شرح العقيدة الواسطية للهراس 107

شرح العقيدة الواسطية للهراس 107

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 107، الدرس السابع بعد المائة:( والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم ... لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه فولاهم ما تولوا لأنفسهم اهـ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

توضيح العلاقة بين أفعال العباد ومشيئة الله

يشرح العلاقة بين أفعال العباد ومشيئة الله تعالى، حيث يؤكد أن العباد فاعلون حقيقة لأفعالهم بإرادتهم وقدرتهم. يبين أن هناك توافقا بين إثبات أفعال العباد وإثبات مشيئة الله تعالى دون تناقض.

علاقة أفعال العباد بقدرتهم وإرادتهم ومشيئة الله تعالى

أفعال العباد هي خلق لله تعالى وفي نفس الوقت كسب للعبد، قدرة العبد وإرادته هي سبب لوجود الفعل. الله هو الخالق الحقيقي، العبد فاعل حقيقة ولكن أفعاله مخلوقة لله تعالى.

الاستطاعة والكسب عند الأشاعرة وأهل السنة والختام

يتناول آراء الأشاعرة في مفهوم الكسب والاستطاعة ويبين بطلان قولهم، بينما يشرح مذهب أهل السنة في إثبات الاستطاعة قبل الفعل. ثم يختم بالصلاة على النبي بعد الاعتذار عن الإطالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والعباد فاعلون حقيقة، والله خلق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال الشارح رحمه الله: وكذلك لا منافات بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء وبين كون العبد فاعلا لفعله، فالعبد هو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، والله خالقه وخالق فعله؛ لأنه هو الذي خلق فيه القدرة والإرادة التي به ما يفعله. قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي -غفر الله له وأجزل مثوبته-: إن العبد إذا صلى وصام وفعل الخير أو عمل شيئا من المعاصي، كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح وذلك العمل السيء، وفعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره، وهو يحس ضرورة أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل. وكان هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه بكتابه، ونص عليه رسوله، حيث أضاف الأعمال صالحها وسيئها إلى العباد، وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم ممدوحون عليها إن كانت صالحة ومثابون، وملومون عليها إن كانت سيئة ومعاقبون عليها. فقد تبين بلا ريب أنها واقعة منهم باختيارهم، وأنهم إذا شاءوا فعلوا وإذا شاءوا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلا وحسا وشرعا ومشاهدة. فالعباد في الحقيقة هم يفعلون هذه الأفعال باختيارهم، كما أخبر الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. ومع ذلك فهذا الفعل في الحقيقة الذي صدر منهم لا يخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى التي شاءها وقدرها، وهذه المشيئة التي شاءها والتقدير الذي قدره ليس هو بمجبر للعبد حتى يدعي العبد أنه مجبر على فعله. بل إنه لكمال ربوبيته سبحانه وتعالى ونهول قدرته في خلقه، فإنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد ويشاء سبحانه وتعالى. ولا تلازم بين إثبات هذه المشيئة أن تنفى المشيئة عن العبد، بل المشيئة ثابتة للعبد، وهي تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. ففعل العبد هو خلق لله سبحانه وتعالى، وهو في نفس الوقت كسب لهذا العبد، فتأثير قدرة العبد للفعل هي أنها سبب وواسطة، والله عز وجل خلق هذا الفعل بهذه القدرة، كما قال ابن القيم: كالماء للنبات، فالماء ينبت النبات ويكون به، ولكن هل الماء الذي يخلق النبات؟ الجواب: لا، الماء سبب والخالق هو الله سبحانه وتعالى. وكذلك أفعال العباد، فإن العبد يفعل الفعل وجعل الله عز وجل قدرته وكسبه سببا، والله عز وجل هو الخالق لهذه الأفعال. ولهذا لما كان هذا المبحث فيه هذين الأمرين أو فيه هذان الأمران، كان تنازع الجبرية والقدرية في هذا الباب، فالقدرية أثبتوا إرادة واحدة -أي القدرية النفاة- وهي الإرادة الشرعية، ونفوا الإرادة الكونية القدرية. والجبرية على العكس أثبتوا هذه الإرادة القدرية الكونية ونفوا الإرادة الشرعية، ولهذا حصل لهم الضلال في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: ومع ذلك إذا أردت أن تعرف أنها وإن كانت كذلك واقع منهم كيف تكون داخل في القدر وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال: بأي شيء وقعت هذه الأعمال الصادرة من العباد خيرها وشرها؟ فيقال: بقدرتهم وإرادتهم، هذا يعترف به كل أحد. فيقال: ومن خلق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم؟ فالجواب الذي يعترف به كل أحد أن الله هو الذي خلق قدرتهم وإرادتهم، والذي خلق ما به تقع الأفعال هو الخالق للأفعال. وهذا تقريب للجواب وليس هو حصر، وإلا فالله عز وجل خالق للأفعال وللقدرة والإرادة، فالعباد فاعلون حقيقة، وأفعالهم وإراداتهم وقدراتهم مخلوقة لله سبحانه وتعالى. كما مر معنى في ما أشار إليه شيخ الإسلام، وأكد ذلك ابن القيم بأن هذا كالماء للنبات، فإن العبد فاعل حقيقة، ولكن هو لا يخلق فعل نفسه، بل الله عز وجل هو الخالق، وإنما هو سبب. فالله عز وجل جعل فعله سببا لوجود، أو جعل قدرته سببا لوجود فعله، وهو لم يخلق فعله بل الله عز وجل خلقه، وقدرته وإرادته وفعله كذلك، فالجميع مخلوق لله عز وجل. قال: فهذا هو الذي يحل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل بقلبه اجتماع القدر والقضاء والاختيار، يعني لا منافاة ولا تعارض بين القضاء والقدر والاختيار. فللعبد استطاعة حقيقية هو يملكها، ولكنها لا تخرج هذه الاستطاعة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى. والناس في الاستطاعة على مذاهب، فذهبت الجهمية إلى أنه ليس للعبد استطاعة لا قبل الفعل ولا مع الفعل، وأن قدرته واستطاعته إنما هي مجازية شكلية، وهذا باطل. وذهبت المعتزلة إلى أن للعبد استطاعة قبل الفعل وله قدر عليها وعلى ضدها، وهذا من غلوهم في إثبات الإرادة الشرعية ونفي الإرادة الكونية، وهو باطل كذلك. وذهبت الأشاعرة إلى أن للعبد استطاعة مع الفعل لا تتقدم ولا تتأخر، وهي من الله، وفعل الإنسان كسب، هكذا زعموا، وهذا باطل كذلك. وحقيقة كسب الأشعري هو كما قال بعض أهل العلم: من المحالات التي تقال ولا يوجد لها في الوجود أثرا، فكسب الأشعري هي تبع وثمر للخلاف في أفعال العباد والاستطاعة. ومرادهم بالكسب مقارنة الفعل للإرادة والقدرة من دون أن يكون هناك تأثير لوجود الفعل سوى كونه محلا له، فلذلك يقولون: إن كسر الزجاج عند الحجر، ولا يقولون: إن كسر الزجاج بالحجر. فزعموا أن الانكسار وقع عنده لا به، وزعموا أنهم لو أثبتوا انكساره به لكان هذا شركا، وهو في الحقيقة جهل بالشرع والعقل. ولهذا صار قولهم بالكسب مع مخالفته للشرع هو مخالف للعقل، وصاروا كذلك في تفسير هذا الكسب هم مختلفون، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة من كتبه إلى اختلافهم في ذلك على ثلاثة أقوال. وأما أهل السنة والجماعة، ففي باب الاستطاعة يثبتون استطاعة للعبد قبل الفعل، وهذا هو مناط الأمر والنهي، وعليه الثواب والعقاب، فإذا انتفت انتفى الثواب والعقاب. هذه الاستطاعة التي قبل الفعل هو اختيار العبد، به يحسن وبها يسيء، فإن أحسن أثيب، وإن أساء كان تحت المشيئة، إن شاء الله عاقبه وإن شاء عفا عنه. وأثبتوا كذلك استطاعة مع الفعل، وهي تقابل الإرادة الكونية، فمن نفيت عنه لا يوفق لها، ومثل له بقول الخضر: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وهكذا كذلك بقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. أي بسبب الموانع، فهي نفيت عن التارك، فمثل هذه الاستطاعة ليست يمناط الثواب والعقاب، لكن مناط الثواب والعقاب والاستطاعة التي تكون قبل الفعل، التي تكون قبل الفعل. فالتي قبل الفعل هي التي يفعلها الإنسان بالإرادة، والتي تكون مقترنة للفعل هي التي لا تكون بالإرادة. قال رحمه الله تعالى: فهذا هو الذي يحل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل بقلبه اجتماع القدر والقضاء والاختيار. ومع ذلك فهو تعالى أمد المؤمنين بأسباب وألطاف وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أما من كان من أهل السعادة فسيسر لعمل أهل السعادة». وهو يشير إلى حديث علي في البخاري ومسلم، وله ألفاظ كثيرة، فهذا الحديث يدل أن الله عز وجل يسر لعمل أهل السعادة طريق أهل السعادة بما كان من عملهم. قال: وكذلك خذل الفاسقين، ووكلهم إلى أنفسهم؛ لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه، فولاهم ما تولوا لأنفسهم. انتهى كلامه رحمه الله -يعني فيما نقله من كلام الشيخ السعدي رحمه الله-. طيب نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت؛ لأن الأخوة اشتكوا من الطول بسبب الدروس التي تكون بعد ذلك ووقت العشاء، فإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله الصحابة وسلم.