حلية طالب العلم  6

حلية طالب العلم 6

الدرس في حلية طالب العلم 6، الدرس السادس:من( 3-كن على جادة السلف الصالح ... فالزم السبيل ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية التزام منهج السلف الصالح

ينبغي على طالب العلم الالتزام بمنهج السلف الصالح في جميع أبواب الدين وتطبيق السنن. هذا الالتزام يحقق الخير لطالب العلم في مسيرته العلمية والعملية.

علامات الالتزام بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق السنن

من علامات الالتزام بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرص على فهم وتطبيق السنة، واتباع سبيل المؤمنين، وترك الجدال والمراء. كما يتضمن توظيف السنن في مختلف جوانب الحياة.

معنى السلفية والتحذير من الانحرافات الفكرية

يتمثل معنى السلفية في اتباع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحذر من علم الكلام واتباع أهل الأهواء. أهل السنة والجماعة هم المتبعون لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم وهم خير الناس.

خلاصة المبحث ووجوب اتباع طريقة السلف

خلاصة المبحث تتمثل في وجوب اتباع طريقة السلف الصالح علمًا وعملًا لتحقيق الخير لطالب العلم. هذا الاتباع يحقق الخير في طريقه لطلب العلم.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لهذا الفصل المتعلق بآداب الطالب في نفسه، قال رحمه الله تعالى: «كن على جادة السلف الصالح». قال: «كن سلفيًا على الجادة»، على الجادة، طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم، ممن قفى أثرهم في جميع أبواب الدين، من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام، وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع. قال الذهبي رحمه الله: «وَصَحَّ عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إليَّ من علم الكلام». قلت: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام، ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا. ويشير رحمه الله تعالى إلى أن الذهبي علق على قول الدارقطني أن علم الكلام من أبغض الأشياء إليه، مع أنه لم يعرفه ولم يدخل فيه ولم يخض به، وكل هذا إثباتًا على الثبات الذي ينبغي أن يكون عليه حامل العلم وصاحب الدعوة السلفية. قال رحمه الله: «وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة، المتبعون آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أهل السنة نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس». فالزم السبيل ولا تتبع السبل، فتفرق بكم عن سبيله. هذه الخصلة والصفة من الصفات التي ينبغي على طالب العلم أن يحافظ عليها في نفسه، وهو أن يكون عنده روح الثبات والحرص على منهج السلف الصالح في قوله وفي عمله وفي اعتقاده، أن يكون حريصًا حريصًا على هذا المنهج السلفي الذي يحرص عليه أهل العلم، ويعلم أن أهل العلم لم يأمروا بذلك إلا لعلمهم أن في ذلك سلامة المسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا. لأن الإسلام الحق الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم هو المتمثل بما كان عليه السلف الصالح من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمن بعدهم، ممن قفى أثرهم، وفي جميع أبواب الدين كما أشار إليه: من التوحيد والعبادات ونحوها. ودليل ذلك قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، فبينت هذه الآية أن معيار وميزان معرفة الإيمان الحق من غيره: أن يكون إيمان أهل الإيمان كإيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون المسلم عمومًا وطالب العلم على وجه الخصوص في عقيدته، في عبادته، في أخلاقه وسلوكه، في معاملاته، في سائر أحواله، يحرص على اتباع السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. ومن ذلك أن يتميز بالتزام الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك علامات. من علاماته: الحرص على الدليل من الكتاب والسنة، فهو يتعبد الله عز وجل بما شرع، لا بالرأي ولا بالعاطفة ولا بالتقليد ولا بالاستحسان ولا بغير ذلك، ولكن بالدليل والبرهان. «قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة، ليس بالرأي». وهكذا من علاماته: الاعتزاز بالسنة والفرح بها والحرص عليها، سنة النبي عليه الصلاة والسلام. بينما الناس يفرحون بالآراء والأهواء، وكذلك مذاهب الرجال وأقوال الناس، ويحرص على ما يصح عن نبي صلى الله عليه وسلم، وما نقله الصحابة رضي الله تعالى عنهم. تتمة لما سبق، فقلنا: ولالتزام بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم علامات. ومن تلك العلامات كذلك: الحرص على فهم السلف الصالح وتطبيقهم للسنة والدين الذي أمر الله عز وجل به. فإن اتباع فهمهم مطلب شرعي حث عليه الشرع، ودلت عليه السنة. قال الله عز وجل في كتاب الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. والشاهد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، فإن متابعة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار شيء يحبه الله، وسبب لرضوانه وللدخول في جناته وحصول الخير الدنيوي والأخروي. قال الله عز وجل في كتاب الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ففي هذه الآية التحذير من الخروج عن سبيل المؤمنين، وأول المؤمنين دخولًا في هذه الآية هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فهم أهل هذا الصراط المستقيم. الصراط خط مستقيم معنوي، كالخط المستقيم الحسي، له بداية، فمن سار على استقامته من بدايته فهو على السلامة، ومن اعوج عنه يمنة ويسرة فهو على شفة هلكة. وقد صح في مسند الإمام أحمد وغيره، من حديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، فخط خطًا مستقيما على الأرض، وأخرى عن يمينه ويساره، وقال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان». وهذا الصراط المستقيم كما قلنا: هو الذي يتمثل بما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض المشهور: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». فقوله: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فيه التنبيه على هذا الأصل. وكذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر وغيره: «أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وجاء: «أنهم الجماعة». وفي رواية في إسنادها ضعف، ومعناها صحيح: «أنهم من كان على مثل ما كان عليه عليه الصلاة والسلام وأصحابه» رضي الله تعالى عنهم. وهكذا من علامات الآخذ بطريق السلف الصالح -لأن مدعي ذلك كثير أو كثر- ولكن العبرة بمن وافق الحق في ذلك. فمن علامات ذلك كما قال: «وتوظيف السنن على نفسك». ومعنى توظيف السنن على نفسك: أي أنك تقيم هذه السنن في نفسك، ما كان منها قولًا ظهر في قولك، وما كان منها فعلًا ظهر في فعلك. ومن ذلك ما كان من مظهرك ظهر في مظهرك، وما كان في ظاهرك وباطنك ظهر في ظاهرك وباطنك، وما كان في معاملاتك أو أخلاقك أو سلوكك أو عبادتك، كل ذلك يظهر عليك. ومن ذلك: ترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام، وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع. الجدال: جدالان، جدال محمود وجدال مذموم. والأصل فيه الذم، إلا إذا كان لنصرة دين الله عز وجل بشروطه وضوابطه -كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه- فهذا من المحمود. وإلا فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدال مذموم، وليس هو من صفات أهل الحق، بل هو من صفات أهل الباطل. أي أن يكون المرء مجادلًا، ويظهر بين طلبة العلم أناس عندهم الجدل، وهؤلاء في الغالب لا يوفقون لطلب العلم، إن لم يلطف ربنا جل وعلا بهم، ويأخذ بأيديهم إلى الحق، وينزل عليهم من