كتاب الوقف  2

كتاب الوقف 2

الدرس في كتاب الوقف 2، تابع كتاب الوقف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الوقف والنظارة عليه

شرح أحكام الأكل من الوقف والنظارة عليه، واستدلال بحديث عثمان وعمر رضي الله عنهما، وتوضيح شروط الناظر على الوقف. يبين المقطع الشروط والضوابط للانتفاع بالوقف.

تغيير الوقف عند عدم الانتفاع به

إذا تعطل الوقف ولم ينتفع به، جاز تغييره إلى مصالح المسلمين. يشرح المقطع جواز صرف الوقف المتعطل في مصالح أخرى أنفع.

ضوابط تغيير الوقف وتحريم الأوقاف المبتدعة

يشرح المقطع جواز تغيير الوقف إذا لم يعد ينتفع به، كما يحذر من الأوقاف التي تتعارض مع الشريعة مثل رفع القبور وتزيينها، ويبين تحريم الأوقاف التي تؤول إلى الشرك والبدع.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف، وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين. مر معنا في الدرس السابق ما ذكر في جواز الأكل من وقفه، الواقف بالمعروف. أن يأكل الواقف من وقفه بالمعروف، وكذلك الناظر يجوز له أن يأكل من الوقف بالمعروف. وكما مر معنا من الإعانة على إبقاء الأوقاف، أن يجعل لها ناظر، وللناظر نفقة تكون من نفس الوقف، تعينه على أن يتفرغ للقيام بهذا الوقف، فإن شاء أخذ ما هو له، وإن شاء تصدق به. وعلمنا ذلك في قصة عمر رضي الله عنه في أصل وقفه، وأصل الحديث في الصحيحين. وجاء عند البيهقي وأبي داود وغيرهما أن عمر رضي الله عنه جعل ابنته حفصة ناظرة على هذا الوقف، ثم لذوي الرأي من أهلها. وقد قال كما جاء في لفظ الصحيحين: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول. فإذا كان كذلك، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا، دل ذلك على جواز ومشروعية أكل الواقف ومن يتولى على الوقف بالمعروف، سواء لأجل قيامه بالوقف إن كان ناظرًا، أو كذلك حتى لو كان هو الواقف وكان يحتاج كحاجة غيره، فيأخذ كأخذ غيره، كما في قصة عثمان رضي الله عنه، وأصل الحديث كذلك في صحيح البخاري وغيره. وجاء عند النسائي والترمذي بإسناد حسن: فكان دلو عثمان كدلو المسلمين. وذلك لأن عثمان كسائر الناس يحتاج إلى الماء العذب، وليس هناك ماء عذب في المدينة إلا بئر رومة. وهكذا كذلك لو لحق بالواقف وصف يصح به أن يأخذ من وقفه، مثل أن يجعل وقفه للفقراء، وهو كان من الأغنياء، ثم جرت عليه أقدار الله سبحانه فصار من الفقراء، فيجوز له أن يأكل مع الفقراء من وقفه الذي أوقفه على الفقراء. بينما حين كان من الأغنياء لم يجوز له أن يأكل منه، لكن لما صار من الفقراء جاز له أن يأكل منه، ما دام أنه وضع هذا الشرط. وهكذا كذلك الناظر، قد يكون الناظر له أجرة من باب واحد، أجرة الناظر. فإذا صار الناظر ناظرًا له أجرة الناظر، وفي نفس الوقت لحق الناظر وصف آخر يستحق به أن يأخذ من هذا الوقف بهذا الوجه الآخر، جاز له أن يأخذ من وجهين: الوجه الأول لأجل نظارته، والوجه الثاني لأجل فقره إن كان فقيرًا، أو وجود الأيتام تحته إن كان تحته أيتام، أو نحو ذلك، بحسب هذا الوقف. ومر معنا أن العلماء ذكروا شروطًا للناظر، من أهم هذه الشروط أن يكون الناظر من المسلمين، فلا يجوز أن يجعل من غير المسلمين، لا كافر ولا مشرك ولا مرتد. ومن هؤلاء تاركوا الصلاة، فليس لهم حظ في الإسلام. ومن هؤلاء عباد القبور، ليس لهم حظ في الإسلام. ومن باب أولى أهل العلمنة والحداثة، وما أكثر أمثال هؤلاء ممن يتوارثون النظارة، ولا تصح النظارة لأمثال هؤلاء. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. والثاني: التكليف، أي أن يكون عاقلًا بالغًا، لأن أهلية الناظر من الشروط. ومن هذه الشروط كذلك الكفاءة في هذه النظارة خاصة، ومن الكفاءة الخبرة. فمن ليس عنده كفاءة ولا خبرة، ربما ما أحسن التصرف في هذه الأوقاف، فأتلفها وهو لا يدري. ومن هذه الشروط التي ذكرها العلماء القوة، القوة التي يستطيع بها القيام بنظارته. وليس المراد بالقوة قوة البدن فقط، ولكن قوة بحسبها قد تكون قوة برجاحة عقل، وقد تكون قوة بقوة جسد، وقد تكون قوة بغير ذلك، فبحسب ما يحتاجه الوقف يكون المقصود بالقوة كذلك. ولهذا فالصحيح لا تشترط الذكورة في النظارة. وسمعنا أن عمر رضي الله عنه جعل ابنته حفصة ناظرة على وقفه، وذلك لما ظن رضي الله عنه فيها من كفاءة وقوة ورجحان العقل والرأي، بما يظن أنها تحسن التصرف في هذا الوقف. ولهذا قال بعدها: ثم إلى ذوي الرأي من أهلها، يعني بعد حفصة إذا توفت أو صار لها عذر لم تستطع القيام بهذا الوقف. فلا يشترط في النظارة الذكورة، بل قد تكون أنثى. ثم الأنثى تستعين برجال من أهلها ينفذون ما تأمرهم به. لن تخرج الأنثى فتخاض بالرجال وتختلط بالرجال، ولكن الأنثى تقرر الأصلح في هذا الوقف، ثم بعد ذلك تستعين بالرجال من أهلها ومحارمها ينفذون ما تأمرهم به. قال رحمه الله: وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين. ودليل هذا ما تقدم في قصة عثمان رضي الله تعالى عنه، ونحوه إذا وقعت الحاجة. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا، فقال: باب إذا أوقف أرضًا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين. ثم ذكر وأشار إلى حديث عثمان رضي الله عنه أرضاه، وذكر آثارًا معلقة. قال رحمه الله: وأوقف أنس دارًا، فكان إذا قدمها نزلها. يعني أن هذه الدار التي أوقفها أنس لم ينافي أن ينزل فيها أنس إذا لم يجد مكانًا يسكن فيه، فكأنه اشترط في وقفه، سواء باللسان أو بالكتابة أو حتى بالعرف. فمثلًا لو أن إنسانًا أوقف بيتًا في مكة، وجعله لكل من كان من أهل بلده ممن لا يستطيع أن ينفق على نفسه في السكنة في مكة من الحجاج والمعتمرين المحتاجين، فجاء هو إلى مكة ولم يجد سكنًا عنده مال، لكن لشدة الزحام ما وجد سكنًا، فوجد في وقفه سعة، هل يجوز له أن يسكن فيه؟ الجواب: يجوز. والدليل هذا الحديث، حديث عثمان، وتبويب الإمام البخاري، وأثر أنس، ونحوه ما ذكره العلماء. وذكر رحمه الله أي الإمام البخاري كذلك قال: وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بذا زوج، فليس لها حق. وهذا الأثر كذلك أورده الإمام البخاري رحمه الله ليبين أن الزبير أوقف هذه الدور، ومع ذلك استثنى أن ينتفع بها من تطلق من بناته أو تصير أرملة، المردودة أي التي ترجع من عند زوجها، سواء بطلاق أو بفسخ أو بخلع أو كذلك بوفاه أو بغير ذلك، فليس عندها مكان تسكن فيه. فقد استثنى الزبير رضي الله عنه أرضاه أن يسكن من يحتاج لذلك من بناته، وقيد بهذا القيد: غير مضرة ولا مضر بها. وهذا من فقههم رضي الله عنهم أرضاهم، لأن الإنسان مهما بلغ في الكمال فهو ناقص، قد يقع منه ما لا يوافق الشرع، فيضر بالآخرين، فلا يجوز ذلك. فلهذا وضع مثل هذا القيد كذلك، قد يبخل من في الوقف، فيضر بمن يستحق هذا الحق ممن وضعه واشترطه صاحب الوقف، فلهذا قال: لا غير مضرة ولا مضر بها. فإن استغنت بزوج، فليس لها