الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 96، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام أدلة النصارى على وجود الله ويبين ضعفها، ويشير إلى عدم تقديمهم دليلاً عقلياً قوياً. كما ينتقد تعليلهم لحدوث الأشياء دون إثبات أن الله هو المحدث. هذا يشكل الجزء الأول من النقاش حول معتقدات النصارى.
يرد المؤلف على ادعاءات النصارى حول وصف الله بالحياة، مشيراً إلى أن القرآن الكريم والسنة النبوية دلتا على حياته. كما يبين أن العقل يقتضي أن يكون الخالق أكمل من المخلوق، فيجب أن يكون حيًا، مما يعزز الإيمان بصفة الحياة لله.
يتناول المقطع شرح صفات الله الثبوتية والسلبية، مبيناً أن الله موصوف بصفات الكمال الثبوتية مثل الحياة والعلم والقدرة. كما يشرح أن الصفات السلبية تتضمن المعاني الثبوتية، مثل نفي النوم عنه لتضمن كمال حياته وقيوميته، مما يظهر كمال الله.
يشير المقطع إلى أن الشيخ رحمه الله تطرق إلى مسائل متعددة في الفصل، ويقدم خلاصة لما جاء فيه. يختتم بقوله إلى هنا إن شاء الله، مما يدل على انتهاء الفصل واكتمال النقاش حول المواضيع المطروحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح مدى دين المسيح. قال: الوجه الحادي عشر، إن نقول: ريب أن الله حي عالم قادر متكلم، وللمسلمين على ذلك من الدلائل العقلية التي دل الرسول عليها وأشهد إليها، فصارت معروفة بالعقل، مجلولة عليها بالشرع، ما هو مبسوط في موضعه. وأنتم مع دعواكم أنكم تثبتون ذلك بالعقل، لم تذكروا على ذلك دليلا عقلية. فقولكم: لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئا غيرها أحدثها، إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب، كلام قاصر من وجوه. أحدها: أنكم لم تروا حدوث جميع المخلوقات، وإنما رأيتم حدوثا ما يشهد حدوثه، كالسحاب والمطر والحيوان والنبات، نحو ذلك. فأين دليلكم على حدوث سائر الأشياء؟ الثاني: أنه كان ينبغي أن تقولوا: لما علم حدوث المحدثات، أو حدوث المخلوقات، أو حدوث ما سوى الله، ونحو ذلك مما يبين أن المحدث ما سوى الله. فأما إطلاق حدوث جميع الأشياء فباطل، فإن الله يسمى عندكم وعند جمهور المسلمين شيئا من الأشياء. وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿قل الله خالق كل شيء﴾، فإن هذا التركيب يبين أن الخالق غير المخلوق، خلاف قول القائل: حدوث الأشياء. الثالث: أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث، علم فطري ضروري. ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾. قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب، أحسست بفؤادي قد انصدع. يقول تعالى: أخلقوا من غير خالق خلقهم، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ ومعلوم بالفطرة التي فطر الله عليها عباده، بصريح العقل، أن الحادث لا يحدث إلا بمحدث أحدثه، وإن حدوث الحادث بلا محدث أحدثه، معلوم البطلان بضرورة العقل. وهذا أمر مركوز في بني آدم، حتى الصبيان. لو ضرب الصبي ضربة، فقال: من ضربني؟ فقيل: ما ضربك أحد، لم يصدق. عقله أن الضربة حدثت من غير فاعل. ولهذا لو جوز مجوز أن يحدث أن يحدث كتابة أو بناء أو غرسا أو غراسا، ونحو ذلك من غير محدث لذلك، كان عند العقلاء إما مجنونا وإما مسفسطا، كالمنكر للعلوم البديهية والمعارف الضرورية. وكذلك معلوم أنه لم يحدث نفسه، فإن كان معدوما قبل حدوثه، لم يكن شيئا، فيمتنع أن يحدث غيره، فضلا عن أن يحدث نفسه. فقولكم: لم يكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب، تعليل باطل. فإن علمنا بأن حدوثها لم يكن من ذواتها، ليس لأجل ما فيها من التضاد والتقلب، بل سواء كانت متماثلة أو مختلفة أو متضادة، نحن نعلم بصريح العقل أن المحدث لا يحدث نفسه. وهذا من أظهر المعارف وأبينها للعقل، كما يعلم أن العدم لا يخلق موجودا، وأن المحدث للحوادث الموجودة لا يكون معدوما. الوجه الرابع: أنكم ذكرتم حجة على أنها لم تحدث نفسها، وهي حجة ضعيفة، ولم تذكروا حجة على أنها حدثت بلا محدث، لا أنفسها ولا غيرها. فإن كان امتناع كونها أحدثت نفسها محتاجا إلى دليل، فكذلك امتناع حدوثها بلا محدث. وإن كان معلوما ببديهة العقل، وهو من العلوم الضرورية، فكذلك الآخر. فذكر الدليل على أحدهما دون الآخر خطأ. لو كنتم ذكرتم دليلا صحيحا، فكيف إذا كان الدليل باطلا؟ ومن يكون مبلغهم من العلم بالأدلة العقلية التي يثبتون بها العلم بالصانع وصفاته، هذا المبلغ؟ ثم يريدون مع ذلك أن يثبتوا معاني عقلية، ويزعمون أنها موافقة لفهمهم الباطل من الكتب الإلهية؟ فهم ممن قال الله فيهم: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾. الوجه الثاني عشر: قولكم: فقلنا: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، لننفي عنه العدم. فيقال لهم: لا ريب أن الله كما وصف نفسه بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وقوله: ﴿فاعبدوه واستبر لعبادته هل تعلم له سمية﴾ أي: مثلا يستحق أن يسمى بأسمائه؟ وقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. وقد دل على ذلك العقل، فإن المثلين الذين يسد أحدهما مسد الآخر، يجب لأحدهما ما يجب للآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجوز عليه ما يجوز عليه. فلو كان للخالق مثل، للزم أن يشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع. والخالق يجب له الوجود والقدم، ويمتنع عليه العدم، فيلزم أن يكون المخلوق واجب الوجود، قديما أزليا، لم يعدم قط. وكونه محدثا مخلوقا، يستلزم أن يكون كان معدوما، فيلزم أن يكون موجودا معدوما، قديما محدثا، وهو جمع بين النقيضين، يمتنع في بداهة العقول. وأيضا، فالمخلوق يمتنع عليه القدم، ويجب له سابقة العدم، فلو وجب للخالق القديم ما يجب له، لوجب كون الواجب للقدم واجب الحدوث بعد العدم، وهذا جمع بين النقيضين. فالعقل الصريح يجزم بأن الله ليس كمثله شيء. والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. لكن أنتم لم تذكروا على ذلك حجة، بل قلتم: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء. فلم تذكروا حجة على أنه خالق كل شيء، إذ كان عمدتكم على ما شهدتم حدوثه، وليس ذلك كل شيء. ولم تذكروا حجة مع كونه خالق كل شيء على أنه ليس كمثله شيء، بل قلتم: لأننا معشر النصارى لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئا غيرها أحدثها، بما فيها من التضاد والتقلب، فقلنا: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، وذلك لننفي العدم عنه. ودليلكم لو دل على العلم بالصانع، لم يدل إلا على أنه خالق. فكيف إذا لم يدل؟ ولا ريب أن الخالق سبحانه يجب أن يكون موجودا لا معدوما، وهذا معلوم بالضرورة، لا يحتاج إلى دليل عند جمهور العقلاء والنظار. وإن كان بعضهم أثبت وجوده بالدليل النظري. لكن ليس في دليلكم ما يدل على أنه ليس كالأشياء المخلوقة. وقولكم: إذ هو الخالق لكل شيء، يتضمن أنه خالق لكل ما سواه، ليس فيه بيان نفي المماثلة عنه. ولكن بينتم بهذا الكلام جهلكم بالدلائل العقلية، كجهلكم بالكتب المنزلة. وكذلك أخبر تعالى عن أهل النار بأنهم يقولون: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾. بسم الله الرحمن الرحيم. تقدم معنا أنه رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن الخالق واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، فلزم أن يكون الإله واحدا. فرد بذلك قول النصارى في زعمهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام ابن الله وكلمته فيما زعمه. ويسترسل المؤلف رحمه الله كثيرا بالأدلة العقلية لما ختم به هذا الفصل، فإن هؤلاء قوم أهل جهل بالكتب المنزلة، وأدلة الشرع كثيرة، لكن هم أهل جهل بذلك. وثانيا: لأن خوضهم بالأدلة العقلية أكثر، فربما نبسوا على بعض أتباعهم في بعض الأدلة العقلية، فلذلك يسترسل المؤلف رحمه الله - شيخ الإسلام - في بعض المباحث في الأدلة العقلية، ليكون في ذلك مقنعا للمنصفين من أتباعهم. قال رحمه الله: فصل. وأما قولكم: ورأينا الأشياء المخلوقة تنقسم قسمين: شيء حي، وشيء غير حي، فوصفناه بأجل القسمين، فقلنا: إنه حي لننفي الموت عنه. فيقال: لا ريب أن الله حي، كما نطقت بذلك آياته المنزلة التي هي آياته القولية، ودلت على ذلك آياته كمخلوقاته التي هي آياته الفعلية. قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، أي: القرآن حق. وقد تقدم ذكر القرآن في قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد﴾. فالله تعالى يرى عباده من آياته المشاهدة المعاينة الفعلية، ما يبين صدق آياته المنزلة المسموعة القولية. قال تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، وقال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾. والدلائل على حياته كثيرة، منها: أنه قد ثبت أنه عالم، والعلم لا يقوم إلا بحي. وثبت أنه قادر مختار، يفعل بمشيئته، والقادر المختار لا يكون إلا حي. ومنها: أنه خالق الأحياء وغيرهم، والخالق أكمل من المخلوق، فكل كمال ثبت للمخلوق، فهو