سكينته، ينزل عليهم السكينة، وإلا فالله أعلم بحالهم. وهكذا المراء: وهو أشد من الجدال. فإن الجدال إذا اشتد صار مراء، حيث أن صاحبه يطلب الغلبة ولا يطلب الحق، ويطلب التعالي ولا يطلب العدل. والخوض في علم الكلام، علم الكلام علم أهل الأهواء، المتمثل بفلسفات الهند واليونان، وما لحق ذلك من مباحث باطلة في العقائد وغيرها، خاض بها بعض أهل البدع حتى صار علمًا يعرف به صاحب الهوى، فالسلفي يجتنب علم الكلام، والمتبع للسلف يجتنبه. وما يجلب الآثام يعني: من جميع أنواع الآثام، من كفر أو شرك أو نفاق أو بدعة أو معصية صغيرة أو كبيرة، فالسلف الحقيقي هو الذي يجتنب ذلك كله. وليس معناه أنه لا يصدر منه أخطاء وزلات، قد تصدر منه أخطاء وزلات، لكنه سرعان ما يراجع نفسه، وإلا فهو في سلفيته دخن. وإلا يوجد سلفي عاصٍ كما يوجد مسلم عاصٍ، ولكن المراد كمال جادة السلف الصالح، وأن تكون على ذلك، أن تجتنب كل ما يجلب الآثام، ليس فقط الآثام، بل ما يجلبها من الوسائل والأسباب الموصلة والمفضية إليها. وقوله: «يصد عن الشرع»، كذلك يصد عن الشرع، سواء بمباح أو بمكروه أو بحرام، كما سيأتي إن شاء الله: أن بعض المباحات قد تصد عن الشرع، أي التوسع فيها، فضلًا عن المكروه والحرام. فمن يريد جادة السلف الصالح فعليه بالجدية في حياته العلمية وحياته العملية، أن يكون جادًا في حياته العلمية والعملية. ثم ذكر عبارة الذهبي، وسبقت الإشارة إليه، ومراده رحمه الله تعالى: أن يبين أن علم الكلام من أبغض ما كان يبغض أهل العلم، وهم من أبعد الناس عنه، لكن زيادة في تأكيد بغضهم لذلك ومجانبته وتحذير الناس منه. ثم ذكر رحمه الله تعالى: أن أهل السنة كما نقل عن شيخ الإسلام: أنهم المتبعون آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نقل عن شيخ الإسلام: «أنهم نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس». ومعنى نقاوة المسلمين: أي أنهم خلاصة أهل الإسلام. فالمسلمون عمومًا فيهم خير، لكن هذا الخير فيه دخن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث، خصوصًا في آخر الزمان. فالذين يتنزهون عن هذا الدخن، أو الذين هم بعيدون عنه، هم أو أولى الناس بهذا الوصف، هم أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح. فهم نقاوة المسلمين، بما كان من حرصهم على اتباع الدليل، واتباع السلف الصالح، وهكذا كذلك استقامتهم في الظاهر والباطن، وحرصهم على الكمال في طريقهم العلمي والعملي. وقولهم: «وهم خير الناس للناس»، أي خير الناس من جهة استقامتهم وثباتهم، وكمالهم العلم والعمل في أنفسهم. وخير الناس للناس من جهة أصدقهم في إيصال الخير للناس، فإنهم إذا كانوا كذلك في أنفسهم، فهم أحرص الناس في إيصال الخير للناس. فإذا علامة السلفي الجاد في اتباع السلف الصالح: أن يكون خير الناس في نفسه، وخير الناس في إيصال الخير للناس. فمن لم يكن كذلك في نفسه، ولا باذلًا لهذا الخير لغيره، ففي سلفيته دخن. وطالب العلم ولو كان حريصًا على وقته، وحريصًا كذلك على تحصيل العلم، لا يمنعه ذلك من إيصال الخير للناس في مواضع الإيصال، لأن ذلك من العمل بالعلم. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ولعل بركة العلم تحرم بسبب عدم عمله بالعلم في هذا الجانب، والعكس: لعل بركة العلم تزيد، وثمرته تثبت بسبب عمله بالعلم، وبدله للناس. ثم ختم رحمه الله بقوله: «فالزم السبيل ولا تتبع السبل»، وذكر الآية: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾، وسبق الكلام على حديث ابن مسعود بهذا المعنى. فخلاصة هذا المبحث: أن طالب العلم ينبغي عليه أن يكون جادًا في الأخذ بطريقة السلف الصالح، سواء من الناحية العلمية بتتبع ما كان عليه السلف الصالح، أو من الناحية العملية بتطبيق ما أثر ونقل عن السلف الصالح، وبهذا يحصل له الخير في طريقه في طلب العلم. إلى هنا والله تعالى أعلم.