تعليق - الرد على الأخنائي 5

تعليق - الرد على الأخنائي 5

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 5، الدرس الخامس : من : (والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة ... وهذا مبسوط في مكان آخر). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التفريق بين زيارة المسجد النبوي وزيارة قبر النبي

يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين قصد زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه وبين قصد زيارة قبر النبي، ويبين أن السفر إلى المدينة يجب أن يكون بقصد الصلاة في المسجد النبوي. يحذر من البدع والشرك حول قبر النبي.

تحليل مفهوم زيارة قبر النبي وتوضيح الشروط الشرعية للزيارة

يناقش مفهوم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويفرق بين الزيارة المشروعة وغير المشروعة، ويوضح أن بعض البدع قد تصل إلى الشرك الأكبر. يشير إلى أن السلف لم يسمحوا بدخول الحجرة للناس حتى للصحابة.

حكم السفر لزيارة قبر الرسول وتوضيح المقصود شرعاً

يناقش حكم السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤكد أن السفر إلى مسجده هو المقصود شرعاً. يُبيّن أن قصد القبر دون المسجد لا يُعتبر مشروعاً، وأن من يفعل ذلك إما جاهل أو كافر.

الإجماع على حكم الحديث وتوضيحه

أشار المجيب إلى وجود إجماع بين العلماء على حكم هذا الحديث، وقد تم بسط هذا الموضوع في مكان آخر من الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في الرد على الأقناء: والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة، فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد، وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر، واعتقد أن السفر إليه تبع للقبر، كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء المساجد التي عندهم، فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد المرسلين، وما سنه لأمته الغر الميامين. بخلاف الذي قصد المسجد، وإلا فمن جهة العمل، لا يمكن لأحد أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة، إنما يفعل ذلك في المسجد. فمن فعل فيه سنة حمد عليها وأجر عليها، ومن فعل فيه بدعة ثم ونهي عنها، ففي الصحيحين عنه أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره، فإنهم دفنوه بالحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم، خوفا أن يتخذ مسجدا. ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته. ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر، فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور. ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه، فقال: تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك، ولعلق بهذا الاسم حكما شرعيا. وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له، ولفظ لا حقيقة له. وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين. ومع هذا فلم يريد به ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده. ولو قدر أنه وقف في الطريق من جهة المشرق وفعل ما فعل، لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء. وإذا كان لابد للزائر من المسجد، فالمسجد نفسه يشرع إتيانه، سواء كان القبر هناك أو لم يكن. وكل ما يشرع فيه من العبادات، فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن، وسواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه صلى الله عليه وسلم، أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف. مع أنه لا بد في ذلك من ذكر الرسول بالشهادة له والسلام عليه، وكذلك الصلاة عليه. وهذه العبادات وغيرها وحقوقه وغير حقوقه، هي مشروعة في جميع المساجد، وإن لم يكن هناك قبره، بل في جميع البقاع إلا مستثناه الشر. وإذا كان السفر الذي يسمى زيارة لقبره، إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى غيره، وكان ما شرع فيه مشروعا في ذلك المسجد وفي غيره، وإن لم يكن القبر هناك، لم يكن شيء من ذلك مشروعا لأجل القبر، ولا مختصا به. وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصة بالقبر، فذلك ليس بمشروع، بل هو منهي عنه. يريد رحمه الله تعالى أن يبين كذلك في مقدمة هذا الرد التفريق بين من قصد زيارة القبر، وبين من قصد زيارة المسجد وكان القبر تبعا. فهذا الثاني لم ينكره شيخ الإسلام التيمية رحمه الله، وإنما أنكر الأول. وبمعنى الأول أن