كتاب البيع 11

كتاب البيع 11

الدرس في كتاب البيع 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيعتان في بيعة والشروط في البيع

شرح مفهوم 'بيعتان في بيعة' والشروط في البيع، موضحا أن النهي ليس عن كثرة البيوع أو الشروط، بل عن تلك التي تنافي العقد أو تحتوي على حيلة للربا أو غرر. وأوضح أن بيع التقسيط لا يدخل في هذا النهي إذا كان البائع يملك السلعة.

أنواع الخيار في البيع والشراء

يشرح أنواع الخيار في البيع مثل خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الغبن أو الغش، ويبين أحكام كل نوع وشروطه. كما يناقش أقسام الخيار في المعاملات المالية.

ضوابط صرف العملة والمعاملات المالية عبر الإنترنت

يناقش جواز البيع عبر الإنترنت أو الهاتف وفق شروط معينة، ويحذر من صرف العملة عبر الإنترنت لعدم التقابض، مشيرا إلى أن كل ما خالف الشرع لا يجوز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: في سياق كذلك ما لا يجوز، أن نهي عن بيعتان في بيعة، ولعله مر الإشارة إليه خفيفا، إشارة خفيفة إلى أن المقصود به هو ما كان فيه حيلة كذلك على الربا، فهو بمعنى شرطان في بيع. فليس مطلق الشروط منهي عنه، ولكن الشروط التي لا تجوز، وهي أحد ثلاثة. ما هي هذه الثلاثة؟ الشروط التي لا تجوز أحد ثلاثة. ما هي هذه الثلاثة؟ أتدرون؟ ما ينافي العقد، عقد البيع. الثاني: ما فيه حيلة على الربا. الثالث: ما فيه غرر وجهالة. فإذا كان لا يوجد شيء من هذه الثلاثة أو ما في معناها، فهي شروط صحيحة، ولو مئة شرط، ولو مئة شرط. وما هو الدليل على جواز الشروط؟ الدليل أدل كثيرة، منها حديث عائشة: «من اشترط شرطا ليس بكتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». أفاد أن الشروط التي ليست بكتاب الله باطلة ولو كثرت. ومفهوم المخالفة أن الشروط التي لا تخالف كتاب الله فهي صحيحة مقبولة، ولو كانت ماذا؟ كثيرة، ولو كانت كثيرة. فقول من قال من أهل العلم أن المنهي: شرطان، والجائز: شرط واحد، باعتبار العدد، هذا خطأ، ليس بصواب. فليس المنهي هو كثرة الشروط، ولكن المنهي هو ما كان من الشروط منافيا للشرع أو لعقد البيع. فكذلك بيعتان ببيعة، ليس المقصود هو عدم جواز وقوع أكثر من بيع، ولكن المقصود هو وقوع أكثر من بيع على وصف منهي عنه. ولهذا جاء في الحديث، وفي لفظ آخر: لفظ أبي داود، كما أشار المؤلف: «من باع بيعتين في بيع فله أوكسهما أو الربا». والمعنى أنه ليس له أن يحتال على الحرام، ليس له أن يحتال على الحرام. فلا يجوز مثل هذا النوع من البيع. ومن صوره وكيفياته ما سبق في «شرطين في بيعه» أو في بيعه، مثل: مثلا كما سبق معنا أن يقول: هذه السلعة بعشرة آلاف، فإذا لم تسدد لستة أشهر، فأنا أبيعها بالآجل بخمسة عشر ألفا. فإذا ستكون أنت من أهل الآجل، فعليك بخمسة عشر ألفا. هذا الآن بيعتان في بيعة، جعل لك بيع، وفي نفس الوقت بيع آخر، مع أن البيع تم في أول الأمر على وصف، وهو سيحوله إذا تأخر السداد إلى وصف آخر. هذا لا يجوز؛ لأنه فيه معنى الربا. وليس منه أن يقول: خذه الآن بعشرة آلاف، أو آجل لستة أشهر، الآن تأخذه وهو آجل لستة أشهر بخمسة عشر ألفا، أو بإحدى عشر ألفا، أو نحو ذلك. هذا ليس من هذا الباب، ليس من «بيعتين في بيعة»، ولا «شرطان في بيع». تأملوا هذا وتدبروه، وتعرفوا