الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 105، الدرس الخامس بعد المائة:من( وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر ... لأنه معلوماً من الدين بالضرورة وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ويتضمن الإيمان بعلم الله السابق لخلقه وأفعالهم. يجب الإيمان به خيره وشره، مع التفريق بين إضافة الشر إلى الله خلقًا ووصفًا.
الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض، وأمر القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة. يُشرح الفرق بين القضاء والقدر ومراتب الإيمان بالقدر.
اختلف العلماء في أيهما خلق أولًا العرش أم القلم، واختار ابن القيم أن العرش مخلوق قبل القلم. التقدير يكون جملة وتفصيلًا، ومنكر التقدير كافر.
يدل حديث ابن عمر على تكفير من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع. إنكار المعتزلة للعلم والكتابة يستوجب التكفير.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين». أورد رحمه الله هذا الفصل في الكلام على باب القضاء والقدر، يعني: ومن الإيمان، ومما يدخل في هذه العقيدة، وهو من إيمان أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، كما تقدم في أوائل الكتاب، الإيمان بالقدر خيره وشره، وهو الركن السادس من أركان الإيمان. ويورد العلماء هذه المباحث أولًا لما جاء في النصوص، نصوص الكتاب والسنة، من وجوب الإيمان بها، والإيمان بها يستلزم معاني ومباحث تحتاج إلى التنصيص. وثانيًا: لأن بعض أهل البدع والأهواء قد ضلوا في هذا الباب، فاحتيج أن يبين لأهل الإسلام مما علمه علماؤهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن سلفهم ومن تبعهم من الأمة، ما يحتاج إليه هؤلاء الناس. ومن ذلك رد بدع من ضل في هذا الباب. ولهذا قال رحمه الله: «الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين»، كما سيأتي تفصيله. وهذا التقسيم دلت عليه النصوص. وثانيًا: تم التنصيص عليه لرد بدع أهل الأهواء، فإنهم ضلوا في هذه الأبواب، فاحتيج إلى التنصيص عليها على وجه الخصوص. والقدر سر الله تعالى، ودلت أدلة الكتاب والسنة على إثباته. قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَسَوَّى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، والآيات كثيرة. وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الشيء الكثير، منه ما جاء في حديث عمر المشهور في حديث جبريل، فإن من الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره. ومنها حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة جبريل كذلك. ومنها حديث ابن عمر كذلك: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس»، رواه مسلم وغيره. ومنها كذلك حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا» -يعني: قبل قتله- وهي رواية لمسلم. وهكذا حديث عبد الله بن عمر: «كتب الله مقادير السماوات والأرض والخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وحديث ابن عباس العظيم: «يا غلام إني أعلمك كلمات...» ومنها: «وأعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». وحديث ابن مسعود في خلق الإنسان في بطن أمه، ثم يؤمر بأربع كلمات بعد نفخ الروح: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشارح رحمه الله: «والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تبارك وتعالى أحد الأركان الستة التي يدور عليها فلك الإيمان» -يعني: لا يتم الإيمان إلا به- كما دل عليه حديث جبريل وغيره، وكما دلت عليه الآيات الصريحة من كتاب الله عز وجل. وقد ذكر المؤلف هنا أن الإيمان بالقدر على درجتين، وأن كل منهما تتضمن شيئين، وسيأتي إن شاء الله بيانه. وقوله: «بالقدر خيره وشره»، كما جاءت في النصوص. والشر لا يضاف إلى الله عز وجل وصفًا ولا فعلًا، ولكنه يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أو يضاف إلى الله عز وجل على وجه العموم، كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فيدخل في العموم. أو يضاف إلى الله عز وجل على وجه ليس فيه تسميته، فيكون بذلك الشر بالنسبة للخلق هو شر بحسب علمهم. وأما بالنسبة لله جل وعلا، فإن الله عز وجل له حكمة حتى فيما يظنه الناس شرًا. ولهذا قال بعضهم: هو شر بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة لما خلق الله عز وجل فهو متضمن لمعنى الخير في نفسه أو لغيره. ولهذا أخبر الله عز وجل عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، فقولهم: «أشر أريد» يعني: بحسب علمهم، يظنون أن هذا شر، ولكن لله حكمة فيما يقدره سبحانه وتعالى ويجعله في خلقه جل وعلا. فالحاصل: أن الشر لا يضاف إلى الله عز وجل لا إضافة وصف ولا إضافة فعل، ولكنه يضاف إضافة خلق، مع التنبه أن لله حكمة في ذلك، فهو ليس شرًا محبًا، ولكن بحسب علم الإنسان وما يظهر له. وأما بالنسبة لله عز وجل فله فيه حكمة. قال رحمه الله تعالى: «فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا». وقوله: «القديم» يعني: السابق في علم الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، قال: «الذي هو موصوف به أزلا وأبدا»، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. قال: «ومن ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود أن الملك يسأل الرب سبحانه وتعالى قبل خلق المخلوق في بطن أمه: أذكر أم أنثى؟ فيخبره الرب جل وعلا، وينفخ الروح، فيؤمر بكتب أربع كلمات لا يعلمها الملك، وعلمها الله عز وجل قبل وجودها». وهكذا كذلك كتابة الأشياء على وجه الإجمال، كما في حديث عبد الله بن عمر: «أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». قال: «ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق» -يعني: ما يقدره الله عز وجل على الخلق- ولهذا سمي قضاء وقدرًا، الإيمان بالقضاء والقدر. وهل القضاء غير القدر؟ للعلماء في ذلك كلمات، فمنهم من قال: القضاء هو القدر. ومنهم من قال: القضاء غير القدر، وهذا هو الظاهر؛ لأن الأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فإذا كان بينهما فرق، فما الفرق بينهما؟ قيل: إن القضاء هو ما يقدر قبل وقوعه، والقدر بعد وقوعه. وقيل: إن القدر من التقدير، والقضاء من الحكم. وقيل: أن القضاء والقدر من الألفاظ التي يصح أن يقال فيها: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا انفرد أحدهما دخل فيه الثاني. وإذا أورد معًا كان أحدهما كل منهما يدل على معنى في نفسه. وهذه المعاني الثلاثة كلها تصح، ومن تتبع الأدلة وجدها تدل على مثل ذلك. قال رحمه الله: «فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهذه كتابة مجملة، أمر الله عز وجل بها. وقيل: أنها كتابة مفصلة، ولكن على كلا القولين ليس تفصيلًا يكون كالذي يكون وقت كتابة الأعمال. ولهذا يؤمر بكتاب عمل العاملين كل في وقته: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: «فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف»، كما في حديث ابن عباس. قال: كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا. وقيل: أن هذا في غير اللوح المحفوظ، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، ظاهر بأن الكتابة سبقت الخلق. قال: «فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. ونحو ذلك، ولا تعارض بين الكتابة السابقة والكتابة اللاحقة، فكلها كتابة لها مقصد وحكمة ومقتضى». قال: «فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل». وقوله: «كان ينكره غلاة القدرية قديمًا» -يعني: مثل هذا المبحث ومسألة التقدير الذي قدره الله عز وجل- بل كان في القديم منهم من ينكر العلم. وهؤلاء الذين كفرهم العلماء من أنكروا علم الله سبحانه وتعالى السابق للأشياء؛ لأن هذا