يأتي إلى المسجد ويظن أن إتيانه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لأجل القبر، فهذا بمعنى الأول المنهي عنه، ولو كان هو يقول: أنا أريد المسجد، فإذا ظن أن إتيانه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لأجل القبر، فهو كذلك من المنهي عنه. وبين رحمه الله تعالى معنى ذلك، وسيبين إن شاء الله ما يؤيد ذلك من فهم السلف ومن الأدلة الشرعية التي تدل على ذلك. وألمح رحمه الله تعالى إلى أن السلف فرقوا بين قبره عليه الصلاة والسلام وقبور سائر الناس. ولا شك أن هذا التفريق ليس لأن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل وأدنى منزلة من الناس، كلا وحاشا، بل ولكن كان هذا التفريق لأنه أعلى وأرفع منزلة، احتياطا من أن يغلو في قبره عليه الصلاة والسلام. فلأجل سد ذريعة الشرك والافتتان بقبره عليه الصلاة والسلام، شدد الصحابة والتابعون ومن بعدهم في أمر قبر النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، وقبور الأنبياء كذلك شددوا في ذلك سدا لذريعة الشرك. وكذلك كما سيأتي لأن مقام النبوة هو بأصل النبوة لا بذات النبي عليه الصلاة والسلام، حتى لا يحصل الغلو في ذاته عليه الصلاة والسلام كما سيأتي التنبيه عليه. ثم أشار رحمه الله أنه مع هذا كله ينبغي أن يعلم أن الزائر في المسجد، ثم الزائر للقبر تبعا، ينبغي عليه أن يحذر من البدع، وأن فعله لا بد أن يفعل على وجه السنة. وأشار إلى حديث عليه في الصحيحين: «أن من أحدث أي في المدينة حدثا أو آوى محدثا، والحدث يشمل المعصية ويشمل البدعة من باب أولى، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». وهذا وعيد شديد، فكيف بالشرك الأكبر الصراح والعياذ بالله. وهذا ما سينبه عليه. قال: فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى زيارة لقبره، وأن هذا الاسم لا مسمى له. والذين أطلقوا هذا الاسم، إن أرادوا به ما يشرع، فالمعنى صحيح، لكن عبروا عنه بلفظ لا يدل عليه. ولهذا كره من كره أن يقول لمن سلم عليه هناك: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وإن أرادوا ما لا يشرع، فذاك المعنى خطأ مفهوم. ومع هذا فليس هو زيارة، فلو قدر أن بعض الناس أشرك في مسجده به واتخذه إلها، وسجد للقبر وطاف به سبعا واستلمه وقبله، لم يكن شيء من ذلك زيارة لقبره، وإن كان محرما. فهذا لفظ لا حقيقة له، بل يقال لمن أطلقه: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان. ويريد رحمه الله تعالى كذلك أن يفرق بين الزيارة المشروعة والزيارة غير المشروعة. وأن بعض الناس يأتي فيزور بالبدع، وهذه البدع بعضها شرك أكبر، وليست كل البدع شرك أصغر. ومن الشرك الأكبر ما أشار إليه رحمه الله من السجود والطواف ونحو ذلك. وبعضها من الشرك الأصغر. وأراد كذلك أن يبين رحمه الله أن هناك خطأ في المفهوم، مفهوم بعض الناس، وهو تسمية إتيانهم إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام زيارة. فهذه ليست بزيارة، بل هو تسليم. وسيأتي من كلام لإمامه أن نهي عن تسمية ذلك زيارة. وكل هذا تجديدا وحفظا لمقام النبوة، ألا يكون فيه شيء من الغلو الذي أوقع السابقين من أهل الكتاب في الشرك. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيشير إلى معنى هذا قوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيدا، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». حديث أبي هريرة. ومعنى حديث علي بن الحسين: «فتبلغني حيث كنتم»، في إشارة إلى هذين المعنيين السابقين، وهو عدم الاحتفاء بقبره احتفاء يكون فيه الغلو، فإن ذلك ممنوع بالشرع سدا لذريعة الشرك والثاني أن مقام النبوة بأصل مقام النبوة لا بشخصه عليه الصلاة والسلام. فلا حاجة أن يجتمع الناس ويحتفوا بقبره عليه الصلاة، للسلام عليه. وهذا ما لم يفعله السلف، بل ونهوا عنه. وكما مر لم ينقل أنهم كانوا يسمحون للناس بالزيارة لقبره فيدخلون الحجرة، بل كانوا يمنعون جميع الناس من الدخول للحجرة حتى الصحابة. فإنه كان يؤذن لعمر فقط بالدخول على النبي عليه الصلاة والسلام. وبعد أن دخل عمر ودفن بعدما أوصى أن يدفن مع النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر، تركت الحجرة وأغلقت، ولم يدخل إليها. وهذا كله سدا لذريعة الشرك. ولهذا كان من تخصيص الرب سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، أن السلام يبلغه حيث كان، تأخذ الملائكة هذا السلام وتبلغه إياه. حتى لا يطمع أحد في الإتيان إليه وإلى شخصه، فيكون في ذلك