الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 48، الدرس الثامن والأربعون:من( ومن الفروق الصحيحة:أن من أشترى شيئاً يحتاج إلى حق توفية ... بين المتبرع منهم فيقبل قوله وبين غير المتبرع فلا يقبل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول حكم التصرف في السلع قبل قبضها، حيث يفصل في مسألة جواز بيع السلع قبل قبضها. الحكم يختلف باختلاف نوع السلعة.
يتناول مسألة الضمان في حالة تلف المبيع قبل القبض، ويفرق بين ما يحتاج إلى قبض وما لا يحتاج. الضمان يكون على البائع إذا لم يقبض المشتري السلعة.
يتناول أحكام الأملاك المشتركة ومسؤولية الشركاء في التعمير، وتصرفات الأمناء والوكلاء في إدارة الأموال. الحاكم يجوز له إجبار الشريك على التعمير إذا كان ضروريًا.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى. يختتم الدرس بالإشارة إلى أهمية العلم والفقه في الدين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ومن الفروق الصحيحة أن من اشترى شيئًا يحتاج إلى حق توفية، فإنه لا يصح تصرفه فيه حتى يستوفيه بكيل أو وزن أو عد أو زرع ونحوها. عندكم أوزرع، في النسخة الأخرى: ما في عندكم أوزرع، ها كامل قبل أو بعد، ها تصيغة أخرى لا غير. هذا المذرع، المذرع ليس، المذرع عندك، المذرع أو المذرع لا غير. صحيح: الزرع، الزرع ما يصلح فيه توفية، لكن صوابه: المذرع، لكن صوابه المذرع أو درع بالذال. نقول: صوابه درع. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة أن من اشترى شيئًا يحتاج إلى حق توفية، فإنه لا يصح تصرفه فيه حتى يستوفيه بكيل أو وزن أو عد أو درع ونحوها. وإن كان عينًا متميزة جاز التصرف فيها ولو لم يقبضها. من الفروق الصحيحة التفريق، وهذه كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب، هي عبارة عن مسائل منثورة في كتب الفقه. وهذه المسائل منها مسائل خلافية طال نفس العلماء في الكلام فيها إثباتًا ونفيًا أو كذلك ترجيحًا أو غير ذلك. والمؤلف رحمه الله يذكر بما ظهر له من الأدلة. وأكثر ما يذكر رحمه الله يوافق الصواب. وهذا حال من كان مرجعه في الترجيح الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، ويستفيد من العلماء جميعهم. فالشاهد أن هذه من مسائل البيوع، ومر معنا الإشارة إليها في مثن الدرر، وهي هل أولًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وغيره: «من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يكتاله»، هل هذا خاص بالطعام أو هو يشمل الطعام والسلع؟ مر معنا هناك أن العلماء اختلفوا، فمنهم من خصه بالطعام لأن أكثر الأحاديث ورد كذلك، ومنهم من عمه في سائر السلع لما ورد في حديث حكيم بن حزام في معنى العموم، فإنه نهى أن تباع السلع حتى تقبض، والحديث حسنه بعض أهل العلم. فعلى المعنى الأول يكون مسألة القبض خاص بالطعام. ومر معنا هناك أن هذا لسببين. ما هذان السببان؟ ها عند من هيا. تذكر النهي لسببين: الأول الجهالة، الثاني الضرر. هو الضرر يترتب على الجهالة، لكن شيء أدق من هذا إذا فصلنا. قلنا: ثلاثة. إذا ذكرنا الضرر بمعنى شيء آخر، ها هذا منه، لكن نريد شيء آخر. قلنا: أن غالب الطعام من أصناف الربوية، فدفعًا لمضرة الوقوع في الربا. وكما مر معنا أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. فعلى هذا المعنى خص بعض العلماء النهي بالطعام، وبعض أهل العلم جعله بالسلع عمومًا نظرًا إلى ماذا؟ نظرًا إلى ماذا؟ ها بشير. عمه بالسلع جميعًا نظرًا إلى ماذا؟ العلة الأولى؛ لأن العلة الأولى موجودة وهي الجهالة، والجهالة لا تكون فقط في الطعام. الشيء إذا لم يستوفى فإنه يكون فيه جهالة. أنت تشتري مثلًا ملابس. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السلع حتى تقبض. فإذا أخذتها قبل أن تقبضها، ومن قبضها عدها إذا كانت تعد، وذرعها إذا كانت تدرع، يعني تمترها. تمترها: تقبضها قبضًا صحيحًا كما جاء في بعض الأحاديث حتى يدخل فيها كيل البائع وكيل المشتري. وهذا حتى يزول أمر الجهالة. فإذا اشترى شيء ولم يقبضه، قال: أنا اشتريت من فلان مئة طاقة من القماش أو كذا وكذا عدد من الملابس، اذهب فخذها واشترها من كذا وكذا مني. لم يقبضها، حصل في هذا جهالة؛ لأنه لم يعدها. فربما يأخذها المشتري الثاني فيقول: المشتري الثالث الآن. المشتري الأول نقول: المشتري الثاني البائع باعها لرجل، هذا الرجل باعها لرجل آخر قبل أن يقبضها. إذا جاء إذا جاء ذاك الذي اشتراها ثانيًا وأخذها قبل أن يقبضها الأول، ربما يقول مثلًا: أنا وجدتها ناقصة، ويقول البائع الأصل: أنا أخرجتها كاملة. فيبقى الوسط وهو البائع الثاني وهو في نفس الوقت المشتري الأول في ماذا؟ في ريبة. يشك في البائع أو يشك في ماذا؟ في المشتري. يعني منه. فلأجل هذا وغيره أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تقبض السلع قبل بيعها. والقبض كما مر معنا أنه يختلف بحسب عرف الناس في السلع وفي الأسواق وفي غير ذلك. فإذا أولًا الصحيح التفصيل في أن ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في القبض هو يشمل الطعام والسلع. وفي الطعام بوصفه الذي علمنا دفعًا للعلتين والنهيين، وغير الطعام للعلة الأخرى وهي العلة الأولى. قوله الآن: أن من اشترى شيئًا يحتاج إلى حق توفية، ومعنى يحتاج إلى حق توفية يعني أنه فيه علة أو فيه علتان. العلة الواحدة هي معنى الجهالة، وهذا في كل السلع. ولهذا ذكر المدروع مثل القماش وغيره، والمعدود الذي يعد كسائر المصنوعات والملبوسات أو غيرها مما قبضه بعده. وهكذا كذلك ما فيه أمر العلتين السابقتين، ومنه الطعام، ومنه الطعام لأجل أولًا الجهالة والثاني لأجل دفع معنى الربا الذي قد يقع. ثم قال رحمه الله: ونحوها، يعني من هذا المعنى مما يحتاج إلى توفية، يعني فيه معنى الجهالة أو فيه معنى الربا. فلابد أن يدفع. قال: وإن كان عينًا متميزة جاز التصرف فيها ولو لم يقبضها. إذا كانت عين متميزة، ليس يشرط أن يقبضها. مثل ماذا؟ العين المتميزة مثل الأرض، الأرض التي لها حدود معلومة، أو البيت الذي له عين متميزة لا تختلط بغيرها، ولا يحصل بها جهالة ونحو ذلك. ومنها حتى بعض السيارات وفي بعض الأحوال. فهذا الشيء المتميز لا يلزم قبضه. فإذا باعه وهو عند المشتري الأول وسلم من الضرر والمفسدة والجهالة فهو إن شاء الله جائز. فالحديث لا يشمل ما كان بهذا المعنى. قال رحمه الله: وإن كان عينًا متميزة جاز التصرف فيها ولو لم يقبضها؛ لأن الحديث لا يتناوله، ولأنه لا يدخل في أي معنى من معاني النهي إذا كان