شيء دلت عليه الدلة الشرعية على وجه لا يمكن جهله ولا دفعه. فمنكره منكر لمعلوم من الدين بالضرورة، ولهذا كفر العلماء من أنكر العلم. وأما قوله: «ومنكروه اليوم قليل»؛ لأنهم صاروا -أي: المتأخرون منهم- منكرين للمشيئة والخلق، ليس للتقدير والعلم، فأكثر القدرية المتأخرين هم منكرون للمشيئة والخلق. قال الشارح رحمه الله: «فالدرجة الأولى تتضمن أولًا: الإيمان بعلمه القديم المحيط بجميع الأشياء، وأنه تعالى علم بهذا العلم القديم الموصوف به أزلا وأبدا». ولفظ «القديم» كما سبق يريد به: كما عبر شيخ الإسلام: «ما هو ماض وسابق»، ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي بِكِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. قال رحمه الله: «الموصوف به أزلا وأبدا كل ما سيعمله الخلق فيما لا يزال، وعلم به جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، فكل ما يوجد من أعيان وأوصاف ويقع من أفعال وأحداث، فهو مطابق لما علمه الله عز وجل أزلا، وهذا واضح». قال: «ثانيًا: يعني من الإيمان بالقدر الإيمان بالعلم السابق». قال: «ثانيًا: أن الله كتب ذلك كله وسجله في اللوح المحفوظ فيما علم الله كونه ووقوعه من مقادير الخلائق وأصناف الموجودات، وما يتبع ذلك من الأحوال والأوصاف والأفعال» -يعني: لهذه المخلوقات- ودقيق الأمور وجليلها، قد أمر القلم بكتابته. كما قال صلى الله عليه وسلم: «قدر الله مقادير الخلاء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». وكان عرشه على الماء، وهو حديث عبد الله بن عمر المتقدم. وهذه الكتابة كتابة لما علمه الله سبحانه وتعالى من خلقه. قال: «وكما قال في الحديث الذي ذكره المؤلف: إن أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب. قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهذا واضح، فهناك علم سابق للأشياء قبل وقوعها، علم الله عز وجل ما يكون يوم يكون، كيف يكون، وعلم الله عز وجل كذلك بأحوال ذلك الذي سيكون في خلقه نفيًا وإثباتًا على وجه التفصيل. وكذلك دقيق الأمور وجليلها، وهكذا علم، ثم قدر مقادير الخلائق، فالمخلوقات قدر لها ما قدر مما يكون لها. وهكذا كذلك أمر بعد ذلك بكتابة ذلك الذي علمه وقدره سبحانه وتعالى. قال: «وأول هنا بالنصب على الظرفية، والعامل فيه: قال» -أي: قال له ذلك- «أول ما خلقه». وقد روي بالرفع على أنه مبتدأ وخبره «القلم» -يعني: أن أول مبتدأ وخبره القلم- وهذا مع وجود إنه ليس بفصيح: «إن أول ما خلق الله القلم» يريد أن أول خلق الله القلم. وعلى كل المعنيين: هل يدل هذا على أنها أولية مطلقة؟ الصحيح: لا. الصحيح: لا، كما سيأتي: أن العرش قبل القلم في الخلق. وأما ما ورد من حديث فيه صراحة بيان هذه الأولية، فإنه لا يصح، كما ذكر الحافظ ابن حجر. حديث: «إن أول شيء خلقه الله القلم» روي عن ابن عباس، ومعناه عن عبادة، لكن الصريح عن ابن عباس وهو ضعيف. وأما ما جاء عن عبادة وصححه العلامة الألباني في «السنة» لابن أبي عاصم: «الصحيحة» فهو بمعنى هذا الحديث الذي بين أيدينا. قال: «ولهذا اختلف العلماء في العرش والقلم: أيهما خلق أولًا؟» -يعني: بحسب علمهم بما وردت من أدلة- فبعضهم قال: العرش أول ما خلق. وبعضهم قال: القلم أول ما خلق. قال: «وحكى العلامة ابن القيم في ذلك قولين، واختار أن العرش مخلوق قبل القلم لأدلة كثيرة، منها ما في القرآن، ومنها ما في السنة». فإن الله عز وجل ذكر أنه استوى على العرش، فاستواءه على العرش كان قبل هذا التقدير، ويدل عليه صريحًا أحاديث كثيرة في السنة. كحديث أبي هريرة: «أقبل البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم». وفي آخره قال: «كان الله عز وجل ولم يكن شيء قبله». وفي رواية: «ومعه». «وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء». فبين أنه كان العرش قبل الكتابة. والحديث في البخاري وغيره. وهكذا كذلك حديث عمران بن حصين، وفيه: «أنه كل شيء تم خلق السماوات...» إلى أن ذكر معنى حديث أبي هريرة المتقدم. وحديث عبد الله بن عمر المتقدم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». والتقدير قبل الكتابة. وهكذا كذلك ما في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «لما قضى الله الخلق، كتب كتابه، فهو عنده فوق العرش». قوله: «فوق العرش عنده فوق العرش» دل أن العرش قبل الكتابة: «إن رحمتي سبقت غضبي». قال رحمه الله: «واختار أن العرش مخلوق قبل القلم» -يعني: ابن القيم- وهو قول جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام، شيخه. وحكاه عن قول أكثر السلف والخلف. وحكي أن القلم خلق أولًا، ذكر ذلك ابن جرير وأثر عن ابن الجوزي، وهو أحد ما يفهم من قولي ابن كثير، وليس بصريح. وأكثر الأدلة يدل على خلاف ذلك. قال ابن القيم رحمه الله في نونيته: «وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ الْقَضَاءَ بِهِ مِنَ الدِّيَانِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ قَوْلَانِ عِنْدَ أَبْلَ عَلَى الْهُمْدَانِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانِ» قال: «وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زمان» -يعني: أن الكتابة تعقبت ذلك- كما جاء في حديث أبي موسى، وحديث عمران المتقدم. قال: «وإذا كان القلم قد جرى بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، بكل ما يقع من كائنات وأحداث، فهو مطابق لما كتب فيه، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه»، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وهذا التقدير التابع للعلم القديم ثارة يكون جملة، كما في اللوح المحفوظ، فإنه فيه مقادير كل شيء. وقد مر معنا أن هذا فيه خلاف، فمنهم من قال: مفصلًا. ومنهم من قال: مجملًا. ولكن الخلاف الذي لا يجوز هو نفي هذا التقدير جملة وتفصيلًا، هذا هو البدعة. وأما الخلاف في هذا التقدير: هل هو مجمل أو مفصل؟ فهذا واسع؛ لأن الأدلة ليست صريحة في ذلك. قال: «ويكون في مواضع تفصيلًا يخص كل فرد، كما في الكلمات الأربع التي أمر الملك بكتابتها عند نفخ الروح في الجنين: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد»، كما في حديث ابن مسعود المتقدم. قال: «فهذا تقدير خاص». وهذا التقدير السابق على وجود الأشياء قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا. ومر معنا أن هؤلاء انقرضوا، كما ذكر الشيخ عبد الرحمن وناصر السعدي رحمه الله في بعض كتبه، نقلًا عن شيخ الإسلام وغيره: أنهم انقرضوا. وهكذا نقل نحو ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح، نقلًا عن القرطبي، ونحوهما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في عدد من كتبه. لكن لا يعني ذلك أنه لا يقول به قائل، فقد يقول به قائل. فإن قيل: فهذا حكمه عند أهل السنة؟ قال رحمه الله: «مثل معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وكانوا يقولون: إن الأمر أنف». ومنكر هذه الدرجة من القدر كافر. هكذا نص الحكم على تكفيرهم عدد من الأئمة، كما نقله ابن رجب رحمه الله تعالى في «جامع العلوم والحكم» عن الإمام أحمد والشافعي رحمهم الله في شرح حديث عمر. وهكذا نقل نحوه الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث عن الإمام الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم. ونحوهم نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عدد من الأئمة. وقال: «بل وجماعة من الصحابة والتابعين، كابن عمر وابن عباس وجابر وواثلة بن الأسقع وغيرهم». وحديث ابن عمر في صحيح مسلم: «أنهم بريئون منه، وبريء منهم» إلى آخر ما ذكر في الحديث. وهذا يدل على تكفيرهم؛ لأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. وأعظم من هذا ما ينكره بعض المعتزلة قديمًا من إنكارهم للعلم والكتابة. طيب، والله تعالى أعلم.