الوقوع في ذريعة الشرك. الله أعلم. قالوا: هذا بخلاف قبر غيره، فإنه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما عليهم من حق النبي صلى الله عليه وسلم. ولا أمروا أن يصلوا عليهم ويسلموا عليهم حيث كانوا، كما أمروا بذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم. مع أنهم حيث صلوا وسلموا عليه، بلغه صلاتهم وسلامهم. ولا يختصوا بيته بذلك، كما جاءت بذلك الأحاديث. وغيره يستحق أن يزار، فيوصل إلى قبره فيدعى له. والصلاة على القبر مشروعة لمن لم يصل على الميت عند أكثر العلماء، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. وهم متنازعون إلى كم يصلى على القبر. وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى عليه أبدا. واتفقوا على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه، كما لم يصل عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن. فهذا لعلو قدره، لا لخفضه عن غيره. فإنه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر. والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثنا وعيدا. والرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون محبة المؤمنين له وتعظيمه له، وصلاته وسلامه عليه، وسائر حقوقه، موجودة معه في جميع البقاع، لا يختص القبر بشيء من حقوقه. فمن قص القبر بشيء من حقوقه، وقصر فيه عند غير القبر، فهو مقصر في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، مريد لما نهي عنه من اتخاذ قبره عيدا. وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع. وكذلك ما يفعل عند قبر غيره من الزيارة، وعند قبره ليس بمأمور، ولا مقدور لعلو قدره، واقتصاصه بما ميزه الله على غيره صلى الله عليه وسلم. كما خص بأن دفن في الحجرة، ولم يبرزوا قبره. فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب: السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء، هل هو محرم أم مباح؟ ونحو ذلك، لا يتناول قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالنية فقط، كما قال مالك. وإلا فذلك أمر ليس بمقدور، وما ليس بمقدور، فهو بالضرورة ليس بمشروع، ولا مأمور به. وأما السفر المشروع إلى هناك، فهذا لا يدخل في هذا اللفظ قطعا، فإنه ليس سفرا لمجرد زيارة قبره، لا من جهة الفعل، ولا من جهة القصد. ومما يبين هذا أن جميع من يسافر لزيارة قبره، إنما يصل إلى مسجده، ويصلي فيه. لكن من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو إلى المسجد، وأن القبر محجوب. ومنهم من قد عرف ذلك، لكن قد يظن أن المسجد بني لأجل القبر، كما يبنى على بعض القبور مساجد لأجلها. فيأتي الزائر فيصلي فيها أولا تحية المسجد أو غيرها، والمقصود هو القبر. وهؤلاء منهم من لا يعرف أن مسجده محترم معظم، يقصد لنفسه لا لأجل القبر. ومنهم من لا يعرف أن الصلاة فيه بألف صلاة. ولأن السفر مشروع إليه، كما يشرع إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى. بل يظن كثير منهم أن السفر إنما هو لأجل القبر، ولا يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع، مستحب، مرغب فيه. وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا. وأن الصلاة فيه بألف صلاة، سواء كان عنده القبر أو لم يكن، كما كانت هذه الفضيلة ثابتة له في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من غيرهم. وكانت الهجرة واجبة له في حياة الرسول قبل فتح مكة على المسلمين، أن يهاجروا إلى المدينة دار الهجرة ودار السنة ودار المصرة. ومن كان بها، كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي، ولو لم يكن إلا الجمعة. فإن الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة، ولم يكن على عهده بالمدينة مسجد يصلى فيه الجمعة إلا مسجده. وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذن فيه وأقيمت فيه الصلاة. فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه، وفضيلة السفر إليه، وهو يريد السفر إلى القبر، ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده. فهذا لابد إن كان مؤمنا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يقصد السفر إلى مسجده. وإن قصد مع ذلك القبر، لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته، العالم أن المسافر إلى هنا يصل إلى مسجده، لا يتصور مع هذا العلم والمعرفة والإيمان، ألا يقصد السفر إلى مسجده. بل لا يقصد إلا مجرد القبر، بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر، إما