كتاب الجنائز 12

كتاب الجنائز 12

الدرس في كتاب الجنائز 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام دفن الميت وإكرامه

يجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع، ودفن الميت مطلوب شرعاً ويعتبر من الإحسان. الأحكام تشمل المسلم والكافر معاً.

تفاصيل أحكام الدفن والقبور

يتناول المقطع أحكام الدفن في الإسلام، مشيرًا إلى أدلة من الكتاب والسنة. يشرح كيفية الدفن وعمق الحفرة والفرق بين اللحد والشق.

أفضلية اللحد وتفاصيل الدفن

يُشرع في الدفن استخدام اللحد أو الشق، واللحد أفضل استدلالاً بالأحاديث النبوية. يُدخل الميت من مؤخر القبر كما جاء في السنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوفاني رحمه الله تعالى: فصل، ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع، ولا بأس بالضريح واللحد أولى. ولا بأس بالضريح واللحد أولى. ويدخل الميت من مؤخر القبر. طيب، هذه خمس مسائل من مسائل الدفن جعلها في هذا الفصل الخاص مما يتعلق بأحكام الجنائز. وقبل ذلك سؤال سأله بعض الإخوان في مسألة وضع الجنازة، فيما جاء في الأحاديث المتقدمة في المسألة الأخيرة من مسائل الفصل السابق، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر ألا يقعد حتى توضع الجنازة، فلا يجلس حتى توضع، وأن هذا غير منسوخ، فأين توضع؟ أشكل على بعض الأخوة ذلك. والجواب أن أهل العلم اختلفوا في الوضع، فمنهم من قال: إن توضع في القبر، ومنهم من قال: إن توضع في الأرض. وهذا الثاني هو الأصح أن توضع في القبر، وهذا الذي ثبت عن عدد من السلف تطبيقه، أي: حتى توضع على الأرض، فإذا وضعت على الأرض فإنه جاز الجلوس. قوله رحمه الله تعالى: ويجب دفن الميت، ويجب دفن الميت في حفرة تمنعه من السباع، ذلك لعموم الأدلة الواردة في ذلك. وقوله رحمه الله: الميت يشمل المسلم والكافر، فكل ميت يجب أن يدفن في حفرة تمنعه من السباع، وهكذا كذلك تمنع جيفته أن تؤذي الناس، فهو من الأذى الذي يماط عن الطريق من باب أولى وأشد. فإذا كان الأذى سائر الأذى يماط عن الطريق وهو من الإيمان، فإماطة جثة الميت من باب أولى وأحرى. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك أحاديث، فقد أمر بقتل المشركين في يوم بدر أن يدفنوا، وإن كان الدفن ليس كما يدفن المسلم، فإنهم رموا في قليب، وفي رواية أنهم رموا، قذفوا في طوى من طوى بدر، كما جاء في أحاديث هذا الباب، وأكثرها في الصحيحين، جاء في حديث أنس، وبي طلحة، وعمر، وابن عمر، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، فدفن الميت عموما مطلوب. ولهذا لما كان أمية بن خلف قد انتفخ ولم يستطيعوا أن يجروه إلى البئر، أمر النبي عليه الصلاة والسلام -بظاهر النص والقصة- أن يحثى عليه التراب والحجارة، فألقي عليه التراب والحجارة في موضعه الذي مات فيه أو الذي قتل فيه. وهكذا كذلك في حديث علي رضي الله تعالى عنه الذي رواه الإمام أحمد بإسناد حسن أو صحيح، وصححه جماعة من أهل العلم منهم الحافظ بن حجر، والشيخ العلامة الألباني رحمه الله في أحكام الجنائز، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اذهب فواري أباك»، يعني لما مات أبوه أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمر بدفنه، فدل ذلك على أن دفن الميت عموما مما طلب شرعا، ومما يكون به الإحسان، إذا كان قريب فهو من الإحسان إلى الوالدين، ومن الإحسان والبر به المشروع، ولو كان كافرا أن يدفن، والمسلم من باب أولى، فالمسلم يدفن. وأدلة ذلك أكثر من أن تعد وتحصى من أدلة الكتاب والسنة، قال الله عز وجل في حق النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَقُومُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾، نهاه أن يقوم على قبور المشركين والمنافقين، «ولا تقوم على أحد منهم مات أبدا، ولا تقوم على قبره، ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا، ولا تقوم على قبره»، فدل على أن القيام على القبر والدفن مما هو من سنة المسلمين. وهكذا كذلك حديث جابر بن عبد الله الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفن شهداء أحد. وهكذا كذلك حديث هشام بن عامر، وحديث عامر بن سعد وغيرها من الأحاديث التي فيها دفن الشهداء ودفن موتى المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قوله رحمه الله تعالى: تمنعه من السباع، ليس شرط من السباع، ولكن كما أشار رحمه الله بالشرح: لا تنبشوا السباع، ولا تخرجوا السيول المعتادة، فالمقصود هو أن يدفن دفنا لا ينكشف به، أن يدفن دفنا لا ينكشف به. ولهذا اختلف أهل العلم اختلافا واسعا في حد الحفرة التي يدفن فيها الميت، والصحيح أن حفرة يدفن فيها لا يظهر في مثلها الجثة غالبا، فمثلا في المواضع الجبلية لا يعمق كثيرا، وفي المواضع الرخوة أو التي يكون فيها كثرة المياه أو ما كان بمعناه فإنها يعمق لها. وهكذا كذلك من باب أولى إذا استيقنا أن كثرة المياه تنبش القبور، فجرت العادة بخلط هذه القبور بشيء من الحصى مثلا، فإنه يجوز ذلك في بعض البلاد التي هي كثيرة الأمطار وتربتها لينة، قد يحتاجون في دفن الميت أن تخلط هذه الحفرة بشيء من الحجارة الصغيرة التي يكون بها تماسك هذا القبر وعدم حصول النبش