أخلاق العلماء للإمام الآجري 19

أخلاق العلماء للإمام الآجري 19

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أخلاق العلماء وصفات حامل العلم

يتناول شرحًا لأخلاق العلماء وصفات حامل العلم كما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مشيرًا إلى أهمية الفقه مع الفهم والتفقه في العبادة مع تدبر القرآن. يُبرز أهمية الأخلاق الحميدة للعلماء.

معيار العلم الحقيقي والفقه النافع

ينتقد التباهي بسرعة إنجاز القراءة دون فهم أو تدبر، ويشير إلى أن الفقه الحقيقي يكمن في الفهم والتدبر والورع والزهد. يُوضح أهمية التواضع وعدم التعالي على الآخرين بالعلم.

وصف عباد الله الصالحين وأقسام الإسرائيليات

يصف عباد الله الصالحين وخشيتهم من الله، ويشرح أقسام الإسرائيليات وكيفية التعامل معها. يبين أن هذه الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام.

مقدمة للحديث عن مساءلة العالم عن علمه

يشير إلى قرب الحديث عن مساءلة العالم عن علمه وما عمل به، ويتضمن إشارة إلى أهمية الأخلاق الحميدة. يظهر استعداد المؤلف للدخول في موضوع جديد.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق العلماء: قال أخبرنا أبو بكر، وهو الآجري رحمه الله نفسه، قال: أنبأنا أبو سعيد مفضل بن محمد اليماني، وهو أبو سعيد الجندي، من مشايخي الآجري رحمه الله تعالى، ترجم له بخارج التقريب، وهو أحد الثقات. قال: أنبأنا أبو سعيد مفضل بن محمد اليماني في المسجد الحرام، قال: أنبأنا محمد بن ميمون الخياط، وأبو عبد الله المكي البزاز، سمعت ابن عيينة يقول: إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الذي كتبته؟ والمعنى أن العالم لم ينبغي أن يكون نهاره يختلف عن الناس، وكذلك ليله، فيكون نهاره مليئًا بالعلم والعبادة، أي الصيام، وليله كذلك بالقيام ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تدل على العمل بالعلم. ولهذا كان السلف يقولون: ينبغي لطالب العلم وحامل العلم أن يختلف عن الناس، أن لا يكون ليله كليل الناس، ونهاره كنهار الناس، ونحو ذلك. قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: أنبأنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: أنبأنا أبو بدر، قال: أنبأنا زياد بن خيثم مع نبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم مكر الله، ولم يترك القرآن إلى غيره. ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في تفقه ليس فيه تفهم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر. وهذا الأثر كما نرى يروي عن علي رضي الله عنه، وفي إسناده شيء من الضعف، لكن مثل هذه الآثار يتسامح فيها، وليس ذاك الضعف الشديد، ومعناه صحيح. ومعناه أن حامل العلم ينبغي أن يكون عنده حرص على الفقه، والفقيه حقيقة ليس من عنده المعلومات فقط، ولكن من عنده حكمة في فقهه. ومن ذلك: لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يتساهل في الترخيص بما يوقع في معاصي الله، ولا يغلب الرجاء بما يكون به الأمن من مكر الله، ولا يُعرض عن كتاب الله لا بالإحالة إليه بالعلم، ولا بالعمل به. وهكذا كذلك من صفاته: أنه لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ومعناه عبادة بغير علم، جهل يورث إلى المهالك. وهكذا كذلك فقه بدون فهم يورث إلى المهالك. لهذا قال: لا خير في تفقه ليس فيه تفهم، ليس كل الشأن أن تعلم المعلومات، ولكن أن تفهم هذه المعلومات، فلا يكفي أن تحفظ، بل تحفظ وتفهم. وهكذا كذلك قوله: ولا خير في القراءة ليس فيها تدبر، ليس الشأن أن تُكمل ما قرأت، ولكن أن تتدبر وتفهم وتستفيد من مقروءاتك. وبه نعرف خطأ حال بعض من ينتسب إلى العلم حين يتباهون بختم الكتاب الفلاني في ثلاثة أيام أو في مجلس واحد أو نحو ذلك، فكأن الشأن كل الشأن عندهم هو في كم وقت ينجز الكتاب، في كم وقت يختم الختمة، في كم وقت ينتهي من صحيح البخاري أو من كتب الستة أو نحو ذلك. وليس هذا هو معيار العلم والفقه، بل معيار العلم ماذا فهمت من هذا الذي قرأت، وماذا تدبرت من هذا الذي قرأت؟ فهذا هو معيار العلم. ولهذا نبه الإمام الآجري رحمه الله إلى مثل هذا المعنى. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا أبو بكر عبد الله بن عبد الحميد الواسطي، قال: أنبأنا هارون الحمال، قال: أنبأنا سيار، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، قال: أنبأنا مطر الوراق، قال: سألت الحسن البصري عن مسألة، فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد، الفقهاء يخالفونك، فقال: ثكلتك أمك، مطر، وهل رأيت فقيهًا قط؟ والفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر ممن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علمه حطامًا. والمعنى أن الإنسان ينبغي أن لا يتنقص بالعلم الذي معه أحدًا، لا من فوقه ولا من تحته ولا من هو مثله، وإن علم شيئًا أجاب، وإن لم يعلم سكت، ولا ينبغي أن يدفعه أحد لا بسؤال ولا بغيره أن يقع فيما يحذر منه. قال رحمه الله: وأخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا عمر بن أيوب السقطي، قال: أنبأنا الحسن بن عرفة، قال: أنبأنا المبارك بن سعيد الثوري، عن أخيه سفيان الثوري، عن عمران المنقري، قال: قلت للحسن يومًا في شيء قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، أرأيت أنت فقيهًا قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه، المداوم على عبادة الله عز وجل. والمعنى أنه أشار إلى حقيقة الفقه، وأنه لا ينبغي أن يعارض العالم بمثل هذا، فالإنسان يبذل جهده وما عنده من العلم، ويتعبد الله بما أوصله إليه العلم. قال رحمه الله: قال أخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: أنبأنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، قال: أنبأنا أبو الحكم مروان بن عبد الحميد المكي، عن موسى بن أبي درم، عن وهب بن منبه، قال: بلغ ابن عباس عن مجلس كان في ناحية بني سهم، يجلس فيه ناس من قريش يختصمون وترتفع أصواتهم، فقال ابن عباس: انطلق بنا إليهم. فانطلقنا حتى وقفنا، فقال ابن عباس: أخبرهم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب في حاله. قال وهب: قال الفتى: يا أيوب، أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكل لسانك ويقطع قلبك ويكسر حجتك؟ قال: يا أيوب، أما علمت أن لله عبادًا أسكتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، يعني من غير مرض، وإنهم هم النبلاء الأصحاء الأتقياء الألباء العاملون بالله وآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت قلوبهم، وكلت ألسنتهم، وطاشت عقولهم وأحلامهم فرقًا من الله وهيبة له. وإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية، لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه أبرار، ومع المضيعين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ناحلون ذائبون، يراهم الجاهل فيقول: مرضى، وليس بمرضى، قد خلطوا. وقد خالط القوم أمر عظيم. وهذا من الإسرائيليات، فهو من قول النبي الله أيوب. وكما نرى فيه صفة عباد الله الصالحين. فهذه صفاتهم كما ذكر. وما روي عن بني إسرائيل من الأخبار لا نصدقهم ولا نكذبهم، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام. أي الإسرائيليات المروية عن بني إسرائيل: ما خالف فيه الكتاب والسنة فنرده، وما وافق الكتاب والسنة فنستأنس به. وهذا الذي يذكره بعض أهل العلم مستأنسين بما دل عليه الكتاب والسنة مما روي عن بني إسرائيل. والثالث ما ليس به مخالفة ولا موافقة، فهذا هو الذي يوجه فيه الحديث: لا نصدقهم ولا نكذبهم؛ لأننا لا ندري أصح أم لم يصح. وهذا الذي يروى الآن من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا وصف من العلماء العاملين الصالحين، إذن هو من القسم الثاني. الأول ما خالف، والثاني ما وافق، طيب. المهم هذا من القسم الذي فيه موافقة لما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، فلذلك يذكر من باب الاستئناس، من باب الاستئناس. فما يروى عن بني إسرائيل ثلاثة أقسام: ما خالف الكتاب والسنة مردود، ويحذر منه إذا ذكر، يذكر على وجه التحذير والتكذيب. والثاني ما وافق ما في الكتاب والسنة، فلا بأس أن يذكر مع التنبيه أنه من الأخبار الإسرائيلية، من باب الاستئناس. وأكثر ما ينقله أهل العلم من هذا القسم. والثالث ما ليس به موافقة ولا مخالفة، مثل ذكر أخبار ووقائع ليس عندنا ما ينفيه ولا ما يكذبه، فلا ندري هل وقع أو لم يقع، فهذا كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: لا نصدقهم ولا نكذبهم، الله أعلم هل وقع أو لم يقع. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين، وهو الآجري رحمه الله نفسه، قال: هذه الأخبار تدل على ما وصفنا به العلماء والفقهاء. يعني ما وصف هو مما تقدم. قال: فإن قال قائل: ولما داخل العلماء هذا الإشفاق الشديد وخافوا من علمهم هذا الخوف كله؟ قيل له: علم أن الله عز وجل يسألهم عن علمهم ما عملوا فيه، فجعلوا مساءلة الله نصب أعينهم، فألزمهم أنفسهم شدة الحذر، وأخذوا بالثقة في كل أمرهم. والمعنى أن العلم دفعهم إلى الخشية؛ لأنهم يراقبون، فكل مسألة بين أعينهم لها مساءلة، فألزم أنفسهم شدة الحذر حتى لا يقعوا فيما يكون به المؤاخذة. قال: إن قال قائل: فإن العلماء ليسألون عن علمهم ما عملوا فيه؟ قيل: نعم. فإن قال: فاذكر من ذلك ما إذا سمعه العالم انتبه من رقدته؟ ومعنى من رقدته: يعني من نومه وغفلته، اذكر لنا آثارًا تدل أن العالم يسأل عن علمه وما عمل به؟ قال: وأخذ نفسه بلزوم أخلاق من ذكرته. والله موفقنا. قيل: نعم إن شاء الله تعالى. وهذا هو الباب الذي سيأتي إن شاء الله، ويمهد له إلى هنا. والله تعالى أعلم.