به خطأ من ظن أن بيع التقسيط يدخل في هذا النهي. والصحيح أن بيع التقسيط لا يدخل في هذا النهي. لكن بيع التقسيط بالزيادة هو خلاف الرفق الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم. ومع ذلك فلا نستطيع أن نجزم أن نقول: أنه حرام. ولكن نقول: الأفضل تركه، والأحوط تركه. وإن احتاجه الإنسان، فالصحيح أنه لا يحرم، هو قول جمهور أهل العلم، ما دام أن البائع يملك السلعة. وانتبه من عقود المرابحة التي ظاهرها البيع ببيع التقسيط، وحقيقتها الاستفادة من الديون؛ لأنهم لا يملكون السلعة. وهكذا كذلك ما ذكره من بيع ما لم يضمن، أو الربح مما لم يضمن، فيدخل فيما سبق في الحديث حديث عبد الله بن عمر، ومر معنا تفسيره وبيانه، وأنه يشمل كل ما ليس بمضمون، مما لم يملك أو لم يقبض، أو هو بمعنى المجهول، فهو بيع غرر لا يجوز. وهكذا قوله: أن نهي عن بيع ما ليس عندك، كذلك أن نهي عن ما لا يملكه الإنسان، أو ما لم يحضر عنده. وهل هذا في الطعام؟ كما مر معنا، الصحيح أن الطعام أشد ما ينهى عنه. وما سوى الطعام كذلك يدخل فيه؛ لأنه فيه معنى الغرر. فيه معنى الغرر. فإن زال معنى الغرر فلا بأس، مثل أن يبيع بالعربون لشيء له نظير. ومثل يقول: أريد مثل هذا القلم، عندك قلم؟ قال: ما عندي، لكن أنا أبيع من هذا، تريدني أحضره لك؟ أدفع عربون، ونرسل لك بالقلم، فهذا لا بأس به. هذا لا بأس به. وأما ما كان فيه معنى الجهالة والغرر فلا يجوز، يقول: تأتيني سلعة من بلد الفلاني، تشتريها مني بكذا وكذا؟ يقول: نعم، فيشتريها وهي لم تحضر، هذا لا يجوز. أما يشتري شيئا بوصفه المعروف ولو لم يره، يجوز. وهكذا كذلك قوله رحمه الله: في الاشتراط عند الخداع. قال رحمه الله تعالى: ويجوز شرط عدم الخداع، والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرق. يريد رحمه الله أن يقول: وقد ختم به هذا الفصل والباب، هو أنه يجوز الاشتراط بعدم الخداع، وهذا نوع من أنواع الخيار. فقد ذكر العلماء أنواعا للخيار، من هذا الخيار: خيار المجلس، وهو أول أنواع الخيار، كما جاء فيما أشار إليه في حديث حكيم بن حزام في الصحيحين: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وفي رواية حديث ابن عمر في البخاري: «ما لم يرد أحدهما»، يعني: يتنازل أحدهما عن حقه. يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، أو يتنازل أحدهما عن حقه، يعني: ولو لم يتفرقا، يقول باللسان: خلاص، قد وجب البيع، انتهينا. فهذا الخيار يسمى خيار المجلس. وفائدته: أن البائع والمشتري في مدة الخيار، لكل واحد منهما أن يتراجع عن البيع. فإذا تراجع عن البيع، وجب على الثاني أن يرد السلعة، وذاك يرد المال. وهكذا كذلك من فائدته: عدم انتفاع كلا الطرفين من المقبوض، البائع قبض المال، والمشتري قبض السلعة، فلا يجوز للبائع أن يتصرف في المال، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف في السلعة، ما دام أن هناك خيار، هو خيار المجلس، حتى يتفرق. وهكذا في كل خيار، فمن أنواع الخيار كذلك خيار الشرط، يقول مثلا: بيننا شرط، نجرب هذه السلعة ثلاثة أيام، فيقبل البائع. أو يقول مشتري السيارة: أجربها شهرا، فيقبل البائع. إذن لا يجوز للبائع أن يحرك المال ويتلفه أو يبيع ويشتري به، فيذهب مال الرجل. كما لا يجوز كذلك للمشتري أن يبيع السيارة أو غير ذلك حتى ينتهي أو تنتهي مدة الخيار. وهذا نوع آخر من خيار يسمى خيار الشرط، أن يقول: أشترط عليك مثلا مدة ثلاثة أيام، أو يقول: أشترط عليك كما في حديث جابر بن عبد الله: أن أصل بسيارتي إلى بيتي. ففي حديث جابر بن عبد الله: اشترط حمله إلى المدينة، يعني: باع الجمل واشترط أن يركبه حتى يصل إلى بيته، فهذا جائز. خيار الشرط جائز، ما لم يكن الشرط فيه مخالفة للشرع، أو منافيا للعقد، أو كذلك يكون فيه معنى من معاني الغرر والجهالة أو الربا أو غير ذلك. طيب وهكذا أشار رحمه الله بقوله: يجوز له أن يشترط عدم الخداع، إلى أن البيع إذا وقع فيه نوع من الخداع، فهو نوع آخر من الخيار، وهو ما يسمى بشرط الغبن أو الغش. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصر الغنم»، وفي رواية ذكر غير الغنم. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فعل ذلك فعليه أن يردها، وصاع من تمر. الشاهد: أنه إذا ردها، وعلم بأن هذه مصرة، يعني: حبس اللبن فيها مخادعة، ليس هذا لبنها الحقيقي. أحيانا يشتري الإنسان الشاة يريد اللبن، وكان الأولون ليس مثل حالنا اليوم، عندهم حليب إن تريد مبرد وإن تريد طازج وإن تريد معلب وإن تريد ما تريد، لا، كان عندهم اللبن يؤخذ من ماذا؟ من بهيمة الأنعام: غنم وبقر وإبل. فلذلك ربما يتعنى الواحد يشتري ويريد بذلك الضرع، فماذا يفعل بعض الناس؟ يغش، يحبس الضرع ثلاثة أيام، فيصير الضرع ما شاء الله، يكاد ينفلق من شدة من كثرة ما فيه، فيظن أن ضرعها على هذا الحال كل يوم. فإذا حلبها الشاة أو البقرة، إذا بالضرع هزيل. فإذا كان كذلك، وكانت على هذا الوصف، يجوز له أن يردها. ما هو الذي أجاز له؟ مع أن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا؟ قد تفرقا. وإذا تفرقا فقد تم البيع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فقد وجب البيع، يعني: تم، انقطع البيع، خلاص. هذا نوع آخر من الخيار يسمى خيار الغبن أو الغش. فإذا وقع غبن أو غش أو خداع، فإنه يجب إرجاع السلعة إذا طلب المشتري إرجاعها، أو أن يعطى الفارق، وهو ما يكون بين سعر الشيء تاما وناقصا. مثلا: الشاة التي ضرعها كامل تباع بثلاثين ألفا، مثلا، فتبين أن ضرعها ليس كذلك، ما عندها لبن، مثلها يباع بعشرين ألفا، إذن على البائع أن يرد للمشتري عشرة آلاف، أو إذا لم يرض أن يرد الشاة ويرد له كل المال: ثلاثين ألفا. واضح. وهذا النوع من الخيار يسمى خيار الغبن والغش. ومثله بيع المزابنة، ومنه تلقي الركبان، ومنه أنواع من البيوع التي مرت معنا. فنستفيد من هذا أن الخيار ينقسم إلى قسمين: خيار يكون بالنص، وخيار يكون يعني بالتنصيص. وخيار يرجع فيه إلى العرف. وقد دل الدليل على اعتبار النوعين من الخيار. إما ما نص عليه الشرع، مثل خيار المجلس. وخيار المجلس يختلف بحسب عرف الناس. قد يكون المجلس مستمرا، فيكون الانتقال من بيعه إلى بيعه انتهاء لهذا الخيار، مثل أسواق الجملة: من حراج الخضرة، وحراج السمك، وحراج بهيمة الأنعام من الغنم وغيرها. يأتي سيارة خضرة، ويتبايعون: بكم؟ بكم؟ بكذا، بكذا، حتى تشترى والخضرة موجودة، والبائع موجود، والمشتري موجود، ما زالوا في المجلس. جاءت خضرة جديدة بعدها، ودخلوا في بيع المزايد فيها: من يزيد؟ من يزيد؟ من يزيد؟ إلى أن دخلوا في البيعة الثانية. ففي عرف أكثر الناس: أن انتقال البائع والمشتري من بيعة إلى بيعة إقرار بالبيعة الأولى، وقطع للخيار. لا يجوز بعد بيعة ثانية أو ثالثة يقول: أنا تراجعت عن البيعة. «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، وقد تفرق، ولو لم تتفرق الأجساد، ولو لم تتفرق الأجساد. وكذلك قد يكون العكس: قد تتفرق الأجساد، ولكن العرف يقضي بأن البيع ما زال قائما، مثل ماذا؟ مثل أن يبيع إنسان شيئا في محل واسع كبير، ولم يخرج من هذا المكان، لم يخرج من هذا المكان. ففي عرف الناس: أن من لم يخرج يجوز له أن يرد البضاعة والسلعة. فهذا كذلك يرجع فيه إلى العرف. فإذا كان كذلك، فإذن أفادنا المؤلف رحمه الله إلى أن الخيار: منه ما يكون بما نص عليه، سواء بما جاء في الشرع، أو يتعاقد عليه البائع والمشتري. خيار الشرط. ومنه ما يرجع فيه إلى العرف، يعني: أن هذا يحتاج إلى ماذا؟ إلى خيار، مثل الغش بأنواعه، والغبن، والغرر، ونحو ذلك. ومنه أنواع البيوع التي سمعناها. وأشار رحمه الله إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام في قول الرجل الذي كان يخدع، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: «لا خلابة». من بايعت؟ فقل: لا خلابة. وما فائدة أمر النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل أن يقول ذلك؟ فائدته: تأكيد خيار الغش والغبن، يعني: إذا قال الرجل: أشتري منك هذا بشرط ألا يكون فيه غش، معناه: إذا وجد فيه شيء من الغش، سواء من البائع أو من من قبله، فالبيع ليس للمشتري، البيع ليس للمشتري. فهو تأكيد لخيار الغبن أو خيار الغش ألا يقع. فإذا وقع، معناه: أن بضاعته سترجع، أو يدفع الفارق. هذا فائدته. وإن لم يتلفظ، هل ليس له ذلك؟ الصحيح: أنه لا له ذلك، ولو لم يتلفظ. ويدل عليه حديث المصراة. وهكذا كذلك: أنهي عن تلقي الجلب. فقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا جاء إلى السوق، فهو بالخيار: إما أن يمضي البيع، وإما أن يرجع، إذا حصل له غش. طيب هل في شيء في هذا؟ هذا سائل يقول: هل يجوز البيع عن طريق الإنترنت أو عبر الهاتف؟ وكيف يكون فيه الضمان والتقابض؟ ما هي الطريقة الصحيحة في مثل هذا البيع؟ هذا يرجع فيه إلى عرف أهل هذا الشأن. فكما قلنا: أن العرف وصف يجيز الشرع لحالة إليه بما لا يخالف الشرع. فالبيع بالإنترنت مثلا عبر الشبكة، أو البيع عبر الهاتف جائز، بشروط بشروط البيع، وبأوصاف البيع الصحيح. وقد يتساهل ببعض الشروط، لكن هذا التساهل لا يعني الوقوع في الحرام. مثلا: أنت تشتري شيئا بالإنترنت، قد تشتريه بدفع المال بالصراف، ولكن احذر أن تتعامل بأنواع من الكروت التي فيها شيء من الربا، مثل بعض بطائق الائتمان. يجوز أن تدفع المال وتأتي للسلعة بعد أسبوع، ما في شيء. ويجوز أن تشتري السلعة وأنت لم ترها بعينك، لكن قرأت أوصافها ورأيت صورتها، يجوز أن تفعل ذلك، فهذا نوع من العلم، ونحو ذلك. لكن لا يجوز أن تشتري الذهب بالمال بواسطة الإنترنت؛ لماذا؟ لأن هذا يشترط فيه التقابض، هذا يشترط فيه التقابض. لا يجوز أن تصرف العملة عبر الإنترنت كذلك، مثلا صرف العملات؛ لأن هذا يشترط فيه التقابض. وهكذا قل في كل شيء خالف الشرع لا يجوز. وهكذا عبر الهاتف كذلك بهذا المعنى. طيب لهنا والله تعالى أعلم.