الدرس في كتاب الجنائز 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن إتباع الميت بصوت أو نار، ويبين معنى النهي عن إتباع الجنازة بالنار وتفسير العلماء لتعذيب الميت بسبب النياحة عليه. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتباع الجنازة بالنار والصوت، والصوت يشمل النياحة وغيرها من الأصوات.
النياحة والذكر أثناء حمل الجنازة محرمة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالقيام للجنازة ثم نسخ هذا الحكم وأمر بالجلوس، والصحيح أن القيام للجنازة منسوخ.
المقطع يناقش مسألة عدم الجلوس حتى توضع المائدة، ويذكر أن الأصل بقاء النهي حتى يأتي دليل على نسخه، ويؤيد رأي المؤلف بعدم نسخه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، مر معنا في الدرس الماضي في كلام الإمام الشوكاني، رحمه الله تعالى، ما ذكره عن كراهة الركوب، وحرمة النعي والنياحة، وإتباعها بالنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور. وأخذنا تقريبًا هذه المسائل جميعًا إلا إتباعها بالنار. وننبه لمعنى النعي، وما ورد من أحاديث في أن الميت يعذب، كما مرت معنا الأحاديث: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه». أنه فسر بأحد تفسيرين: فسر بأنه يسمع ذا تلك النياحة فيحزن ويتألم ويتعذب بحزنه وتألمه، والتفسير الثاني: أنه يعذب تعذيبًا حقيقيًا؛ بما كان من إقراره مع علمه أن من يكون بعده ينوح عليه، فلم ينههم عن ذلك، ولم يعلمهم ويرشدهم، فلأجل تفريطه يعذب، أو أنه أوصى بهذه النياحة، فإنه كذلك يعذب؛ لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، ولقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فهذا هو خلاصة ما ذكره العلماء في شرح أو في تفسير معنى التعذيب في هذا الموضع. وأما قوله، رحمه الله تعالى: «وإتباعها بالنار»، يعني ويحرم كذلك إتباعها بالنار؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه المسألة الثامنة، لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث جابر بن عبد الله، أنه نهى -أي النبي عليه الصلاة والسلام- أن يتبع الميت بصوت أو نار. والحديث حسنه الشيخ العلامة الألباني، رحمه الله، وقد رواه أحمد وابن ماجة: «نهى أن يتبع الميت بصوت أو نار». أما النار فمعلومة، سواء أكانت النار شعلة أو كانت النار كذلك مجمرة، فكل ذلك مما نهي عنه. وقد صح كذلك بصحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتبع الجنازة نائحة ولا تتبع بنار كذلك». وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: «أن الجنازة لا تتبع بمجمرة ولا نار». وجاء عدد من السلف أن النهي عن ذلك، فعن سعيد بن جبير: «أنه رأى جنازة وقد أتبعت بمجمرة، فنهى عن ذلك». وأخبر ونقل عن عبد الله بن عباس: «أنه نهي عن ذلك». والأدلة في هذا كثيرة. وهنا معنى آخر في حديث جابر بن عبد الله، وهكذا كذلك في حديث أبي هريرة، في رواية فيه: «أنه نهى أن تتبع الجنازة مجمرة ولا نار ولا صوت». والصوت المراد به ما هو أعم من صوت النياحة، فقد فسره كثير من أهل العلم بصوت النياحة؛ يعني البكاء والدعاء بالويل والثبور ودعوة الجاهلية وما كان بمعناه. والظاهر -والله أعلم- أنها نكرة في سياق الإثبات؛ فتفيد الإطلاق، نكرة في سياق الإثبات؛ فتفيد الإطلاق أو في سياق النفي كما في حديث أبي هريرة؛ فتفيد العموم. وكلاهما فيه معنى من معاني العموم؛ إما العموم الشمولي أو البدلي، فيكون بذلك أعم من النياحة والدعاء بدعوة الجاهلية. فمنه استدل جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ العلامة الألباني، رحمه الله، على أنه ينهى عن اتباع الجنائز بالذكر؛ مثل قول بعض الناس: «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله»، ونحوه من الأذكار التي تتبع بها الجنائز. فهذه من الأذكار التي لا تجوز؛ لأنها من الصوت المنهي عنه في هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، زيادة على أنها بدعة لم تفعل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد وجد سببها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، «من أحدث بأمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». والأدلة في هذا المعنى كثيرة تؤكد وتؤيد هذا العموم. فإذن لا يجوز أن تتبع الجنائز بنار ولا بصوت، والصوت أعم من النياحة. النياحة محرمة، وكذلك الذكر الجماعي أو الذكر المفرد أو حتى الدعاء أو الاستغفار في أثناء حمل الجنازة ونقلها. أما بعد دفنها، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «استغفروا لصاحبكم فإنه الآن يسأل». قال رحمه الله تعالى: «ولا يقعد المتبع لها حتى توضع». ودليل ذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى في شرحه: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع». والحديث في الصحيحين، والحديث أبي سعيد. وجاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث أفاد أمرين اثنين: الأمر الأول: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها»، القيام للجنازة. والأمر الثاني: «فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع». وهذا ما أشار إليه رحمه الله تعالى بقوله: «ولا يقعد المتبع لها حتى توضع». والقيام لها منسوخ، فالأول منسوخ، وهو القيام لها، والثاني وهو أن لا يجلس حتى توضع ليس بمنسوخ. أما دليل النسخ، فما أشار إليه من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود، وجاء بلفظ عند مالك والطحاوي. فقد أشار في لفظ أحمد الذي أشار إليه بشرحه، رحمه الله، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس». وهكذا كذلك فيما جاء في اللفظ الآخر: «كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعده». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي صحيحة. فهي تدل على أن القيام للجنائز منسوخ، كما ذكر رحمه الله تعالى، فهو صريح بأن آخر الأمرين من أمر الرسول عليه الصلاة والسلام الجلوس وعدم القيام. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من قال بالنسخ، ومنهم من لم يقل بالنسخ، ومنهم من ذهب إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يجوز هذا ويجوز هذا؛ أن آخر الأمرين عن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز هذا ويجوز هذا. والصحيح -والله تعالى أعلم- هذا؛ أي النسخ، وهذا الذي فهمه أكثر الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وأما مسألة عدم الجلوس حتى توضع، فهو باقٍ، والأصل بقاء هذا النهي حتى يأتي دليل يدل على نسخه، ولم يأت دليل يدل على نسخه؛ فيبقى على الأصل. وذهب بعض أهل العلم كذلك إلى نسخه بما سمعنا من الحديث: حديث علي. والصواب -والله تعالى أعلم- ما ذكره المؤلف، رحمه الله تعالى. طيب، في شيء بهذا نكتبه بهذا القدر، والله تعالى أعلم.