كذلك حقيقة مما يقتضي ولو بالعمومات أن هذا يمنع بيعه على هذا الوصف. فإذا كان كذلك أي لا يمنع بيعه، فإذا لا بأس ببيعه ما دام عينًا متميزة، ليس في بيعه بدون قبضه مفسدة. قال: ويترتب على ذلك. لكن إذا كان بهذا مفسدة أو كان ينافي النص الشرعي، مثل مثلا يبيع سيارة مسروقة أو مفقودة، هذا لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم الذي جاء النهي عنه باللفظ وبالمعنى على تصحيح هذا اللفظ. قال رحمه الله: ويترتب على ذلك، يعني على هذه المسألة وهذا التفريق الصحيح الذي مر معنا قبل قليل. ويترتب على ذلك الضمان. فما يحتاج إلى حق توفية إذا أتلف قبل توفيته، فضمانه على البائع. وكذلك جوائح الثمار، وما سوى ذلك فعلى المشتري. الآن عندنا شيء يحتاج إلى حق توفية، وشيء لا يحتاج إلى حق توفية. فالأول يحتاج إلى قبض، والثاني لا يحتاج إلى قبض. فترتب على ذلك يقول: الضمان. معنى الضمان أنه إذا أتلف ولم يتيسر إيجاد ضمان هذا التلف من غير البائع والمشتري؛ لأنه إذا تيسر سداد الضمان من غير البائع والمشتري ما في مشكلة. انتهت المشكلة. جاء رجل ثالث اعتدى على هذا الطعام، سرقه، أكله، أو اعتدى على هذه الملابس أحرقها، أفسدها، قبض عليه وألزم من قبل الحاكم بالضمان. خلاص انتهت المشكلة. ليس هناك إشكال؛ لأن البائع يسلم والمشتري يسلم. لكن الإشكال إذا لم يتمكن أو لم يتكن تضمين أحد. فعلى من الضمان إذا تلف؟ سواء تلف بفعل فاعل أو تلف بغير فعل فاعل. تلف بتفريط أو بغير تفريط. ويأتي الكلام على هذه الصور الثلاث. الأول: إذا كان بفعل فاعل. قلنا: إذا أمكن تضمين المعتدي فهو يزيل الإشكال. الثاني: إذا لم يمكن تضمين المعتدي. فهنا كما قال رحمه الله: يفصل. يفصل بين ما يحتاج إلى قبض إذا لم يقبضه، فإنه يضمن من؟ يضمن البائع. كما قال: فما يحتاج إلى حق توفية، ومعنى ما يحتاج إلى حق توفية يعني لابد من قبضه. إذا أتلف قبل توفيته، يعني قبل قبضه. ومعنى التوفية: حصول القبص والتسليم على الوجه الشرعي الذي أمر الله عز وجل به ورسوله عليه الصلاة والسلام. قال: فضمانه على البائع. لماذا؟ لأن البائع مفرط ومقصر في الواجب الشرعي. الواجب أن يقبضه ثم يسلمه. مثاله: لو أن رجلا اشترى طعامًا، ثم باعه لرجل آخر، وقبض الثمن. أخذ ثمن السلعة، لكن لم يقبض هو السلعة إلى رحله. لم يقبض السلعة إلى رحله. مثلا اشترى زيد من عمر عشرة أكياس رز، وما زال الرز هذا في دكان عمر. جاء خالد يشتري من زيد هذا الأرز. قال له: خلاص عندي عشرة أكياس عن هلان. هات المال. أعطاه المال. ذهب إلى هلان. احترق مال هلان، ولا يستطيع هذا صاحب المحل أن يعطي زيد شيء. مفلس الآن. خالد دفع المال لزيد، وزيد لم يقبض السلعة. فمن الذي عليه الضمان؟ هل زيد أم خالد؟ الجواب: زيد؛ لأن زيد لم يقبض السلعة. لو باعه له بعد قبضه وإعطائه، كان الضمان على من؟ كان الضمان على خالد. لكن ما دام أن زيد لم يقبض أصلا، وأحال إلى محل لم يصحح الشرع لحالة في مثله. فإنه ما دام حصل مثل هذا، فالضمان على البائع، وهو هنا في هذا المثال زيد. واضح. بخلاف ما إذا قبضه زيد وأعطاه لعمر، فتلف على عمر، ولو لم يصل إلى محل عمر، أي في الطريق، فإنه على المشتري، ليس على البائع؛ لأن البائع قد قبض السلعة واستوفاها كما قال: حق التوفية، يعني استوفى إعطاءها للمشتري. فلو تلفت في الطريق فإنها عليه. قال: فضمانه على البائع، وهذا واضح. وكذلك جوائح الثمار. جوائح الثمار يعني ما يصيب الثمار في الأشجار من الجوائح، وهي الآفات السماوية. يأتي عليها جراد، ينزل عليها مطر، يأتي عليها سيل، ينزل عليها برد، أو غير ذلك مما يفسد هذه الثمار. يقول: كذلك جوائح الثمار، يعني إذا كان باع الشيء قبل قبضه، وكذلك قبل استيفاء أخذه، ولم يحصل تفريط من المشتري، فإن البائع هو الذي يضمن. أما إذا حصل تفريط من المشتري، وقد مرت معنا هذه المسألة بزيادة تفصيل في كتاب الفقه، يعني في دروس الفقه سواء في مثل الدرر أو منهج السالكين. وإنما نحن الآن ندرس القواعد والتقاسيم والفروق. وهذا تذكر فيه المسائل على وجه الاختصار؛ لأن الإحالة إلى أصل. لا يدرس الإنسان مثل هذه الكتب إلا وهو مرة في الغالب على كتب الفقه. فلذلك هو يحيل إحالات، ويشير إشارات إلى رؤوس المسائل في أبواب متنوعة. فمسألة الجوائح في الثمار جاءت فيه أحاديث، وفيه تفاصيل. خلاصته أنه إذا حصل تفريط من المشتري فالمشتري يضمن. وإذا لم يحصل تفريط من المشتري، فلا يجوز للبائع أن يأخذ مال المشتري. وقد ابتلاه الله عز وجل بهذا الذي ابتله. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «فبما يأخذ أحدكم مال أخيه؟» يعني بأي حق؟ الله ابتلاك، أخذ عليك الأرض، أخذ عليك الزرع، ذهبت عليك الثمار. كيف تأخذ مال أخيك؟ وهو إنما اشترى منك شيء ينتفع به، لم يشتري منك شيء لتعطيه. لا شيء؛ لأن الزرع ذهب. فإذا لم يحصل تفريط من المشتري في القبض، فلا شيء على المشتري، والبائع يرد المال للمشتري. لكن إذا حصل تفريط، مثل أن يقول له: خذ هذا الزرع، هذه الثمار من الزرع خلال ثلاثة أيام أو خمسة عشر يومًا، وكان هذا عرف الناس. فإذا تأخر وابتلي الطرفان بآفة سماوية، أصيب بها هذا الزرع وهذه الثمار، فإن المشتري عليه الضمان. يعني لا شيء له من مال. إن دفع وإن لم يدفع، فعليه أن يدفع المال؛ لأنه مفرط في قبض هذه الثمار. قال رحمه الله: وما سوى ذلك فعلى المشتري. وما سوى ذلك فعلى المشتري، يعني إذا حصل تفريط من المشتري، فعلى المشتري. أو حصل قبض وتسليم، فكذلك المشتري. فممكن نلخص فنقول: ما أمر الشرع بقبضه فلابد من قبضه بوصفه الشرعي. وعند ذلك يكون الضمان على البائع إذا لم يقبضه. وما لم يكن فأي جهة حصل فيها التفريط، فالمفرط هو الذي يضمن. المفرط هو الذي يضمن. أو المعتدي؛ لأن أحيانًا مثلا يحصل اعتداء من بعض المشترين، يأبى أن يقبض. كأن يعلم أن السلعة لا تأتي بشيء في هذا الوقت بعد أن تم البيع والشراء. فيتعمد عدم قبضه، إما رجاء زيادة السلع، أو كذلك توفيرًا للمكان الذي يضع فيه، أو غير ذلك من معاني الاعتداء. فإذا كان كذلك، فإنه إذا صاب هذا الزرع أو هذه السلع شيء، عليه الضمان. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الأملاك التي لم يتعلق بها حق للغير، فلا يجبر على تعميرها، وبين ما تعلق بها حق الغير، فيجبر على مجارات شريكه على التعمير اللازم. هذا في باب الشركات. مسألة أخرى فيها فروق، يعني فيها تفريق. من الفروق الصحيحة. يقول: الفرق بين الأملاك التي لم يتعلق بها حق للغير، فلا يجبر على تعميرها، وبين ما تعلق به حق الغير، فيجبر على مجارات شريكه على التعمير اللازم. على التعمير اللازم. مثاله: لو أن رجلا له شريك في بنيان عمارة أو بيت أو نحو ذلك، فمع مرور السنين تدهور هذا البيت، فاحتاج إلى إصلاح. وقرر أهل الخبرة أن مثل هذا البيت إذا لم يصلح انهدم. فطالب أحد الشريكين بالإصلاح، وامتنع الآخر. امتنع الآخر. فهنا يجوز للحاكم أن يجبر الشريك الآخر على التعمير؛ لأن هذا واجب في بقاء هذا البنيان لحق شريكه. بينما لو كان هذا له فقط، لو كان هذا له فقط، ما أحد يجبره. ما أحد يقول له: يجب عليك أن ترم من بيتك قبل أن ينهدم. إذا ما عنده ليس عليه شيء. لكن هل يدخل هذا في باب الإسراف؟ نعم. إذا كان يستطيع يجب عليه. أما الحاكم لا يلزمه؛ لأنه يدخل بمعنى الإسراف والتبذير، وقد نهي عن ذلك. «ولا تبذر تبذيرًا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورًا». بقي لو قال قائل: ماذا يصنع بمن لم يكن عنده استطاعة للتعمير؟ مثلا هذا الشريك غني، وهذا الشريك ليس بغني. ما عنده مال يعمر. فيقال: إذا كان كذلك، فالغني يعمر. وما كان من نصيب الشريك، فالشريك بالخيار: إما أن يسدد له ولو بعد حين إذا رضي ذاك الشريك، أو يبيع له من نصيبه بقدر ما يكون به سداد ما دفع عليه. وهكذا كذلك لو كان حتى ليس شراكة، مثل الجار مع جاره. إذا كان الجار بنى شيئًا فيه اعتداء على الآخرين، وهو يدخل في هذا المعنى، وهو ما يتعلق به حق للغير. يلزم هذا الجار الذي اعتدى على جاره أن يذهب الاعتداء. مثاله: رجل استطاع أن يبني أدوار كثيرة، وتحته بيوت قصيرة. فجعل سطح بيته أو نوافذ بيته تشرف على هذه البيوت القصيرة، فيه تكشف عليها. هنا يجوز للحاكم أن يلزم هذا الذي بنى بناء عاليًا أن يسد ما فيه تكشف على هؤلاء. ما يحتاج إلى رفع مثلا جدار، يحتاج إلى تطويل. يؤمر بتطويل هذا الجدار. أو نافذة تسد. فيقال: هذه الجهة التي فيها هذا الجار الواطي. أغلق النافذة أو ارفعها. لا تجعلها على مستوى التشرف. ترتفع. لا تكون على مستوى مثلا طول الإنسان. تكون فوق. أنت تريد الهواء. اجعل الهواء فوق. يدخل إلى بيتك من فوق. أما أن تكون على مستوى النظر. لا؛ لأن هذا فيه اعتداء على الجار. هذا الإلزام واجب دفعًا للضرر. «لا ضرر ولا ضرار». لكن إذا كان رجل ليس تحته أحد يتكشف عليه، هل يجوز الحاكم أن يجبره بمثل هذا؟ الجواب: لا. لا يجوز له أن يجبره على مثل هذا. وهذا هو قول رحمه الله: الفرق بين الأملاك التي لم يتعلق بها حق للغير، فلا يجبر على تعميرها. لا يجبر؛ لأنه ليس فيه اعتداء على أحد. وما يتعلق بها حق للغير، فيجبر على مجارات شريكه على التعمير اللازم. وهذه المجارات هل هو في الفضلة أم في الواجب؟ الجواب: في الواجب. ليس في الفضلة. لو أراد الشريك أن يزيد ثلاثة أدوار، أربعة أدوار، أو يجعل بلاط بأفخم أنواع البلاط، ويجعل كذا وكذا من أفخم أنواع النوافذ والأبواق. لا يلزم الشريك بذلك. لكن يلزم الشريك بما يدفع به ماذا؟ بما يدفع به الضرر فقط. «لا ضرر ولا ضرار». قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة قبول قول الأمناء كلهم في دعوى التلف بلا تفريق ولا تعد، سواء لهم حظ أم لا، بخلاف دعوى الرد، فيفرق بين المتبرع منهم، فيقبل قوله، وبين غير المتبرع فلا يقبل. وهذه مسألة أخرى كذلك من مسائل كتاب البيوع. وقد ذكرها العلماء في كتب الفقه، وفي كتاب البيوع خاصة. وهي ما يتعلق بقول الأمناء وتصرفاتهم. ومنهم الوكلاء، ومنهم النظار. الوكيل والناظر والوصي، وما كان بمعنى هؤلاء الأربعة: الأمين والوكيل والناظر والوصي، وما كان بمعنى هؤلاء الأربعة. فإنه يفرق بين هؤلاء بين هاتين المسألتين. المسألة الأولى: قبول قول الأمناء. ويدخل في معنى هؤلاء من الثلاثة: الوكيل والوصي والناظر. قال: كلهم في دعوى التلف. وقوله: كلهم، إشارة إلى التعميم. لا يفرق بين أمين وأمين. وهو يريد بذلك: سواء ما كان التلف بما يكون في ظاهره يعني الفعل منه أو عدم الفعل. ما دام غير مفرط وغير متعد. وسواء أكان يستلم أجرة أم لا يستلم أجرة. وهذا هو قوله: سواء لهم حظ. ومعنى الحظ أي الأجرة، وما كان بمعنىها أم لا. ومعنى لا يعني متبرع. ليس له حظ ولا أجرة. يقول: هؤلاء جميعًا ليس عليهم شيء؛ لأنهم من هم؟ أهل أمانة. فما دام أنهم وصفوا بالأمانة، سواء بلسان الحال أو بلسان المقال. لسان المقال: بأن ارتضاه أمينًا، فقال: أنت أمين. خذ هذه المهمة. ولسان الحال هو وقوعه في هذه المهمة، والرضى به أن يقوم بهذا العمل. فالأمين في هذا الموضع هو كل من حصلت بيده العين التالفة، سواء حصل ذلك باذن من الشرع أو حصل ذلك باذن من المالك. مثال الإذن من الشرع مثل الولي على مال اليتيم. الولي على مال اليتيم هو من هو؟ أقرب الناس إليه. هو أقرب الناس إليه. فهذا أمين بالشرع. أذن له شرعًا أن يكون أمينًا على مال اليتيم. وهكذا كذلك المأذون له من المالك، مثل الأمين أو الوكيل على مال. وضعه عليه إنسان آخر. إنسان مسافر. قال: يا فلان، أنت صديقي، وأرى أنك أهل لأن تقوم بأداء هذه الأعمال عني، والقيام بهذا المال. هذا أمين باذن مالكه. والاول باذن الشرع. فكل هؤلاء الأمناء إذا حصل منهم تلف في أيديهم، ما في أياديهم تلف بلا تفريط ولا تعدي، فإنه لا شيء عليهم. سواء لهم حظ أعطوا أجرة، أو ليس لهم حظ، أي لم يعطوا أجرة. ما دام أنه ليس فيه تفريط. وأما إذا حصل فيه تفريط، فيلزمه السداد. «لا ضرر ولا ضرار». قال: بخلاف دعوى الرد، فيفرق بين المتبرع منهم، فيقبل قوله، وبين غير المتبرع فلا يقبل. بخلاف إذا حصل خلاف بين هذا الأمين وصاحب المال، كاليتيم مع ولي مال اليتيم، أو صاحب المال ووكيله على هذا المال. قال: الذي عنده المال، أي الأمين: أنا رددت لك المال، ولم يأتي ببينه. وقال الذي له المال: أنا ما قبضت منك المال. الأصل ماذا؟ الأصل بقاء ما كان على ما كان. فما دام أن الأمين أثبت أن المال كان عنده، فعليه أن يثبت أن المال خرج من عنده إلى من؟ إلى صاحبه. فما دام أنه لم يأتي ببينه، فالأصل أنه لم يسدد هذا. لكن هنا العلماء فرقوا بين المتبرع وبين من؟ وبين غير المتبرع. فالمتبرع الذي يعمل هذا العمل بغير أجرة، إذا قال مثل هذا الكلام، فان الشرع يقبل منه ذلك. «ما على المحسنين من سبيل». «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟». وأما الذي يأخذ أجرة، فإنه إذا لم يأتي ببينه، فالمالك له الحق أن يطالب بالمال منه، والحاكم يلزمه بالسداد. وذكر العلماء لهذا عمومات. ومنها ما سمعتم. وتفصيل هذا مر معنا معناه في كتب الفقه. طيب. نكتب بهذا القدر. وإلى هنا والله تعالى أعلم.