الدرس في كتاب النكاح 8، فصل في الأنكحة المحرمة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نكاح الشغار هو نوع من الأنكحة المحرمة التي كانت شائعة في الجاهلية، وتعني المعاوضة في النساء دون مهر. نهى الإسلام عن هذا النوع من النكاح وأجمع أهل العلم على تحريمه.
نكاح الشغار محرم بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وتحريمه يأتي لمنع ظلم النساء واستغلالهن في أغراض الأولياء. يترتب على هذا النوع من النكاح مفاسد متعددة.
حرم الإسلام نكاح الشغار لما فيه من ظلم وعدوان ومفاسد، واختلف أهل العلم في صحته وفسخه حسب شروط معينة. ينبغي مراعاة رضا الأطراف في التزويج.
لا بأس إذا رغب الأهل في تزويج الأبناء دون شرطية طالما أنه قائم على الرضا ومراعاة رضا المرأة والرجل. ينبغي التنبه لعدم إكراه الأبناء على نكاح لا يرغبون فيه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وكذلك الشغار، أي ومن الأنكحة المحرمة نكاح الشغار. ونكاح الشغار هو نكاح كان في الجاهلية، كما جاء في الأحاديث الكثيرة عن الصحابة في مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن نكاح الشغار. فكان من أنكحة الجاهلية، وهو ما يكون من المعاوضة في النساء من دون مهر. كان يشتهر ذلك عند أهل الجاهلية، وربما كان بصفات أخرى. فجاء الإسلام فنهى عنه، بما كان في الجاهلية وما كان كذلك بعد ذلك عند بعض من جهل حكمه في الإسلام. وسمي الشغار شغارا؛ لما فيه من الإخلاء، فهو من الشغر إلى الإخلاء والرفع. وقيل: إنه من صفة تبول الكلب، قالوا: إذا بالا رفع رجله، فسمي ذلك مثله؛ إلماحا إلى قبح هذا النوع من النكاح. فالحاصل: إن معنى الشغار فيه معنى الإخلاء والرفع، والمراد خلوه من الصداق أو كاد أن يخلو. وقد أجمع أهل العلم على تحريمه. وأشار المنذري رحمه الله في شرحه إلى عدد من الأدلة التي تدل على تحريمه، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «أنه نهى عن الشغار». وهكذا في حديث أبي هريرة في مسلم وغيره: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار». وكذلك حديث ابن عمر في رواية مسلم: «لا شغار في الإسلام». وأما قول نافع: «والشغار أن يقول الرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو زوجني أختك على أن أزوجك أختي»، فالصحيح أنه ليس بمرفوع من قول النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه من قول نافع، يعني هذا القول. وقوله بدون مهر، فليس الشغار محصورا بعدم المهر، بل نكاح الشغار المحرم هو وجود الشرطية في النكاح بالمعاوضة والمبادلة، سواء أوجد المهر أو لم يوجد المهر. فإن لم يوجد المهر، فهو نكاح باطل في قول كثير من أهل العلم. وإن وجد المهر ووقعت المشارطة، فهو كذلك في قول بعض أهل العلم: أنه كذلك نكاح باطل لوجود هذا الشرط فيه. والصحيح النهي عنه جميعا، سواء وجد المهر أو لم يوجد المهر. وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يقول الرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي. والحكم من ذلك هو عدم ظلم النساء، وعدم كذلك استغلال النساء في أغراض الأولياء، حتى لا يستغل ولي من الأولياء امرأة على وجه يضر بها؛ لأنه لو جاز ذلك تساقط أصحاب الأنفس الضعيفة بالتجارة بالنساء، فلا يزوج امرأة إلا أن يدخل على نفسه أو على قريب له امرأة أخرى. وهذا مع ما فيه من الإضرار بالمرأة، فيه كذلك مفاسد أخرى. وكم قد رأى الناس من آثار هذه المفاسد بسبب مخالفة السنة. وهذا مصداق قول الله عز وجل في التحذير من هذا الباب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فربما وصل الأمر إلى القتل بين بعض الناس بسبب أن رجلا ربما يطلق، فيلزم الآخر بالتطليق. لماذا؟ ابنكم طلق ابنتنا، إذن كذلك أنت تطلق. يريدون أنه لا بد أن تكون التسوية في ذلك. فربما نزع امرأة من زوجها وهي تريده، ونزع زوجا من زوجته وهو يريدها، وهذا ظلم وعدوان واعتداء. وكل هذا وغيره كثير من مفاسد نكاح الشغار. فلأجل هذا وغيره حرم الإسلام نكاح الشغار، وهو كل نكاح يكون فيه مشارطة في المبادلة، مبادلة النساء بالتزويج. فهذا لا يجوز، سواء جعل المهر أو لم يجعل المهر. ثم اختلف أهل العلم بصحته: هل يصح إذا وقع على هذا الوصف أو لا يصح؟ الجمهور قالوا: إنه باطل. وروي ذلك عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وجماعة من أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصح بوجود المهر، مهر المثل. وروي ذلك عن أبي حنيفة، وبعض الحنفية، وروي عن الزهري، ومكحول، والثوري، والليث، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وجماعة. وقول ثالث: يروى الإمام مالك رحمه الله، وجماعة: أنه يفسخ قبل الدخول وبعده، أي: أنه لا يصح ويجب فسخه ما دام هو بهذا الوصف. ورواية أخرى عن الإمام مالك: أنه إذا كان قبل الدخول فيفسخ، وإن كان بعد الدخول فلا يفسخ. وذهب جماعة من المحققين من أهل العلم إلى التفصيل في ذلك، بأنه إن كان على وجه الشرطية فهو نكاح باطل؛ لأن الأصل أن النهي إذا تعلق بذات الشيء أو شرطه فهو يقتضي الفساد. فإن قال قائل: كيف إذا رغب إنسان أن يزوج إنسانا آخر؟ الجواب: إن رغب بغير شرطية فلا بأس، كأن يكون مثلا اثنان من الإخوة كل منهما رغب أن يزوج ابنه بابنة الآخر، فهذا إذا وقع من غير معنى الشرطية فلا بأس، وهو قائم على الرضا مع التنبه لشرطية رضا المرأة. وهكذا كذلك الرجل، ليس أن يكون الأولياء والآباء هم يختارون ويكرهون الذكور والإناث على نكاح لا يرغبون فيه.