حلية طالب العلم  7

حلية طالب العلم 7

الدرس في حلية طالب العلم 7، الدرس السابع:من( 3-ملازمة خشية الله تعالى ... وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى اهـ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية خشية الله لطالب العلم

يجب على طالب العلم أن يتحلى بخشية الله تعالى، حيث تعتبر من الصفات الأساسية التي تجمع بين الخوف والعلم. خشية الله تظهر في محافظة طالب العلم على شعائر الإسلام وإظهار السنة ونشرها.

صفات من يتحلى بخشية الله

من يخشى الله يكون دالًا عليه بعلمه وعمله، ويتحلى بالرجولة والسماحة وسهولة التعامل. خشية الله تظهر في صدق القول والعمل والحرص على الخير وأداء الحقوق وبذل التضحيات.

أثر خشية الله والعلم على العمل

العلم بدون خشية الله لا ينفع، بينما العمل بالعلم هو سبب ثباته وانتفاع صاحبه في الدنيا والآخرة. يحذر من علماء السوء الذين لا يعملون بعلمهم، ويبين أن العلم يذهب بذهاب عمله.

تأثير العبادات على سلوك ومظهر طالب العلم

يميز بين طالب العلم الذي يمارس العبادات وآخر لا يفعل ذلك، حيث ينعكس أثر العبادة على سلوك الأول ومنطقه ومظهره. العبادات تنعكس إيجابًا على سلوك ومظهر طالب العلم.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أهله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في صفات وآداب طالب العلم في نفسه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثالثًا: ملازمة خشية الله تعالى. قال: «التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظًا على الشعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها، دالًا على الله بعلمك وسمتك وعملك، متحليًا بالرجولة والمساهلة والسمت الصالح، وملاك ذلك خشية الله تعالى». ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله تعالى». فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم. إذن، فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالما إلا إذا كان عاملا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله. وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية، برواية آباء تسعة، فقال: «أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسد بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة بن عبد الله التيمي، من حفظه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الموضع في الكلام على صفة وأدب من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه، وهي من الحلية التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. قال: «ملازمة خشية الله تعالى». وخشية الله هي الخوف مع العلم. ولهذا وصف الله عز وجل العلماء الربانيين العاملين بها، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فقول سبحانه: «إنما يخشى الله العلماء» هاهنا الربانيون، فهم عباد الله الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح، وكان معهم مع هذا العلم الخوف الذي أثمر خشية، وهي التي تثمر هذه الصفات التي ذكرها رحمه الله تعالى. أن يعمر العبد ظاهره وباطنه بخشية الله تعالى، وهو محافظ على شعائر الإسلام، لأن أمر الخشية ليس هو لفظ يتلفظ به باللسان، فيقول المرء: «أنا أخشى الله» وهو في الحقيقة لم يقم شعائر الإسلام، ولم يظهر السنة في نفسه، ولم يظهر عليه أثر العلم والعمل لا في الظاهر ولا في