فيه، يعني من سباع أو غير ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: ولا بأس بالضريح واللحد أولى، المراد بالضريح أي الشق، ويدل عليه قوله: واللحد أولى، وهو كذلك في اللغة، فالضريح فعيل بمعنى مفعول، أي محفور، فهو الحفر على وجه الشق، يقال له ضريح إذا حفر على وجه الشق، والشق هو ما يحفر في وجه الحفرة. واللحد هو ما يحفر في جنب الحفرة، يعني إذا حفر مثلا رأسيا فيحفر أفقيا بعد ذلك، يسمى هذا الحفر الأفقي لحدا. وإذا حفر رأسيا ثم حفر في وسط وفي قاع هذه الحفرة حفرة أخرى أصغر التي توضع فيها جثة الميت، هذا يسمى شقا. وقد اختلف أهل العلم أيهم أفضل، والأحاديث كما أشار المؤلف رحمه الله في شرحه تدل بلا شك أن اللحد أفضل، تدل بلا شك أن اللحد أفضل، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وإقراره وفعل الصحابة من بعده رضي الله تعالى عنهم على مشروعية واستحباب اللحد، والشق جائز. وكما قال النووي رحمه الله تعالى وغير واحد من أهل العلم أن الأمة أجمعت على مشروعيته، أي مشروعية الشق. وفي الحقيقة الناس لا يستغنون عن الشق، ولو كان اللحد هو المستحب والأفضل لدلالة الأدلة على ذلك، وذلك لأن الشق قد يحتاج إليه في الأرض الجبلية، فإنه لا يمكنهم اللحد، أو كذلك حتى في بعض الأرض الرملية، ففي الأرض الرملية لا يمكنهم اللحد لأن الحفرة لا تتماسك إذا حفر فيها أفقيا. فلهذا يستخدمون الشق، أو كذلك أرض صلبة جبلية صلبة أو هشة جبلية هشة، فإن الشق في هذا وهذا أيسر على الناس، فلهذا لا يستغني الناس عنه، فهو مشروع والأفضل هو اللحد. وأما دليل الأفضلية ما أشار إليه رحمه الله من بعض الأحاديث، منها حديث هشام بن عامر أنه شكا للنبي صلى الله عليه وسلم كثرة الجراحات يوم أحد، فأمر أن يدفنوا الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، فقالوا: احفروا وأعمقوا وأحسنوا، وهذا يدل أولا على مشروعية الحفر والإعماق وإحسان الدفن. وكذلك استدل به بعضهم على مسألة اللحد، وهكذا كذلك مما يدل على مشروعيته ما جاء في الصحيحين في حديث جابر بن عبد الله في ذكر ما فعل بالقتل، فإنه قال رضي الله تعالى عنه: أي في تقديم الأكثر قرآنا، قال: قدمه في اللحد، فالتقديم في اللحد يدل على أن اللحد كان أكثر في استخدام الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهكذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال سعد رضي الله عنه: يعني حينما ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ودل ذلك على أن الصحابة لحدوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنهم نصبوا عليه اللبن، يعني جعلوها منصوبة تسد فتحة اللحد حتى لا يتأذى بتساقط التراب عليه. إكرام الميت مطلوب كما يكرم حيا، فإنه يكرم ميتا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كسر عظم الميت ككسره حيا»، فتساقط التراب مباشرة على الميت يؤذيه ويضره، وربما يكسر منه عظما بثقل هذا التراب الذي يتساقط على جسده وعلى جثته. فلهذا كان من تكريمه ومن المحافظة عليه أن يوضع اللبن، وهذا الذي كان من سنة الصحابة وفعل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وجاء كذلك نحوه عند الحاكم بإسناد صحيح وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في أحكام الجنائز، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولي دفنه وإجنانه أربعة من أصحابه دون سائر الصحابة، وهم علي والعباس والفضل، وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنهم ألحدوا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحدا، ونصبوا عليه اللبن نصبا. وهكذا كذلك من الأحاديث حديث عبد الله بن عباس، وهو مختلف فيه، رواه النسائي وابن ماجه: «اللحد لنا والشق لغيرنا»، وجاء نحوه من حديث جرير، وكما قال رحمه الله تعالى في إسناده: عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف، لكن بعضهم حسنه بشواهده، لأنه جاء من حديث جرير وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف، فبعضهم حسنه بمجموع طرقه. وهكذا كذلك أحاديث أخرى أشار إليها، مثل الحديث كذلك أنس، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم... الحديث، والحديث كذلك اختلف فيه، وحسنه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وهكذا كذلك الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في أحكام الجنائز، فهذه الأحاديث تدل على مشروعية اللحد وأنه أفضل وأحسن. طيب، أخيرا قال رحمه الله تعالى: ويدخل الميت من مؤخر القبر، وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى أن الميت يدخل من مؤخر القبر ثبت في شيء موقوف له حكم الرفع، وهو ما جاء كما أشار بالشرح من حديث عبد الله بن زيد، وقيل: ابن يزيد، أنه أدخل رجلا ميتا من قبل رجلي القبر، وقال: «هذا من السنة»، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى في أحكام الجنائز وصحيح أبي داود. وجاءت أحاديث أخرى وفيها ضعف، لكن هذا الأول يغني في إثبات هذا الحكم، وهذا كما أنه ثبت فيه هذا الأثر، فهو الذي يكون فيه إكرام الميت أن يدخل الميت من مؤخر القبر، ففي هذا إكرام للميت. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.