حق، لأنها صارت غنية. وذكر أثرًا آخر عن ابن عمر قال: وجعل ابن عمر نصيبه من دار سكن لذوي الحاجة من آل عبد الله. يعني أوقف دارًا، وجعل في هذه الدار نصيبًا لذوي الحاجات من آل عبد الله بن عمر، فمن صارت له حاجة، مسكين فقير عابر سبيل، أي حاجة من الحاجات لأحد من آل عبد الله بن عمر، جعل له عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه نصيبًا في وقفه الذي أوقفه. وذكر طبعًا حديث عثمان في بئر رومة الذي تقدمت الإشارة إليه. وهذا يدلنا على ما سبقت الإشارة إليه، ويضاف كذلك ما إذا وقع الوصف الذي اشترطه الواقف في وقفه، ولم يكن متصفًا به، ثم صار متصفًا به، فإنه يدخل في ذلك، مثل غني صار فقيرًا، وأبناء لم يكونوا أيتامًا فصاروا أيتامًا، ونحو ذلك، ولو كان هؤلاء من أصحاب الوقف. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن وقف شيئًا مضارة لوارثه، فهو باطل. ومعناه أنه لا يجوز للإنسان أن يوقف الوقف على وجه المضارة بالورثة، فإن ذلك لا يصح، فلا يصح الوقف الذي فيه مضارة للورثة، بل لا يصح كل وقف فيه معنى من معاني المضارة والظلم والتعدي. فما كان من وقف فيه ظلم أو تعدي، فهو وقف محرم، وربما صار باطلًا. فمثال الباطل: أن يقف وقفًا يريد أن يضر به الورثة، مثلًا رجل قبل أن يموت، ولم يكن له ذرية، يعني من أبناء، وعلم أنه سيرثه بعض إخوته، فأراد أن يضر بإخوته، فأوقف كل ماله قبل موته. فهنا خصوصًا إذا كان مرض الموت، لا يمضي من الوقف إلا ما كان بقدر الثلث، لأن ما جرى في مرض الموت يجري مجرى الوصية، ولا وصية إلا فيما دون الثلث، في الثلث وما دونه. فما كان كذلك، أي أكثر من هذا، فإنه لا ينفذ. أولًا لعموم الحديث: لا ضرر ولا ضرار. وثانيًا: لأنه ينافي إرث الوارثين، وهذا أراد أن يضر بهم. ومن استعجل الشيء قبل أوانه، عقب بحرمانه. ومثال الآخر الذي قد يقع فيه الإثم وينفذ: مثل أن يقف الإنسان وقفًا في حياته على بعض أبنائه، فيفاضل بينهم، يعني في حال الصحة، وفي غير مرض الموت، يقف وقفًا فيجعل فيه بعض الأبناء دون البعض، فهذا ظلم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الأبناء، فهو يأثم على ذلك. وهل ينفذ مثل هذا الوقف أو لا ينفذ؟ قولان مشهوران لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: ينفذ مع الإثم. ومن أهل العلم من قال: لا ينفذ، لأنه خالف الشرع في ذلك. وهذا هو الأحوط والأسلم، حتى بهذا الوقف. فلذلك إذا بلغ الحاكم مثل ذلك، وجب عليه أن يرد الأمر على ما يوافق الشرع، إلا إذا كانت المفاضلة لمعنى يأذن الشرع بالمفاضلة بمثله، مثل أن يقول: مثلًا هذا الوقف للفقراء من أبنائي، هذا جائز. أو يقول: هذا الوقف لكل مردودة من بناتي، هذا جائز. أو يقول: هذا الوقف لطلبة العلم من ذريتي، هذا كذلك جائز، لأنه أراد بذلك سد حاجتهم التي أذن الشرع بسد مثلها. وأما ما كان بعد الموت، يعني من وصية ونحوها، فهو مما يكون فيه منافاة للإرث، فمثل ذلك لا ينفذ. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن وضع مالًا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد، جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين. ومن ذلك ما يوضع في الكعبة، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه المسألة هي مسألة جواز تغيير الوقف عند عدم انتفاع أهله به، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة. والصحيح أنه يجوز تغيير الوقف إلى ما هو أنفع منه. وأشار رحمه الله إلى دليل هذه المسألة في مجافي صحيح مسلم وغيره، من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ كُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهذا يدل على جواز تغيير الوقف من مكانه إلى ما فيه منفعة للمسلمين، إذا تعطلت حاجة مصلحة الوقف في المكان الأول. ولا ينافي ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. فإن بعض أهل العلم استدل في هذه الآية على عدم جواز تغيير الوقف. فيقال: نعم، الأصل يجب أن يبقى الوقف على شرط الناظر إن كان للناظر شرط، أو الواقف إن كان للواقف شرط. فإن لم يكن للواقف شرط، فعلى ما جرى به العرف أو العادة. فإن تعطلت المصلحة، جاز أن يغير حتى يستمر الأجر لهؤلاء الواقفين، يغير إلى غيره. فإذا كان هذا في حق مال الكعبة، وهو من أخص الأموال وأعظمها، فإنه فيما دونه من باب أولى. يعني إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بيّن للأمة أنه يجوز أن يخرج المال الموقوف في الكعبة، وهو الكنز، ما دامت الكعبة لا تستفيد منه، إلى غيره مما فيه منافع للناس، يعني من الأبواب التي يجيز الشرع مثلها. فكذلك ما كان مثله من باب أولى، فيجوز أن ينقل الوقف من مسجد إلى مسجد آخر، وهكذا كذلك من مدرسة إلى مدرسة أخرى، وغير ذلك. وبه نعرف خطأ ذاك الجمود الذي سلكه بعض الفقهاء، حتى عطلوا بذلك الأوقاف، وحرموا الناس من الأجور، بحجة عدم تغيير الوقف، وهو بعيد كل البعد عن سماحة هذا الدين وروحه ومقاصده الكريمة، التي يقصد بها استمرار الأجور وتعميم المنافع. فربما وصل ببعضهم أن تكتر الخرابات بحجة عدم تغيير الوقف، يبقى مسجد مهدوم قديم، إذا أراد أحد أن يبني في هذا المكان مسجدًا آخر، قالوا له: لا، لابد أن تبنيه وتبقي هذا التراب فيه، وتبقي هذا اللبن فيه، وتبقي هذا فيه، حتى لا يضيع أجور الأولين. وهذا شرط فيه إعجاز للناس، كيف يمكن لمسجد جديد أن يقوم على أنقاض مسجد قديم؟ وما أكثر تلك المساجد التي نراها في مدينتنا هذه، وفي غيرها بتلك الفتاوى البعيدة كل البعد عن الأدلة الشرعية، فتعطلت مصالح وأوقاف بمثل هذه الفتاوى الخاطئة. والصواب أنه يجوز أن يغير الوقف إلى غيره، ولو اقتضى كذلك إبطال الوقف الأول بإزالة بعض ما تلف منها، فإن ذلك مما يحف عليه الشرع. والأول له الأجر. أيهما أفضل: أن لا يبنى مسجد، فتبقى هذه الخرابة السنين المتتابعة، أو أن الناظر يسمح بإبعاد تلك الأنقاض، ويقام مسجد آخر، فيكون له مشاركة في المسجد الآخر بهذه الأرض؟ أيهما أفضل؟ لا شك الثاني، كون المسجد يقام الجديد، فينتفع الناس، وتزال تلك الخرابات، فيكون لأهل الوقف الأول مشاركة في الأرض، وعدم حرمان الناس من انتفاع بمسجد في هذا المكان، أولى من إبقاء الخرابة على ما هي عليه، تمر عليه السنين بسبب هذه الفتوى الزائغة والخصومة التي لا فائدة منها ولا حاجة إليها. فهذا الحديث يدلنا على ما هو أعظم مما يقف عنده أولئك الذين جمدوا مع تلك المسائل، بل يجوز أن يغير الوقف من مكان إلى آخر. فمثلًا لو أن مسجدًا من المساجد فيه مصاحف كثيرة فوق حاجة الناس، واحتاج مسجد آخر جديد إلى مصاحف، ليس فيه مصاحف، ولم يوجد من يتصدق عليه، هل يجوز أن تأخذ بعض المصاحف من ذاك المسجد الذي زادت فيه المصاحف، مع العلم أنه لا يضر به ولا بالقراء فيه أخذ بعض المصاحف منه؟ انظروا إلى هذا الشرط، انتبهوا له، فإنه يجوز والحالة هذه أن ينقل الزائد أو أقل من الزائد إلى ما ينتفع به أهل المسجد الآخر. وهكذا قل في أشياء كثيرة تفسد وتخرب على الناس، وتطلبها مواضع أخرى تحتاج إليها. ولكن لجهل الناس بهذه السماحة والرخصة، حرموا أنفسهم وغيرهم من هذه الأجور. لم يقصد هذا الذي تبرع بهذا المصحف أو غيره من المنافع الأخرى أن يبقى المصحف في الرف ولا يقرأ فيه أحد، لأجل أن يبقى في المسجد الفلاني فقط. هل أراد هذا الواقف؟ كل عاقل سيقول: لا، ما أراد هذا، إنما أراد الذي أوقف هذا المصحف أن يقرأ فيه القراء، فتناله أجور هؤلاء القراء. فإذا كانت لا تقرأ، فخير له أن ينقل إلى مسجد آخر تصل إليه أجور هؤلاء القراء، من أن تبقى في الرفوف ولا يقرأ فيها أحد. وهكذا قل في كل ما كان من الأوقاف لم ينتفع بها أهلها، فإنه يجوز تغييرها إلى غيرها. ومثله كذلك حتى لو اضطر الناس إلى بيع الوقف، يجوز. بعض الناس يتردد ويجد الحرج في بيع الوقف إذا كان قد حصل تعطيل لذاك الوقف. وهذا غير صحيح، بل يجوز أن يباع الوقف لينتقل إلى وقف آخر أحسن منه. مثلًا توجد مزارع أوقفت على مساجد وعلى مصالح للمسلمين، لكن هذه المزارع تعطلت الآن، إما نخلها مات أو بئرها يبست، فتبقى هذه الأرض وقفًا ولا ينتفع منها أحد. كلهم يترددون ويتحرجون في بيع هذه الأرض أو تبديلها أو الانتفاع منها، بحجة أنها وقف على المسجد الفلاني أو على فقراء القرية الفلانية. طيب الفقراء ما استفادوا، والمسجد لم يستفد، لأن الأرض قد تعطلت. فأيهما أفضل: أن تباع هذه الأرض، ويؤخذ بقيمتها عقار، مثلًا عمارة أو دكاكين، بدلا من قيمة هذه الأرض، تشترى دكاكين في المدينة، فينتفع الوقف مرة أخرى بغلة هذه الدكاكين. أم يجلس الوقف ينتظر وينظر إلى هذا الوقف وهو معطل السنين الطويلة، ولا يستفيدون منه شيئًا؟ هل هذا هو مقصود الواقف؟ أم مقصود الواقف أن تستمر الأجور إليه بانتفاع من وقفت له هذه المنافع بهذه الأوقاف؟ بهذه الأوقاف لا شك أنه الثاني. ولهذا يقال لأمثال هؤلاء: أنه لا حاجة لهذا التحرج ولا التردد في مثل هذا الباب من أبواب الخير. فهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخرج كنز الكعبة، فينفقه في سبيل الله، لأن كنز الكعبة بقاه في الكعبة، والكعبة لا يحتاج إليه، يعد تعطيلًا للأجور وتعطيلًا لهذا الوقف. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجه إلى غيره، فيما فيه منفع للناس واستمرار للأجور. وهكذا يقال في كل ما كان بمعنى. فإذا وجدت مزرعة تعطلت، لم ينتبع بها الوقف، فلا يتردد الناظرون على الوقف في بيع هذه المزرعة، وشراء ما هو أنفع منها للوقف، دكاكين أو كذلك عمارة أو غير ذلك، تدخل غلة نافعة للوقف الموقوف عليه. وهذا لا شك أنه أنفع من أن يقعد الجميع ينظر في هذا الوقف، ولا يأخذون ولا يستفيدون منه شيئًا. والمسائل والنظائر والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًا، لكن في هذه الإشارات ما يغني عما قد يرد ويعرض في هذا الباب. وقد أشار الشارح رحمه الله إلى معاني وجمل كثيرة تدور حول المعنى المذكور الذي سمعتم. ثم قال رحمه الله تعالى: والوقف على القبور لرفع سمكها أو تزيينها أو فعل ما يجلب على زائرها فتنة، باطل. وسواء كان لأجل الفتنة أو لغير الفتنة، فلا يجوز وقف الأوقاف في مثل هذا الباب. كما تقدم ختم رحمه الله هذا الباب والفصل بهذه المسألة، وهي أنه لا يجوز وقف الأوقاف لما يخالف الشرع. ومن ذلك ما كان لرفع القبور. ومن رفع القبور: رفع سماكتها، أو وضع الزين عليها، أو فعل ما يجلب زائرها فيكون فتنة له. وكل هذا كان يقع في زمن المؤلف، وفي زماننا هذا كذلك عند بعض الجهال والمفتونين بعبادة القبور. فإنهم فتنوا بهذه القبور، فصاروا يرفعونها، وصار الجهال يقلدون فيرفعون قبور أقربائهم، يظنون أن هذا من سنة الإسلام، وهو أعلى الخلاف من سنة الإسلام. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور، وحذر من رفعها. فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، وفي زيادات خارج الصحيح: النهي عن البناء على القبور ورفعها. وهكذا كذلك ما هو بمعنى تزيينها. وفي صحيح مسلم من حديث علي: أنه بعث أبا الهياج، فقال: ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدعى قبرًا مشرفًا إلا سويته. يعني لا تجعل قبرًا من القبور مرتفعًا، بل سوي القبور على الأرض كما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم القبور أن تسوى. وكانت هذه من سنة الخلفاء الراشدين. ففي عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه: أمر كذلك بتسوية القبور. ومعنى أن الخلفاء كانوا يتفقدون قبور المسلمين بين الحين والآخر، فإذا وجدوا فيها شيء مما يخالف الشرع، أمروا بتسويتها. حتى قيل له: أن قبر ابنته وجدوه أي مرتفعًا، فقال: به فابدأوا. يعني بتسويته. ولهذا نص العلماء: أنه لا يجوز أن ترفع القبور إلا بقدر ما يخرج منها، يعني من تراب، لا حاجة أن يضاف إلى التراب الخارج منها، بل يكتفى بالخارج منها فقط. فضلا أما يفعله بعض العامة من رفع هذه القبور، ليس بالتراب فقط، بل بالبناء، فهذا أشد وأشد. وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك، وهو سبب للفتنة بهذه القبور، افتتان الناس بهذه القبور. ومن ذلك وضع أنواع الزينات من الجص، وهو النورة، أو الكتاب عليها، أو كذلك وضع التوابيت والخرق، أو غير ذلك مما يفعله الناس. وكل ذلك منافي لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من الأوقاف المحرمة التي لا تجوز. وما ذكره رحمه الله مع ما فيه من منافاه للوقف الشرعي، وما فيه من البدع، فهو كذلك ذريع للشرك وللغلو في تلك القبور. وقد أشار رحمه الله في الشرح إلى بعض تلك المعاني. وقد نص العلماء في كتب عدة إلى هذا المعنى والتحذير منه. وهكذا ما كان بمعنى من الأوقاف التي توقف في البدع والخرافات، أوقاف على القراءة المبتدعة أو الموالد أو بعض الشركيات أو حتى بعض المحرمات أو ما خالف السنة، كما سبقت الإشارة إليه. وقوله رحمه الله: وفعل ما يجلب على زائرها فتنة، يعني لا ينحصر الأمر بما ذكره، بل كل ما يجلب فتنة. وللناس بذلك عجائب يخترعونها في تلك الوسائل التي تستحدث، فتجلب للناس فتنة. مرة يضعون سقيفة، ومرة يضعون تابوتًا، ومرة يضعون بعض الستائر، ومرة يضعون الزهور، ومرة يضعون الكتابات الحديثة الحديثة، وغير ذلك. كل هذا من الأموال التي بذلت بغير حق، ومن الأوقاف المحرمة التي لا تجوز، لما فيه من مخالفة الشرع، وما لا ينفع، فضلًا عن مخالفة الشرع. فإن السنة في القبور أن تسوى، ولا يكتب عليها شيء، ولا يبنى عليها شيء، ولا يرفع عليها شيء، سدًا لذريعة الشرك، وحماية لحمى التوحيد. وبهذا نكون قد انتهينا من المسائل التي ذكرها رحمه الله فيما يتعلق بالوقف. وإلى هنا والله تعالى أعلم. والأسئلة نتركها إلى وقت لاحق. والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.