الدرس في كتاب الجنائز 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول مسألة توجيه الميت إلى القبلة، مشيرًا إلى ضعف الأحاديث المرفوعة في هذا الشأن مع وجود آثار صحيحة عن بعض التابعين باستحبابه. بينما استدل المقطع الثاني ببعض الأحاديث على استحباب تغميض عيني الميت وتوجيهه إلى القبلة.
يستحب تعجيل تجهيز الميت لقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما يستحب القضاء لدين الميت لما ورد في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإعلان عن استكماله في درس قادم، وتم تقديم الشكر لله تعالى والإقرار بعلمه الكامل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني، ورحمه الله تعالى، في مثل كتابه «الدرر»: وتلقين المحتضر الشهادة، قرأناه وتوجيهه وتغميضه إذا مات، وقراءة ياسين عليه، والمبادرة بتجهيزه إلا لتجهيز حياته، والقضاء لدينه، هذه كذلك مجموعة من مسائل كتاب الجنائز. قال رحمه الله تعالى: وتوجيهه، والمراد بالتوجيه أي وجه إلى جهة القبلة. وقد أشار رحمه الله تعالى بشرحه إلى بعض الأحاديث، وفيها ضعف. وأولها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البيت الحرام قبلتكم أحيانًا وأمواتًا»، الشاهد «قبلتكم أحيانًا وأمواتًا» أي البيت الحرام. والحديث كما أشار في الشرح أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإلى آخره، ولكن في إسناده أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وهو الملقب بقاضي اليمامة. وهكذا في إسناده كذلك عبد الحميد بن سنان، وهو حجازي لا يعرف، لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال به البخاري رحمه الله: فيه نظر. وهكذا كذلك الحديث الآخر الذي أشار إليه رحمه الله تعالى، فيه ضعف لا يصح، وهو ما جعل بقَتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أصاب الفطرة». رواه الحاكم والبيهقي، وهو كذلك ضعيف لا يصح. وكل ما ورد في هذا الباب مرفوعًا لا يصح، لم يصح في هذا الباب شيء. ومنه الحديث الذي يردده العامة: «خير المجالس ما استقبلت به القبلة». رواه الطبراني، وهو كذلك ضعيف لا يصح. لكن كما قال أهل العلم: روي في ذلك آثار، صح عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجماعة، أي القول باستقبال الميت إلى جهة القبلة، أي أن الميت يوجه إلى جهة القبلة. واستدل له بعض أهل العلم، منهم النووي رحمه الله تعالى، بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البراء بن عازب في الصحيحين: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت ... الحديث»، «أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك». فاستدل به من استدل على أن هذا يكون فيه استحباب التوجه إلى القبلة. فإذن العمومات مع كذلك بعض الآثار المروية في الباب تدل على أن الأفضل أن يوجه إلى جهة القبلة. وإذا لم يكن فلا حرج، لعدم ورود نص صحيح صريح يدل على هذا المعنى. قال رحمه الله: وتغميضه إذا مات. وتغميضه إذا مات كذلك إذا مات، يستحب أن يغمض. وأشار رحمه الله تعالى إلى ما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره، فغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر». وهذا يدل على استحباب هذا الفعل، أن الميت إذا مات يستحب أن يغمض عينيه. وهو كذلك أكمل له من الناحية الطبية، وواقع الناس يدل على أن ذلك لا بد منه؛ لأنه إذا لم تغلق العينين تبقى العينان مفتوحتين ولا تغلق بعد ذلك. قال رحمه الله تعالى: وقراءة ياسين عليه. واستدل على ذلك بحديث: «اقرأوا على موتاكم ياسين». وأشار رحمه الله تعالى إلى أن الحديث فيه ضعف. وقد جاء من الحديث معقل بن يسار، والصحيح أنه لم يصح أنه يقرأ بياسين على الأموات، لا حال كونهم يحتضرون ولا كذلك بعد الوفاة، كل ذلك لم يصح. وأما من فصل في هذا الباب فلم يصح. والصحيح أن الحديث لم يصح مطلقًا. وقد ذكر العلماء فيه علل، وأشار ابن القطان رحمه الله تعالى إلى بعض هذه العلل، ومن ذلك أن الحديث فيه شيء من الاضطراب، وكذلك أن الصحيح فيه الوقف، وفيه جهالة بعثمان، ليس بالنهدي، وأبوه كذلك مجهول. ونقل أبو بكر ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب شيء. نقل ذلك الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير». وهذا يدلك على أنه لا يستحب قراءة ياسين لا على المحتضر ولا كذلك على من مات. وفي هذا الباب مسائل وتفاصيل، وقد بحث أخونا أبو يوسف بحثًا في رد شبه بعض المجادلين فيما يتعلق بقراءة ياسين على الأموات عند الاحتضار، فمن أحب أن يرجع إليه فليرجع إليه، وهي رسالة صغيرة وبحث نافع ومفيد موجودة في المكتبة يرجع إليها. فالخلاصة أنه لا يقرأ على الميت ياسين لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قوله: المبادرة بتجهيزه، أي يستحب تعجيل تجهيز الميت، لما ورد من الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في استحباب التعجيل بدفن الميت، والتعجيل كذلك بتجهيزه. وأشار رحمه الله إلى عدد من هذه الأحاديث، ومنها ما أشار إليه بقوله: أنه جاء من حديث الحسين بن دحوح أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله». والحديث حسن أو صحيح. وأشار إلى حديث آخر معناه صحيح، ولكنه ضعيف، وهو حديث: «ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا». وهو ضعيف، لكن معناه صحيح. فدلوا عليها بحديث بعضها بالصحيحين، كحديث أبي هريرة في التعجيل وغيرها من الأحاديث الأخرى. وأما قوله رحمه الله تعالى: والقضاء لدينه، أي ويستحب كذلك القضاء لدين الميت. فنفس المؤمن معلق بدينه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا المعنى في أحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام. بل كان عليه الصلاة والسلام يمتنع عن الصلاة على الميت إذا علم أن عليه دينًا حتى يقضي هذا الدين أو يتحمله أحد أصحابه. وفي هذا الباب أحاديث، والمؤلف رحمه الله تعالى اختصر في شرحه وأشار إلى بعض الأحاديث، لكن كما قلنا في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على هذا الأصل. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق. والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين.