الدرس في كتاب الوقف 1، كتاب الوقف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع، وأركانه أربعة. يكون صحيحًا إذا كان في سبيل الله وكان نافعًا.
الوقف يكون صحيحًا إذا توفرت فيه شروط، منها أن يكون من مال يملكه الموقوف ويصح له التصرف فيه. العلماء ذكروا هذه الشروط لضمان صحة الوقف واستمرار منفعته.
يتناول المقطع أهمية الإيمان وأحكام الوقف في الإسلام، حيث يشير إلى جواز جعل منافع الوقف لمصارف الخير المختلفة. كما يستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأمثلة من السنة النبوية.
المقطع يشير إلى ختام النص بإظهار العلم بالله تعالى وتوجيه الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه «متن الدرر البهية»: قال «كتاب الوقف». قال: «من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسًا، وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربه، وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف، وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين، ومن وقف شيئًا مضارة لوارثه فهو باطل، ومن وضع مالًا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين، ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والوقف على القبور لرفع سمكها أو تزينها أو فعل ما يجلب على زائرها فتنة باطل». أورد رحمه الله تعالى هذا الكتاب في سياق ذكره لمسائل هذا المتن، فقال «كتاب الوقف»، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوقف. والوقف لغة مأخوذ من معنى الحبس، وهو في اصطلاح أهل العلم -بما دلت عليه الأدلة الشرعية- تحبيس الأصل وتسبيل المنافع. وأنفع الوقف ما كان في البر، فكلما كان أكثر برًا ونفعًا كان الوقف أكمل أحسن. وقوله رحمه الله: «من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسًا»، في هذا تفسير منه لمعنى الوقف، كأنه قال: من أوقف ملكه في سبيل الله صار موقوفًا. وبه نعرف أن للوقف أركانًا، فأركان الوقف أربعة: واقف، وهو هذا المحبس والمتصدق؛ وموقوف عليه، وهو المتصدق عليه بهذا الوقف؛ ووقف، وهو المال المتصدق به من عقار وغيره؛ وصيغة يكون بها الوقف. فإن كانت هناك صيغة فهي التي تتبع في شرط هذا الوقف. فإن لم تكن هناك صيغة وشروط لهذا الوقف في هذا الوقف، فإنه يرجع في ذلك إلى العادة الجارية أو العرف الماضي. وفي كل الأحوال ما لم يخالف الشرع، شروط الوقف مقبولة وتنفذ إذا لم تخالف الشرع. وقد ذكر العلماء للوقف شروطًا، من أهم هذه الشروط أن يكون الوقف من معين يملك هذا الموقوف ويصح تصرفه فيه، فلا يجوز أن يوقف ما ليس له، كما لا يجوز أن يوقف ما ليس له التصرف فيه، ولو كان له بعض التصرف مثل شركاء في مال كورثة، مثلًا لا يجوز أن يوقف أحد الورثة الوقف يضر بالآخرين، بل يجب عليه أن يستأذنهم في ذلك، فلا ضرر ولا ضرار. والشرط الثاني: أن يصح الانتفاع بهذا الوقف مع بقاء العين، فإن لم يمكن لم يصح أن يسمى وقفًا، وإنما هو صدقة. مثاله: لو أن إنسان قال: «أوقفت هذا الطعام». يقال: الطعام ما يمكن يكون وقفًا؛ لأن الطعام ما يحبس أصله، الطعام يأخذ فينتهي ويفنأ، وإذا بقي خرب. وإنما الوقف فيما يصح تحبيس الأصل والانتفاع بالمنافع، مثل البناء والأرض والبئر، وما كان بمعناه مما أصله ممكن أن يبقى ومنفعته تستمر. والشرط الثالث: أن يكون هذا الوقف في البر لا في غيره، فلا يجوز في أمور شركية، ولا كذلك في بدع وخرافات، ولا فيما يعين على محرمات، بل قد نص العلماء أنه كذلك لا يجوز حتى فيما لا منفعة فيه، كما سيأتي إن شاء الله تنبيه عليه. فإذا لابد أن يكون في بر لا في غيره وينافي الغير حتى ما لمنفعة فيه. أما قوله رحمه الله: «من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسًا»، لأن الشرع دل على ذلك، وأدلة مشروعية الوقف كثيرة في الكتاب وفي السنة. وقد ذكر ربنا جل وعلا معنى الوقف في مواضع من كتابه، من ذلك ما ذكره عن المشركين في قول سبحانه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا من بعض معاني الوقف. فالإيمان هو الأهم والأعظم، وهكذا قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾، ذكر بعض أهل العلم أن من معاني الآية أنها تدخل في معنى الوقف وأنه لا يغير ولا يبدل إلا ما سيأتي إن شاء الله ذكره فيما دل عليه الشرع. وأما من السنة فأحاديث كثيرة، أشار المؤلف رحمه الله إلى بعضها، فمن ذلك ما جاء في الصحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وكل هذه الثلاث تدخل في معنى الوقف. ثم قال رحمه الله: «وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربه». معناه أنه يجوز أن يجعل هذا الوقف -أي منافع هذا الوقف- والغلة هي المنفعة التي تخرج من هذا الوقف. فإن كانت مزرعة، ثمرة المزرعة. وإن كانت بئرًا، ماء البئر. وإن كانت تجارة، فربح التجارة. مثلًا رجل عنده شركة، قال: «أجعل ثلث ربح الشركة وقفًا للأيتام». فإذا غلت هذه الشركة، الثلث منها يذهب للأيتام. وهكذا كذلك يدخل في معنى الغلة حتى المنفعة كالسلاح، كحديث خالد بن الوليد إذ احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، ينتفع بها المسلمون ويبقون أصلها لا تمتلك، وإنما ينتفع بها. ثم قال رحمه الله: «وللمتولي عليه أن يأكل منه بالمعروف». يعني أن القائم على هذا الوقف -الناظر- يجوز له أن يأكل من هذا الوقف بالمعروف. ويدل عليه ما جاء في قصة عثمان رضي الله عنه، فإنه جاء عند النسائي والترمذي بإسناد حسن. فكان دلو عثمان كدلو المسلمين؛ لأنه واحد من المسلمين يحتاج إلى الماء في المدينة، ولابد من الماء، فليس هناك ماء مستعدب في المدينة إلا بئر رومة في أول الأمر. فكان دلوه كدلو الناس، كدلو المسلمين. وفي هذا دليل أن الواقف لو أوقف وقفًا، فالأفضل والأكمل إذا أراد أن ينتفع من هذا الوقف يكون نصيبه كنصيب سائر المنتفعين. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.