الباطن، فهذا كاذب في دعوى الخشية. كذلك ليس وصف الخشية يصح بمدح المادحين ووصف الواصفين، إذا لم يكن له حقيقة برهنه في هذا الموصوف وذاك الممدح. فلو قال من قال: «فلان يخشى الله تعالى» والأمر ليس كذلك، ليس فيه من صفات الخشية ما يدل أنه يخشى الله، فصار ذاك الادعاء خاطئًا وغير صحيح، أو صاحبه كاذب غير صادق، أي في وضع هذا الوصف أو المدح بهذا المدح. فإذا العبرة هو بتحقق معاني الخشية. ولهذا ذكر رحمه الله تعالى عددًا من الصفات التي بها يعلم أن هذا الإنسان أو هذا الطالب للعلم هو ممن يخشى الله سبحانه وتعالى. فمن ذلك أن يكون محافظًا على شعائر الإسلام، فمن ظهر منه أنه غير محافظ على شعائر الإسلام من فرائضه وواجباته وما تيسر من مستحباته، وبالضد من ترك المحرمات وتحاشي المكروهات، فإنه جمع وصفًا من أوصاف من يخشى الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك إظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها، فإن هذا من علامات من يخشى الله سبحانه وتعالى. فالمهمش للسنة والمعرض عنها، وكذلك الزاهد فيها، كل هؤلاء وأمثالهم هم لم يتوفر فيهم وصف من أوصاف من يخشى الله تعالى. وهكذا كذلك من ذلك أن يكون هذا الموصوف بهذا الوصف دالًا على الله بعلمه وسمته وعمله. علمك يدل إلى الله وعلى الله سبحانه وتعالى، وبه يكون هذا العلم ليس فيه خيلاء وليس فيه تعالي على الخلق، وليس فيه تعاظم وليس فيه مماراة، وغير ذلك من الصفات التي تنافي أن يكون حامل هذا العلم دالًا إلى الله وعلى الله. فمن كان دالًا على الله بعلمه هو من جعل العلم لله سبحانه وتعالى، وهو بذلك يبذله يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، ليس عنده قصد آخر ولا غرض آخر، وهو في نفس الوقت لا ينتفع به لنفسه لوصول إلى دنيا أو لانتقام من عدو أو لتشفي من غيره، أو غير ذلك من الأغراض والأعراض التي تنافي أن يكون العلم لله سبحانه وتعالى. وبهذا يكون دالًا على الله سبحانه وتعالى. ومما ذكره رحمه الله تعالى كذلك أن يكون سمت طالب العلم دالًا على الله سبحانه وتعالى. والمراد بالسمت هو خلاصة الخلق والهدي، طريقة طالب العلم في كلامه وفي فعله وفي حركته وفي ملبسه، وفي كذلك نظراته وتصرفاته كلها، هذا هو الهدي والسمت. أن يكون هدي وسمت طالب العلم كذلك دالًا على الله سبحانه وتعالى، ليس فيه شيء من حبوة النفس، ولا فيه شيء من أغراض الدنيا وأعراضها. وهذا يقتضي اعتدالًا يوافق صاحبه فيه الشرع، فهو ليس بالمفرط الذي يبالغ فيكون من المتكلفين، ولا هو بالمفرط فيكون من المضيعين، ولكنه يعمل بمقتضى ما فيه الاعتدال والاستقامة. وكذلك تمام المتابعة لما علم من شريعة الله مما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كذلك أثره عن صحابته رضي الله تعالى عنهم، ومن اتبعهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ممن شهدت لهم الأمة بالإمامة والهداية. وهكذا كذلك أن يكون دالًا على الله في عمله، فهذا من علامات الخشية. أن يكون دالًا على الله بعمله، بأن يكون عمله كذلك يدل على الله سبحانه وتعالى. فعمله مليء بمعاني الخشية من صدق وصدق في القول وصدق في العمل، وهكذا كذلك من حرص على الخير. ومن الحرص على الخير أداء حق الله سبحانه وتعالى، ومن الحرص على الخير أداء حقوق الخلق. وهكذا كذلك من بذل وتضحية تدل أن صاحبه يخشى الله سبحانه وتعالى، وهو يريد ما عند الله، ليس ما عند الناس. يرضى