الدرس في شرح الأصول الثلاثة 20، الدرس العشرون : (27 جمادى الأول 1432هـ) (وملائكته ... إنا كل شيء خلقناه بقدر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بالحديث عن أركان الإيمان، مركزًا على الإيمان بالملائكة وكتب الله ورسله، ويشرح تفاصيل الإيمان بهم وتفاصيل أخبارهم وأوصافهم. يُؤكد على الإيمان بجميع الرسل والكتب السماوية وتفاصيل الإيمان بها.
الإيمان بالرسل يشمل الإيمان بأولي العزم منهم وبالأنبياء والمرسلين الآخرين، والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بما بعد الموت من نعيم وعذاب وقيامة، والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله وكتابته ومشيئته ومشيئة العبد.
يشرح المقطع مفهوم الإيمان بالقدر وعلاقته بأفعال العباد، ويبين أن أفعال العباد مخلوقة لله ولا تنافي إثبات مشيئة العبد التابعة لمشيئة الله. كما يوضح أن الشر لا يضاف إلى الله إضافة وصف بل إضافة خلق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما أخذناه من شروط الإيمان، وأظن آخر ما أخذناه هو ما يتعلق بالإيمان بالله. ثم قال رحمه الله: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». فمن أركان الإيمان الإيمان بالملائكة، إيمانًا مجملًا ومفصلًا. فنؤمن بهم كما أخبرنا الله عز وجل بأوصافهم في كتابه، وهكذا كذلك بما صح بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فنؤمن بوجودهم جميعًا، من علمنا وصفه على وجه الإجمال أو اسمه على وجه التفصيل، كل بعمله وما خلق له. فلله ملائكة، من أوصافهم كما أخبرنا الله عز وجل عنهم: «أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون»، وأنهم عباد مكرمون، خلقوا من نور. ومن بعض تفاصيل أخبارهم: الإيمان بما جاء من أخبار جبريل عليه الصلاة والسلام، رسول رب العالمين إلى رسله من الأنبياء والمرسلين، كما قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ونثبت كذلك ميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان وغيرهم من الملائكة، ممن أخبرنا الله عز وجل بأخبارهم، منهم مفصلًا معينًا ومنهم مجملًا. وهناك ملائكة في السماء وملائكة في الأرض، وملائكة تكتب أعمال العباد، وملائكة تحضر الصلوات، وملائكة تحضر مجالس الذكر، وغير ذلك مما أخبرنا بأخبارهم، نؤمن به جميعًا. وهكذا من الإيمان: الإيمان بكتب الله. فنؤمن بكل كتب الله جملة وتفصيلًا، مما أنزلها على أنبيائه ورسله من السماء. فنؤمن بوجودها ونزولها من عند الله سبحانه، ونؤمن بما فصل من بعض أخبارها. فنؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وهو مهيمن على جميع الكتب، ختم الله به الكتب كما ختم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أنزل عليه القرآن سائر الرسالات والنبوات. ومن الإيمان بالكتب: الإيمان أنها كلام الله منزل من عنده، ليست مخلوقة، كما قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وغير ذلك من تفاصيل كثيرة تتعلق بالإيمان بهذه الكتب. ومن ذلك: الإيمان بما نزلت به من أحكام وأخبار، أحكام محكمة حكيمة وأخبار صادقة. وأن التوراة والإنجيل والزبور الذي في يد أهل الكتاب قد لحقه التحريف والتبديل، كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه القرآن، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن الإيمان: الإيمان برسل الله. فنؤمن بهم كذلك جملة وتفصيلًا، إيمانًا مجملًا وإيمانًا مفصلًا. فنؤمن بجميع رسل الله الذين أخبرنا عنهم على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل، نؤمن بوجودهم وصدق ما أخبرنا عنهم في الكتاب وصحيح السنة، وما نزلت به كتب الله. فنؤمن بكل الرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم محمد، وأن الله ختم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم سائر الرسالات والنبوات، وبعثه بدين ينسخ كل الأديان، فلم يبق إلا ما جاء به دين الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ومن الإيمان بالرسل: الإيمان بأولي العزم منهم، أولي العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كما أخبرنا بذلك في كتاب الله، ومعناه في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الإيمان بالرسل: الإيمان بغيرهم من الأنبياء والمرسلين، ممن سمى الله في كتابه أو صح في سنة رسوله، وهكذا من لم يسم في النصوص، نؤمن بهم مجملًا، كما قال جل وعلا: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. فالإيمان بهم فرض واجب. ونؤمن أنهم عباد لله صادقون، أخبروا بكل ما أمرهم الله به، فهم عباد لا يعبدون ورسل لا يعصون. ثم قال رحمه الله تعالى: «واليوم الآخر»، أي: من الإيمان، من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر. والمراد باليوم الآخر: هو كل ما بعد الموت مما يكون للعباد، سواء من نزع الروح وما يلقاه في نزعه، وما يكون له بعد ذلك في قبره، وما يكون له في الحياة البرزخية من ورود الأرواح في الجنة أو النار، وما يكون لها من نعيم أو عذاب، وما يكون بعد ذلك من النفخ في الصور والبعث والنشور واجتماع الناس لأرض المحشر، وغير ذلك من تفاصيل كثيرة مجملة ومفصلة، حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فهذا معنى الإيمان باليوم الآخر، وسمي اليوم الآخر لأنه ليس بعده يوم. ويتضمن الإيمان باليوم الآخر، كما مر معنا: الإيمان بكل الغيب مما يكون بعد الموت. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة: أن جماعة من العرب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن القيامة، فقال: «سكت ثم قال: إيمت هذا؟» وأشار إلى أصغرهم، قال: «تقوم قيامتكم». ومعنى أن موت كل إنسان يكون به قيام قيامته. وقد جاء في أدلة الكتاب والسنة ذكر تفاصيل كثيرة عن أخبار اليوم الآخر، من أمر البرزخ والحساب والميزان، وقبل ذلك نعيم وعذاب القبر، وبعث الأجساد وإعادتها كما كانت بعظامها وأعصابها وعروقها ودمها، والإيمان بالجنة والنار، وأن ثواب الله وعقابه يقع على الروح والجسد معًا، على ما كان من سابق الطاعة أو المعصية، فإن ذلك صدر من الروح والجسد معًا، فكذلك يكون النعيم والعقاب عليهما معًا. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على معنى ذلك، وهو يقتضيه كذلك القياس الصحيح. وهكذا كذلك: الإيمان بالقدر خيره وشره، من أركان الإيمان. فنؤمن بالقدر كما جاء في الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا. والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة أشياء: الإيمان بعلم الله، بأن الله عز وجل علم بالأشياء قبل وجودها ووقوعها. ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بما أمر الله بكتابته في سابق علمه، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: أكتب. قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». بل قال الله سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. وهكذا من الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله ومشيئة العبد. فللعبد مشيئة يفعل بها ما يشاءه ويختاره، ومع ذلك لا تخرج عن مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا تنافي بين إثبات القدر والاختيار للعبد، مع كونها تابع لمشيئة الله. فلا يعني كونها تابع لمشيئة الله أن الله قد علم بها وأمر بكتابتها، أن ذلك يعارض كونه باختيار العبد. ولكن هذا يؤكد ربوبية الرب جل وعلا، فلأنه الرب حقًا سبحانه وتعالى، فهو علم بالأشياء قبل وقوعها، وأمر بكتابتها، ولم يكن في ملكه سبحانه وتعالى إلا ما يشاء. ويضرب العلماء لهذا مثالًا يقربون به المعنى، وإلا فلله المثل الأعلى. فلو أن أبًا أمر أبناءه بأمر يمتحنهم من يطيعه ممن يعصيه، فلكمال أبوته وقوة معرفته وخبرته بأبنائه، أخبر بأن فلانًا وفلانًا منهم سيطيع، وفلان سيعصي، فوقع بمثل ما أخبر، فهل يصح أن يحتج هذا الولد العاصي حتى لا يؤاخذ على معصيته بما أخبر به الأب؟ في الحقيقة: كل منصف يعلم أنه لو احتج بذلك لاستحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل معصيته، والمرة الثانية لأجل مخاصمته بالباطل، واستدلاله بما لا يصح الاستدلال به. ولله المثل الأعلى، فلا يجوز للعاصي أن يستدل على معصيته بالقدر، فإنه لو استدل على معصيته بالقدر، لقيل له: أنت تستحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل معصيتك، فأنت تعلم أنك فعلتها بمحض إرادتك، والمرة الثانية تستحق العقوبة لأجل استدلالك ومخاصمتك بالباطل، بما لا تصح المخاصمة والاستدلال بها. ويذكرون قصة في هذا المقام كذلك، يراد منها تقريب المعنى وتوضيحه في القدر. فقيل: إن رجلًا سنيًا كان ينصح صديقًا له قدريًا، وهو منكب على المعاصي، أي: القدري. فكلما نصحه، قال القدري: «قدر الله علي ذلك، إنما أفعل ما شاءه الله لي». فغضب مرة السني، فصفعه صفعة قوية حتى آلمه، فغضب القدري، فقال: «لما صفعتني؟» قال: «قدر الله علي ذلك وشاءه الله لك». فقال: «كذبت، إنما فعلته أنت». قال: «لما فعلت ذلك؟» قال: «قدر الله علي». قال: «كذبت». قال: «إنما فعلته من نفسك». فقال: «وكذلك أنت فعلت معصيتك من نفسك». فأوصل هذا القدري إلى تكذيب نفسه بهذا الفعل، وبه يعلم أنه لا يصح لا عقلًا ولا فطرة ولا شرعًا الاستدلال بالقدر على المعاصي. والناس في القدر طرفان ووسط. فالجبرية زعموا أن العبد كريشة في الهواء، ليس له أي اختيار، وقد أخطأوا وظلموا في هذا. فهم أثبتوا مشيئة الخالق ونفوا مشيئة العبد. والقدرية النفاة أثبتوا مشيئة المخلوق ونفوا مشيئة الخالق، ظنًا منهم أنه لا يمكن اجتماع المشيئتين. والحق والصواب ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة من إثبات المشيئتين، على ما سبق: مشيئة للعبد تابعة لمشيئة الله، لا تنافي اختيار العبد. ومن الإيمان بالقدر، رابعًا: الإيمان بأن أعمال العباد وأفعالهم مخلوقة لله. فهم مخلوقون لله، وأعمالهم كذلك مخلوقة لله، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وما ها هنا مصدرية، ومعناه: والله خلقكم وعملكم. خلافًا لما قاله القدرية النفاة، حين زعموا أن أعمال وأفعال العباد غير مخلوقة لله. وزعموا أنهم ينزهون الرب عن خلق الشر، لأن العبد يخلق الشر، لأن العبد يفعل الشر. وهذا غير صحيح. فالشر لا يضاف إلى الله عز وجل إضافة وصف، ولكنه يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق. ففي حديث علي، قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «والشر ليس إليك». وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فأضاف الشر إلى الله إضافة خلق. والحديث نفى إضافة الشر إلى الله إضافة صفة. وبهذا يجتمع المعنى الصحيح، الحق العدل في هذا الباب. فالشر لا يضاف إلى الله وصفًا، ولكنه يضاف إليه خلقًا. وتقدم أن الله خلق العباد وأعمالهم، ولا ينافي ذلك كون الأعمال أعمال العباد، فيها شيء من الشر. والشر لا يضاف إلى الله وصفًا، لأنه يضاف إليه خلقًا. وهناك تفاصيل كثيرة في باب القدر، لكن هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب من الإيمان بالقدر. وكما يروى عن علي رضي الله عنه: «أن القدر سر الله». ومعناه: شيء من الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وهناك تفاصيل أعلمنا بها، وجب الإيمان بها كما علمناه. ولهذا فإننا نؤمن بكل ما جاءت به النصوص جملة وتفصيلًا. ومن ذلك: أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. والله تعالى أعلم.