أن يكون جاهلا بشريعته وفضيلة السفر إليه، أو جاهلا بالحال، لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده. أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على التقوى، مقصود معظم قبل حصول القبر. فإنه لم يبن لأجل القبر، ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله. فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر، إلا من يكون جاهلا بهذا أو بهذا أو بهذا. وإن كان عالما بذلك كله، مع هذا ليس قصده إلا السفر إلى القبر، كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم. والسفر إلى المسجد ليس له عنده حرمة، ولا يعتقد فضيلته، ولا يفقد السفر إليه، ما علمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم رغب في ذلك وبيّن فضل مسجده. فهذا لا يكون إلا كافرا بالرسول. ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة أولى من قصد المساجد. والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر. ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة، ويقول: هذه القبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول، بما جاء به الرسول، ومن الشرك برب العالمين. لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يساويه خلافه. بل إنما يفعل هذا من كان جاهلا بسنة الرسول، أو من يجعل له طريقا إلى الله غير متابعة الرسول. مثل من يجعل الرسول مبعوثا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقا أفضل من طريقة الرسول، ونحو ذلك. وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم. ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر الرسول، ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم، ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفا، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته، وسلوك سبيله واتباع ما جاء به. وهذا نعت المؤمن به والمؤمنون به، لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده، ما علمهم أنهم يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها، دعاهم الإيمان به إلى متابعته صلى الله عليه وسلم تسليما. والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بالسفر لزيارة قبره. فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام من أئمة المسلمين، أنه قال: يستحب السفر لمجرد زيارة القبور؟ أو أنه يستحب السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده أو بدون دخوله؟ هل قال هذا أحد؟ أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد، مع أنه إنما يصل إلى المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع، والصلاة فيه مفضلة؟ فهل قال مسلم: إن هذا المستحب بالنص والإجماع، مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، وإنما قصد مجرد القبر، يكون هذا السفر مستحبا بنص أو إجماع؟ أو هل قال ذلك إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؟ وإن لم يكن هنا نص ولا إجماع، وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه، مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، إلا من هو جاحد بدينه أو كافر بما جاء به؟ فإن هذا ليس عليه في النية خلفة أصلا، فإنه إذا كان لابد له من الوصول إلى المسجد، ومن ثم الصلاة فيه، لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر. فإذا لم يقصده، فإنه يكون جاهلا بأن ذلك مستحب مشروع، كما يوجد عليه كثير من الجهال، يظنون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر، والسفر إلى المسجد تبع للقبر. فإذا عرف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته، ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، فإن الله يوليه ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيرا. قال: فإذا لم يعرف أن إماما من أهل الاجتهاد، قال: إنه يستحب السفر إلى مجرد القبر دون المسجد، وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد، وإن سفره مشروع، ثم لا يقصد ذلك، فيكون سفره مشروعا مستحبا. هذا مما يقطع لأنه لا يقوله عالم. فإذا لم يثبت ذلك، سلم الإجماع المذكور. أو سلم الإجماع المذكور، وإن قدر أن هذا قول ثالث، كان ذلك قولا خفيا قاله بعض المتأخرين، لم يبلغ المجيب. والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث، وفي هذه المسألة. وهذا مبسوط في مكان آخر في هذا الحديث.