أن تكون له منقصة عاجلة في مقابل كمال آجل. يرضى أن يكون كذلك عليه ما عليه من الأحمال والأثقال، ما دام ذاك لا يخالف شرع الله، ولا كذلك ينافي كمال العلم، ويريد بذلك ما عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك تجد صاحبه مجتهدًا مجاهدًا في الخير وفي الحق، وربما في المقابل يجد السوء من الآخرين. ورحم الله الإمام أحمد إذ يقول في مقدمة كتابه «الرد على الجهمية» في وصف العلماء -يعني الذين هم اتصفوا بهذا الوصف، وكذا كان لهم هذا النصيب- قال في سياق كلامه رحمه الله: «فما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوأ أثر الناس عليهم». وهذا حال العاملين بعلمهم، الدالين على الله سبحانه وتعالى بعلمهم وسمتهم وهديهم وعملهم، أنهم يريدون ما عند الله جل وعلا. فلذلك هم يبذلون الكثير، ولا يبالون بما قد يعرض لأنفسهم، ما دام ذلك يبذل لله سبحانه وتعالى. وهكذا من صفات من يخشى الله أن يكون متحليًا بالرجولة، الرجولة بكل معانيها الشرعية والعرفية، وهذان معنيان مهمان. الشرعية التي تقتضي مواقف الحق قولًا وعملًا وخلقًا وسلوكًا، فيما هو حق لله، وفيما هو حق لخلق الله. والرجولة العرفية التي تقتضي التأدب بالآداب التي ينبغي أن يتأدب بها مع الخلق، ولو كان ذلك لم يأت به نص من الشرع. لأن بعض الجفاة الجاهلين لحكمة الله جل وعلا وشرعه ومقاصد الشريعة الحكيمة، ربما يظن أن الجفاء مع العامة، والخنى في المواقف مع الأقرباء، وربما التطاول على الضعفة من النساء والصغار، أن هذا لا بأس به، ما دام في مقابل الحرص على العلم. فهو حريص على وقته، حريص على العلم في تعلمه وتعليمه، فيثمر ذلك مواقف هي في الحقيقة تنافي الشرع، وهي ظاهرة المنافاة لمعاني الرجولة في العرف. فمثل هذا ليس يخشى الله سبحانه وتعالى، ولو كان يبكي في قراءة القرآن، ولو كان ممن له من الصفات ما له. لأن كمال الخشية أن يكون عالما ربانيا. قال العلماء في تفسير العالم الرباني: هو العالم الذي يدل على الرب بعلمه وعمله، بظاهره وباطنه. ومن ذلك التحلي بمعاني الرجولة، يعني لا يكون المرء فاشلًا في معاملته مع الناس. لأن هذا الباب في الحقيقة قد وقع فيه الكثير من طلبة العلم وطالبات العلم، بحجة الحرص على الوقت والحرص على تحصيل العلم، بما يورث جفاء ومواقف خاطئة وفاشلة مع الآخرين. وهذا ليس بالصحيح. كن جادًا، لكن بغير خناء وسوء تصرف. لا بأن تجعل لنفسك وقتًا، ولكن إذا اعترض شيء على خلاف ذلك، فأنت تقدر المواقف قدرها. فرب إنسان تعتذر منه بكلمة لطيفة وعبارة جميلة، وآخر لا يمكنك الاعتذار منه، فتجعله استثناء وعارض، ولكل قاعدة استثناء، إذا كان هذا بشرع الله، فكيف في حقك أنت يا مخلوق؟ فالمهم ينبغي أن يكون هذا في الحسبان، وهذا من معاني خشية الله سبحانه وتعالى. وكم من إنسان يدعو إلى الله بلسانه وعلمه، ويبعد ويطرد الناس عن دين الله بعمله وسوء تصرفاته. وهذا أمر سيء. ثم إن من بركة العلم العمل والعطاء، أن يكون المرء مبذولًا وباذلًا ومعطيًا لإخوانه، محبًا لإيصال الخير لهم. ومن ذلك أن تضحي ببعض الأوقات لإخوانك. أنت كنت يومًا من الأيام جاهلًا تحتاج من يعينك في فتح مسألة، فلو أنك من لجأت إليه أعرض عنك، كيف يمكن أن تتعلم؟ وأنت كنت يومًا من الأيام عاميًا، وفقك الله عز وجل للعلم بأناس كانوا سببًا لإدخال الخير عليك. فكذلك من كان كذلك ينبغي أن تذكر نعمة الله عليه. وقظة والمساهلة والسمت الصالح كذلك من صفات من يخشى الله. أن يكون سمحًا في معاملاته، سهلًا في أخلاقه. وهذه كلمات يسيرة، لكنها تتطلب في الحقيقة معاني عظيمة، قد يعجز المرء أن يتخلق بها، لكن لا يعني ذلك أن ييأس من التخلق بها. وكما تعرفون، حسن الخلق منه ما هو جبل فطري، فطر الله عز وجل بعض الناس عليه، أو بعض الناس عليه. ومنه ما هو مكتسب، ينبغي لصاحبه أن يأخذ بالأسباب الحسية والمعنوية والعلمية والعملية الموصلة لتلك الأخلاق ومكارمها. ومن ذلك أن يكون سمحًا سهلًا لين الجانب. فالعالم الذي يخشى الله من صفاته كذلك أن يكون عنده خلق المساهلة. الصغير والكبير يستطيع الوصول إليك. ولا يعني ذلك أنك تضيع وقتك، لا. لكن معناه أن تكون سمحًا بتنظيم، تنظم وقتك، وترتب أمورك. وفي نفس الوقت إذا احتاج الأمر الاعتذار، تعتذر بكلام لطيف، ووجه فيه بشاشة، وكذلك عبارات جميلة، وغير ذلك. حتى لو رددته، رددته وهو يجد منك السماحة واللطف وسهولة الجانب، فعند ذلك يرجع على موعده وهو باستراحة. فأنت بهذا دال على الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصر تكون سهلًا فيه، وفي سائر المعاملات تكون سهلًا. وفي الحقيقة هذا الخلق يكاد يكون جماع حسن الأخلاق. قال: «والسمت الصالح» كذلك من علامات من يخشى الله أن يكون له سمت صالح. والسمت هو حال الإنسان في مظهره ومنطقه. فإذا كان الإنسان سمته صالحًا، فهو يدل على الله سبحانه وتعالى. ليس عندك فوضوية في منطقك، ولا في مظهرك ومجلسك، ولا كذلك يكون عندك شيء من معاني الغلظة والجفاء والتعالي والتعاظم والانتقام والاعتداء، وغير ذلك من أخلاق السوء. فهذا ينافي السمت الصالح. وفي المقابل ليس عندك سقوط وتدلل يوجب ضياع العلم وتطاول الطلاب وإفساد التعليم. لكن تجمع بين الحزم والاعتدال، بين حسن الخلق وحسن المتابعة، بين الشدة مع اللين، وغير ذلك من الصفات المتقابلة التي تقتضي عدم الإفراط والتفريط، بوفق ما دل عليه الشرع، وكذلك وافق العرف، وهو لا يخالف الشرع. ثم قال: «وملاك ذلك خشية الله تعالى». يعني تلك الصفات كلها تجتمع بهذه الكلمة: «خشية الله تعالى». إذن، خشية الله تعالى ليس لفظًا، إنما لفظ يتضمن معاني كثيرة ظاهرة وباطنة، وهكذا كذلك علمية وعملية، وحسية ومعنوية. علمنا بهذه الأمور المذكورة بعضها، وهكذا يسعى لأنظائرها وأمثالها، وما كان بمعناها. كل من يريد أن يصل إلى هذا الوصف، وهذه الحلية من الحلل التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه. ثم قال: «ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشية الله تعالى». وصدق رحمه الله تعالى. والأمر كما سمعتم، فإنما يخشى الله من عباده العلماء. ولذلك صار أصل العلم خشية الله سبحانه وتعالى، لأن الذي لا يخشى الله صار العلم حجة عليه، صار العلم حجة عليه. ثم قال: «فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى» إلى آخر ما ذكره. ثم قال: «ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالما إلا إذا كان عاملا، ولا يعمل العالم بعلم إلا إذا لزمته خشية الله». وهذا الكلام وما قبله يدل على أهمية خشية الله سبحانه وتعالى. وبه نعلم أن حقيقة العالم هو من يخشى الله، وليس معناه أنه لا يسمى عالمًا من ليس عنده خشية لله. هذا عنده وصف العلم، لكن هذا العلم الذي لا ينفع. أما العلم الذي ينفع صاحبه في الدنيا وفي الآخرة هو ما كان معه خشية الله سبحانه وتعالى. وإلا فيوجد من العلماء من هم علماء، لكنهم