصوت السلسلة على الصفوان. وإنما المراد إثبات أن كلام الله جل وعلا فيه حرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته. مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون القمر، إنكم سترون الله كما ترون القمر»، فليس هو تشبيه المرء بالمرء، ولكن تشبيه الرؤية بالرؤية، ولله المثل الأعلى. فالمراد من هذا الحديث إثبات أن كلام الله بحرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته. قال: «صلصلة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون، ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، فينادون: الحق الحق». أو فينادون أي هم الحق الحق. والشاهد منه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان»، يعني يفزع عن القلوب من شدة الصوت. فكلام الرب جل وعلا بحرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فإذا قوله: «أن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة كلاما حقيقيا يليق بجلاله وعظمته ليس بينه وبينه ترجمان» دليل على أنه بحرف وصوت، إذ لو كان كلاما نفسيا لم أحتاج أن يقول: «ليس بينهم وبينهم ترجمان». ولكن كلام حقيقي يفهمه كل المخلوقات، ويفهمه كل بني آدم يفهمون ذلك، لا يحتاجون إلى أن يتكلم بلغتهم. فإن الله جل وعلا يكلمهم بما يفهمون، ليس بينهم وبينه ترجمان. وهكذا في رواية البخاري: «ولا حجاب يحجبه»، ومعناه أنه سبحانه وتعالى يرى ويرى كما يليق بجلال الله وعظمته. ففي هذا ثلاثة أشياء: إثبات كلام الرب، وأنه كلام حقيقي بحرف وصوت. وثانيا إثبات تقرير العباد بأعمالهم، وأن التقرير لا يلزم منه العذاب، فقد يكون منه العذاب وقد لا يكون، وأن من نوقش وحوسب فإنه يهلك ويعدب. والثالث إثبات رؤية الرب جل وعلا، فكل ذلك نؤمن به كما جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة. وهذا الحديث خاصة حديث عدي بن حاتم. قال رحمه الله تعالى: «والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضا يوم القيامة ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه». كذلك من أصول أهل السنة والجماعة، وما من أصل من الأصول إلا وخالف فيه طائفة من أهل الأهواء. فمن أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بالحوض، أي الحوض الذي أكرم به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيه يكون الكوثر كما يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحوض جاءت فيه أحاديث كثيرة، قال الحافظ بن حجر: جاء عن أكثر أو عن نيف أو بضع وعشرين رجلا من الصحابة. وذكر السيوط رحمه الله أنه جاء عن أكثر من خمسين صحابي من الصحابة، ومنهم الخلفاء الأربعة. فأحاديث الحوض أحاديث متواترة جاءت من طرق كثيرة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ومن صفات هذا الحوض أنه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخص به. وهل لكل نبي حوض؟ روي حديث في ذلك، ولكن الصحيح ضعفه. الصحيح فإننا نتوقف في ذلك، لا نثبته ولا ننفيه. لكن الذي نثبته أن الله يخص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم به أنه يعطيه الحوض، وفيه الكوثر الذي قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّا آتَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. ومن وصف هذا الحوض الذي نؤمن به ما وردت به الأحاديث، والله جل وعلا على كل شيء قدير. وعرضه عليه الصلاة والسلام مسيرة شهر، يعني طوله شهر وعرضه كذلك. فجاء في رواية أصلها في مسلم، وهي عند الإسماعيلي وابن حبان بإسناد حسن: «وزواياه سواء»، يعني أطراف طوله وعرضه سواء لا فرق، مسيرة شهر. «آنيته كعدد نجوم السماء»، يعني كثرة. وهكذا كذلك من الصفات الأخرى: ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، من يشرب منه لا يظمأ بعده أبدا. وقد جاء عن عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عمر، وعن أبي ذر، والحديث في الصحيحين. وعن أبي ذر وثوبان في صحيح مسلم. فكل هذا نؤمن به كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن أهل السنة والجماعة يعتقدون ويؤمنون ويصدقون بتفاصيل ما ورد في هذا الحوض. ومن ذلك أنه يطرد منه من خرج عن طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهديه، إما بردة أو ببدعة، إما بردة أو ببدعة. فإنه يأتي أقوام إلى الحوض فتطردهم الملائكة، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أصحابي أصحابي»، كما جاء معنا في حديث أبي سعيد وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فيقال له: «إنك لا تدري ما أحدث بعدك، إنهم غيروا وبدلوا». ويقول: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». وفي رواية يقول: «أمتي أمتي»، الحديث. وفيه أن بعض أصحابه يطردون أو من عرفهم. وفيه أن بعض كذلك من يكون من أمته يطردون كذلك عن هذا الحوض الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأكرم به وتكرم به هذه الأمة. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.