من الخالق، فيمتنع أن يكون المخلوق أكمل من خالقه، وكماله أكمل منه. والمتفلسفة القائلون بالموجب بالذات، يسلمون هذا، ويقولون: كمال المعلوم مستفاد من علته، إذا كان خالقا للأحياء، كان حيا بطريق الأولى والأحرى. ومنها: أن الحي أكمل من غير الحي، كما قال تعالى: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾. فلو كان الخالق غير حي، لزم أن يكون الممكن المحدث المخلوق أكمل من الواجب القديم الخالق، فيكون أنقص الموجودين أكمل من أكملهما، أكمل من أكملها. وهذا الوجه يتناول ما ذكروه من الدليل، وإن كانوا لم يبينوه بيانا تاما. لكن قولهم: قلنا: إنه حي لننفي الموت عنه، كلام مستدرك. فإن الله موصوف بصفات الكمال الثبوتية، كالحياة والعلم والقدرة، فيلزم من ثبوتها سلب صفات النقص. فهو سبحانه لا يمدح بالصفات السلبية إلا لتضمنها المعاني الثبوتية. فإن العدم المحض، والسلب الصرف، لا مدح فيه ولا كمال، إذ كان المعدوم يوصف بالعدم المحض، والعدم نفي محض، لا كمال فيه. إنما الكمال في الوجود. ولهذا جاء كتاب الله تعالى على هذا الوجه، فيصِف سبحانه نفسه بالصفات الثبوتية - صفات الكمال - وبصفات السلب المتضمنة للثبوت. فقوله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، فنفي أخذ السنة والنوم، لتضمن كمال حياته وقيومته. إذ النوم أخو الموت، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون، كما لا يموتون. والقيوم: القائم المقيم لما سواه، فلو جعلت له سنة أو نوم، لنقصت حياته وقيوميته، فلم يكن قائما ولا قيوما. كما ضرب الله المثل لبني إسرائيل لما سألوا موسى: هل ينام ربك؟ فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قوارير، فأخذته النوم، فتكسرت، بين بهذا المثل أن خالق العالم لو نام، لنفد العالم. ثم قال تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، فإنكاره ونفيه أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه، يتضمن كمال ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه ليس له شريك. فإن من شفع عنده غيره بغير إذنه، وقبل شفاعته، كان مشاركا له، إذ صارت شفاعته سببا لتحريك المشفوع إليه. بخلاف من لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإنه منفرد بالملك، ليس له شريك بوجه من الوجوه. ثم قال تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾، فنفى أن يعلم أحد شيئا من علمه إلا بمشيئته، ليس إلا أنه منفرد بالتعليم، فهو العالم بالمعلومات، ولا يعلم أحد شيئا إلا بتعليمه، كما قالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. ثم قال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقل عليه، فبين بذلك كمال قدرته، وأنه لا يلحقه أدنى مشقة، ولا أيصر كلفة في حفظ المخلوقات. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾، بين بذلك كمال قدرته، وأنه لا يلحقه اللغوب في الأعمال العظيمة، مثل خلق السماوات والأرض، كما يلحق المخلوق اللغوب إذا عمل عملا عظيما. واللغوب: الإنقطاع والإعياء. وهذا باب واسع مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا: أنه موصوف بصفات الكمال التي يستحقها بذاته، ويمتنع اتصافه بنقائضها. وإذا وصف بالسلوب، فالمقصود هو إثبات الكمال. وهؤلاء قالوا: قد وصفناه بالحياة لننفيه ننفي عنه الموت، كما قال: هو شيء لننفي العدم عنه. والحياة صفة كمال، يستحقها بذاته، والموت مناقض لها، فلم يوصف بالحياة لأجل نفي الموت، بل وصفه بالحياة يستلزم نفي الموت. فينفى عنه الموت لأنه حي، لا يثبت له الحياة لنفي الموت. وكذلك لتثبت له أنه شيء موجود، وذلك يستلزم نفي العدم عنه، لا أن إثبات وجوده لأجل نفي العدم، بل نفي العدم عنه لأجل وجوده، كما أن نفي الموت عنه لأجل حياته. وكذلك قولهم: قلنا: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، وذلك لننفي العدم عنه. لكن كان مرادهم - والله أعلم - وإن كانت عبارتهم قاصرة - إثبات الوجود ونفي العدم، وإثبات الحياة ونفي الموت. هذا الفصل كذلك تتمة لما سبق، أراد أن يبين رحمه الله أن من وصف بالكمال، وأفعاله كله كمال، وليس هذا إلا لله سبحانه وتعالى، هو المتفرد بعد تفرده بصفات الكمال والجلال، هو المتفرد بالألوهية سبحانه وحده، إذ لا يشاركه في ذلك الكمال أحد، فكذلك لا يشاركه في ألوهيته سبحانه وتعالى أحد يعبد، ولا يعبد معه غيره جل وعلا. وأشار رحمه الله إلى مسائل عديدة، لكن هذا خلاصة ما يقال في هذا الفصل. إلى هنا إن شاء الله.