كفار، كعلماء أهل الكتاب، فهم عندهم علم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ففيهم علماء، لكنهم علماء سوء. وهكذا في أهل الإسلام علماء، ولكنهم علماء سوء، عندهم علم، لكن ليس عندهم خشية، فكان العلم حجة عليهم. يوجد عالم شارب الخمر والعياذ بالله، عالم صاحب فواحش، عالم صاحب غيبة ونميمة، عالم صاحب حب ترأس وتعاظم على الخلق، وغير ذلك من الصفات المذمومة. فهؤلاء ليسوا بعلماء على الوصف الشرعي. وإن شئت قل: هم ليسوا بعلماء ربانيين. فالعلماء الربانيون هم أكمل درجات العلماء. قد لا يكون العالم ربانيا، لكنه عالم، ما دام أنه صادق في حرصه في إكمال نفسه. فالعلماء درجات، وأسوأهم من ليس عنده خشية لله سبحانه وتعالى، وهو عالم السوء. ثم ذكر ما أسنده الخطيب، ومثل هذه الأسانيد غالبها لا تخل من ضعف، لكن المقصود هو العبرة بمعنى الأثر، أكثر من صحته. فالعبرة بالانتفاع بالمعاني المذكورة، بغض النظر في صحة نسبته إلى من قاله، لأنك لا تنسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك لا تقصد عين نسبته إلى صحابي معين، بقدر ما تقصد الانتفاع من هذا القول. ولذلك قال: «وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري». إذن، المقصود هو أن هذا قد قاله من سبق من أهل العلم، سواء قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو لم يقله. فقال: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وصدق رحمه الله. فإن العمل بالعلم سبب لثباته، وعدم العمل به سبب لذهابه. ذهابه بأن يكون غير منتفع به. له ثلاث صور من صوره: أن لا ينتفع بهذا العلم في الدنيا ولا في الآخرة، بسبب عدم عمله بالعلم. وهذا حال علماء السوء الذين لا يعملون بالعلم، فإنهم لا ينتفعون به في الدنيا، فلا يكون لهم القبول، ولا يكون كذلك من العلماء الربانيين الذين يدلون على الله بعلمهم وعملهم. وهكذا في الآخرة له عاقبة السوء. ومر معنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم عالم لم يعمل بعلمه، حتى قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». وهو يشير إلى حديث أبي هريرة هذا. وفي بعض طرقه أنه كان قد أغمي عليه ثلاث مرات، يريد أن يحدث بالحديث، فيغمى عليه لشدة ما فيه من معنى. نسأل الله عز وجل الصدق في العلم والعمل. والشاهد من هذا أن هذا معنى من معاني عدم العمل بالعلم وارتحاله، فإنه يرتحل بعدم وجود ثمرته. وهكذا كذلك من ارتحاله ذهاب المعلومات، فإن الذي لا يعمل بعلمه تذهب عنه المعلومات. مثل الرجل مثلًا يعرف أن للسلام ثلاث كيفيات، وأن للجلوس في التشهد الأخير كيفيتان، وأن للجلوس بين السجدتين كيفيتان، وأن لتكبيرات المصلي في الصلاة ثلاث كيفيات أو كيفيتان، وهكذا من تفاصيل ما يسمى بتنوع باختلاف التنوع -يعني في العبادة- هذه معلومات يعلمها، وتمر بطالب العلم، وفيها تفاصيل كثيرة في مسائل متنوعة. فإذا لم يعمل بها ذهبت عنه، وإذا عمل بها ثبتت، وإذا عمل بها ثبتت. وهكذا أخيرًا من هذه المعاني معاني ذهاب العلم، ذهابه بعدم العمل به، يذهب أثره على القلب. فإن القلب يحيى بالعمل بالعلم، وهذا من معاني العلم. فإذا لم يعمل بعلمه، ذهب معاني إحياء القلب، حتى ولو كانت أمورًا مستحبة. فمثلًا طالب العلم الذي واظب على قيام الليل، وصيامًا ما يتيسر من النهار، ليس مثل طالب العلم الذي ليس كذلك. فتجد أثر حياة قلب هذا الطالب في قوله وعمله ومنطقه ومظهره يبهر.