مفيد المستفيد 31

مفيد المستفيد 31

الدرس في مفيد المستفيد 31، الدرس الحادي والثلاثون:من( فقال تعالى ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ... من كلام أبي العباس رحمه الله في الرسالة المذكورة وهي طويلة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم العبادة على حرف وعلاقتها بالفتنة

يناقش مفهوم العبادة على حرف وعلاقتها بالفتنة، حيث يشير إلى أن الإيمان الصادق يمتحن بالجهاد والصبر. من يعبد الله على طرف غير ثابت في إيمانه ينقلب عند الفتنة لعدم ثباته.

الامتحان والابتلاء وتمييز المؤمن الصادق

الآيات القرآنية تدل على ضرورة الامتحان والابتلاء لتمييز المؤمن الصادق، والثبات على الحق مطلوب رغم الرخص الشرعية. يجب الحذر من أن تؤدي الرخصة إلى مفسدة أكبر.

أهمية الصبر والشكر في مواجهة المحن

المؤمن الحقيقي يجمع بين الصبر والشكر، حيث يحميه الصبر من فتنة الشدة والشكر من فتنة الرخاء. الثبات في مواجهة المحن العظيمة يختبر إيمان المؤمنين.

موازنة الشدة واللين حسب الحاجة

الشدة تكون في موضعها واللين في موضعه حسب الحاجة، بدليل الأدلة الشرعية وسيرة العلماء العاملين. كل شيء يُفعل بحسب الحاجة إليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد، في سياق ذكره لرسالة شيخ الإسلام بن تيمية، رحمه الله، إلى إخوانه حين أشاروا إليه بالرفق بما يتخلص به من السجن الذي كان فيه. قال رحمه الله تعالى في سياق ما نقلهم عن شيخ الإسلام: قال فقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. فأنكر سبحانه على من ظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب. ومر معنا الكلام على هذا. قال: وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. فإذا كان كذلك، علما أن ثبوت الإيمان للمؤمن يكون بتمحيصه وصبره فيما يمتحن به، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله، الجهاد بالسيف والسنان، والجهاد بالحجة والبرهان. قال رحمه الله تعالى: وأخبر سبحانه وتعالى بخسران منقلب على وجهه عند الفتنة الذي يعبد الله على حرف، يعني وهو حاله كذلك عبادته لله على حرف. قال: وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه. الحرف هو طرف الشيء، ومن يجلس على طرف الشيء يكون على خطر. وهكذا حال من كان إيمانه ليس ثابتًا، فعبادته لله على حرف، فبمجرد أن يفتن ينقلب لأنه يريد دين فيه رخاء، ما يريد دين فيه فتنة وتمحيص وابتلاء. ومن كان هذا حاله فمثله كمثل من يعبد الله على حرف كما ذكر. قال رحمه الله: هو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا. فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وهذه الآيات كلها تدل على أن من ظن أن إيمانه يبقى له من دون امتحان ولا ابتلاء ولا تمحيص فهو مخطئ، فلابد من وقوع الامتحان والتمحيص الذي يميز به بين الصادق والكاذب والمؤمن وغيره، وترفع به درجات ويكشف به كذلك أهل دركات. قال: وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلابد من وجود المحبين بين المجاهدين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: فهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان. كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا كان كذلك، علم أن من سنة الله الامتحان والابتلاء، فلا ينبغي لإنسان أن يتنازل عن حق فرارًا من الامتحان والابتلاء. فإن الثبات على الحق مطلوب، وليس معنى ذلك أن الشرع يحرم دفع الضرورة، فالشرع أجاز دفع الضرورة بالرخص الشرعية، مثلًا قول كلمة الكفر دفعًا لضرورة القتل إذا اطمأن القلب بالإيمان جائز، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. لكن إذا صار ذلك يتبعه فعل الكفر أو كذلك إضلال الناس، فهنا لا يكون ذلك جائزًا. وعلى هذا يحمل ما صدر من الإمام أحمد وما أنكر به على غيره، لأن مثل هذا سبب لترتب مفسدة أكبر. وإنما جعلت الرخص من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع ما هو أشد ضررًا. الرخص لو تأملتها في الشرع هي من ارتكاب أخف المفسدتين، لكن إذا كانت الرخصة ستوصل إلى مفسدة أكبر، فهنا لا يجوز أن يترخص بالرخص. فدين الله وسط بين الغالي والجافي، وبين فعل الجاهل وهكذا كذلك المتعالم المفرط، فينبغي أن ينتبه لمثل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: فإذا أنعم الله على إنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضى له من القضاء خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له». يعني معنى الحديث: إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا له. ثم قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: «وليس ذلك إلا للمؤمن». المؤمن فقط هو الذي يكون حاله هكذا. وقول: «ليس ذلك إلا للمؤمن»، ليس معناه أن من كان غير كذلك فهو كافر لا، لكن معناه أن إيمانه ماذا؟ ناقص، ليس كامل. قال رحمه الله: والصبار الشكور هو المؤمن الذي ذكر الله في غير موضع من كتابه، يعني الذي هو كثير الصبر والشكر. عندكم المشكور، ولكن ظاهر أنه الشكور. قال: هو المؤمن الذي ذكر الله في غير موضع، يعني ذكره الله في غير موضع من كتابه. ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال، يعني بسبب أنه لم يوفق إلى الصبر وإلى الشكر. قال: وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي به إلى قبيح المآل، لأنه ليس بصابر ولا شاكر. فالصبر يحميه من الضراء، يعني من فتنة الشدة، والشكر يحميه من فتنة الرخاء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. فالفتنة تكون بالخير التي ينبغي أن تقابل بالشكر، وتكون بالشر، أي فيما يظنه الإنسان، وليس في أفعال الله شر، فالشر ليس إليه جل وعلا، ويدفع ذلك بالصبر. قال رحمه الله: فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي يمحن الأنبياء والصديقين، ومنها تثبت أصول الدين وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان؟ يعني هذا من أعظم ما ينبغي أن يثبت عليه من يبتلى فيه، لأنه أعظم ما يحتاج إلى صبر وشكر، لأن عدم الصبر في مثله سبب لضياع الدين. ويشير رحمه الله إلى ما ابتلي به وما طلب منه من أرسل إليه الكتاب كما قرأنا في أوله من الأخذ بالرخصة والترفق بما يكون سببًا في خروجه من السجن، رحمه الله تعالى. قال: فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، يعني على ما هو فيه. فما هو فيه في الحقيقة من الصبر ومن المحن التي ابتلي بها الأنبياء والصديقون، فينبغي عليه أن يصبر وأن يثبت. قال: والله المسؤول أن يثبتكم، وسائر المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمه عليكم الظاهر والباطن، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين المنافقين الذين أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين. ويشير بذلك إلى أن ما كان مقام يحتاج إلى مجاهدة فينبغي أن تكون الشدة، وليس معنى ذلك أن الشدة تكون في كل حين، محال لا، فإن الشدة في موضعها تنفع كما أن الرفق واللين في موضعه ينفع، وكل شيء بحسب ما يحتاج إليه، بدليل عليه الأدلة الشرعية، وبما سلكه العلماء العاملون العارفون علمًا وعملًا. قال رحمه الله: انتهى ما نقلته من كلام أبي العباس، رحمه الله تعالى. طيب، نكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.