الدرس في القواعد والأصول الجامعة 54، الدرس الرابع والخمسون : من : ( القاعدة التاسعة والعشرون ... والغايات المقصودة والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنص القاعدة على وجوب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء، وتوضح أهمية التمييز بين الكلام المطلق والمقيد لصحة الأحكام.
القرائن ومقتضى الأحوال تلعب دورًا هامًا في فهم وتفسير النصوص الشرعية، وتقيد المطلق أو تطلق المقيد، وتأخذ العادات والأسباب بعين الاعتبار.
يرجح شيخ الإسلام عدم جواز التبني لما فيه من ظلم وعدم عدل، مستدلًا بكلام ابن تيمية، ويعتبر التبني مخالفًا لمبادئ العدل في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى: قال: القاعدة التاسعة والعشرون: يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها من القيود. هذه القاعدة كذلك من القواعد الفرعية، وهو أشبه ما يكون بالضابط. ومناسبة إيراده في هذا الموضع أنه لما تكلم على الأوامر وعلى كلام الناطقين، ناسب أن يذكر هذا الضابط أو هذه القاعدة الفرعية. قال: وهذا الأصل واضح معلوم من لغة العرب وغيرها. يعني: عرف في لغة العرب أن اللفظ يفهم بما يكون معه من سياق وأسباب. فاللفظ العام الموصوف يقيد بهذا الوصف. وهذا من مباحث الإطلاق، أن المطلق قد يقيد، يقيد بوصف أو بشرط أو باستثناء. مثل: تقييد بوصف، كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فهذا تقييد بوصف. وكذلك تقييد بشرط، مثاله: ﴿فَإِنْ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فهذا تقييد بشرط. وقد يكون الشرط مرادًا، وقد يكون غير مراد، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّلَاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ فمثل هذا الصحيح أنه خرج مخرج الغالب، فلا يقيد به. قال رحمه الله: وهذا الأصل واضح معلوم من لغة العرب وغيرها، ومن العرف الجاري بين الناس أن الوصف المطلق ليس كالوصف المقيد، وأن الوصف المقيد بشرط ليس كالوصف الذي لم يقيد بشرط ولا استثناء. قال: لأنه لو لم يعتبر ما قيد به الكلام لفسدت المخاطبات وتغيرت الأحكام. لو كان قول القائل: "ائتني بشاة عربية" مثل "ائتني بشاة"، فيذهب ويأتي له بشاة، أو "ائتني بشاة سمينة" ويذهب ويأتي له بشاة هزيلة، هذا سيخالف اللغة والعرف. قال: فإذا كان كذلك، فإذن لابد من الاهتمام والاعتناء به. قال: وهو مضطرد في كلام الله وكلام رسوله وكلام جميع الناطقين. يعني: أن هذه التقييدات لها اعتبار ولها معنى. قال: فكما أننا نعتبر هذه القيود في الكتاب والسنة، كذلك نعتبره في كلام الناس ونحكم عليهم بما نطقوا به من إطلاق أو تقييد. فقول القائل: "ائتني بشاة" ليس مثل "ائتني بشاة سمينة". وكذلك الوقف والأوقاف، إذا أوقف رجل مالًا مطلقًا، جاز أن يكون للمساجد، وللأيتام، وللمساكين، ولطلبة العلم، وللمجاهدين. قال: ويدخل بهذا الأصل من الأحكام ما لا يعد ولا يحصى من ألفاظ المتعاقدين، وصفة العقود. لأن هذا الباب باب واسع، باب الإطلاق والتقييد، يستخدم في أبواب كثيرة جدًا. قال: ومن شروط الواقفين والموصين كذلك ما لا يعد ولا يحصى. ومن القيود والاستثناءات في كلام المطلقين والمعتقين، ومن القيود في كلام الحالفين والمعترفين بحق من الحقوق على الصفة التي أقر بها. قال: وكما أننا نعتبر القيود اللفظية، فكذلك نعتبر القرائن. يعني: كذلك القرائن تطلق المقيد وتقيد المطلق. مثاله: رجل حلف أن لا تدخل زوجته بيت فلان، وظاهر هذا اللفظ مطلق، لكن هناك قرينة تدل على أنه أراد بهذا الكلام شيء خاص. قال: ومقتضى الأحوال كذلك. كما أننا نعتبر بالقيود اللفظية، نعتبر بمقتضى الأحوال. ومعنى مقتضى الأحوال: أي العادات ونحوها. مثل: رجل قال لك: "اشتري لي شاة"، فلا تذهب وتتفلسف وتأتي له بشاة ميتة. قال: وما يحتفل به الكلام من الأسباب المهيجة والغايات المقصودة. كذلك هذا له اعتباره. هذا مما ينظر إليه باعتبار المعنى. مثل: رجل طلق امرأته لأجل فعل معين، وقال لها: "بطلاق شرط إن فعلت كذا فأنت طالق"، ثم بعد أن هدأ، قال: "أنا ما نويت الطلاق"، فهل يجوز له أن يلغي هذا الشرط؟ الصحيح في ذلك أن القرينة إذا دلت أنه لم يرد الطلاق، وإنما أراد التهديد، أنه يجوز إلغاء هذا الشرط. والله أعلم. وبهذا تكون قد انتهت هذه القرائن أو هذه القيود اللفظية والمعنوية. هنا مسألة يذكرها بعض أهل العلم، وهي مسألة الوقف للأبناء ونحوهم، هل يجوز الوقف على هذا المعنى؟ ذهب بعض أهل العلم إلى جوازه، وذهب بعض أهل العلم إلى المنع. ورجح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، وجماعة من أحفاده إلى عدم جوازه، ويدل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، على ذلك، لأن فيه معنى الظلم وعدم العدل. نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.