الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يصف يوم القيامة وأهواله، حيث تنشق السماء وتتحول إلى لون أحمر. يُؤكد على التهديد والوعيد للمشركين والتسلية للمؤمنين في سورة الرحمن.
يفسر الآيات القرآنية التي تصف يوم القيامة وأهواله، مثل انشقاق السماء وتغير لونها، ويشرح معانيها ويبين دلالاتها على شدة العذاب.
يوم القيامة يحاسب الله الناس ويسألهم عن أعمالهم، والمجرمون يعرفون بصفاتهم السيئة ويعذبون في نار جهنم بأنواع العذاب.
يشرح ختام السورة بالتأكيد على التخويف والتهديد للإنسان ليتوب إلى الله، ويشدد على أهمية الرجوع إلى الله والإيمان به قبل فوات الأوان.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال المفسر رحمه الله: «فإذا انشقت السماء انفرجت أبوابها لنزول الملائكة، فكانت وردة أي مثلها محمرة كالدهان، كالأديم الأحمر، على خلاف العهد بها». وجواب «إذا» «فما أعظم الهول». ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان «عن ذنبه ويسألون في وقت آخر»، «فوربك لنسألنهم أجمعين». والجان هنا وفيما سيأتي بمعنى الجن، والإنس فيهما بمعنى الإنس. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ «يعرف المجرمون بسيماهم» سواد الوجوه وزرقة العيون، «فيؤخذ بالنواصي والأقدام»، أي تضم ناصية كل منهما إلى قدميه من خلف أو قدام، ويلقى في النار. ويقال لهم: «هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، يطوفون بينها وبين حميم آن». فبأي آلاء ربكما تكذبان. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة، سورة الرحمن، التي أكثرها مكية، فيها من التهديد والوعيد والتخويف والتهديد للمشركين والتسلية للمؤمنين. ومر معنا في سياق الآيات السابقات أن السياق في ذكر وصف يوم القيامة وأهواله العظيمة. ومن ذلك هذه الآيات: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ قال رحمه الله: «انفرجت أبوابها لنزول الملائكة». والآية أعم من نزول الملائكة، فلتنزل الملائكة وينزل عذاب الله سبحانه وتعالى من السماء. والسماء اسم جنس لكل ما كان في العلاء. وقوله رحمه الله: «فكانت وردة» أي مثل الوردة محمرة، أي في اللون كالدهان. قال: «كالأديم الأحمر». الوردة معروفة، هي هذا النوع من الورود المعروفة، ولونها لون يسمى باللون الوردي. ومعناه أنها محمرة فيها بياض. وهذا لصنوف ما ينزل من عذاب الله، فإن من عذاب الله نيران وشهب تنزل من شدة حرارتها. وما تحمله من عذاب أنها احمرت، ثم اشتدت حرارتها حتى صارت لونها كلون الورود. وهكذا كذلك «كالدهان» أي كالأديم الأحمر. ومعناه أنها تحمل ألوانا مختلفة مختلطة بشدة ما فيها من عذاب. وكذلك ما ينزل منها من صنوف العقاب. وقوله: «كالأديم الأحمر» قال بعض المفسرين: «الأديم الأحمر هو الجلد إذا دبغ وحمل من اللون ما يكون معه كذلك من الرقوبة والقطران». ومعناه أن السماء تنشق وتكون فيها هذه الحمرة، ويكون فيها تلون هذه الألوان، وينزل منها من القطران كما ينزل من الجلد إذا دبغ. وهذا كله من أهوال ذلك اليوم العظيم، وشدة ما فيه من العذاب والعقاب. قال: «على خلاف العهد بها» يعني هي زرقاء، ولكنها بذلك اليوم تكون على هذا الوصف المهول، وكذلك المتنوع لتنوع ما يكون من العذاب والعقاب. ولا تقوم الساعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا على شرار الخلق. قال: «وجواب إذا فما أعظم الهول». ومعناه في قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أين جواب هذه الجملة؟ جوابها أخفي لعظم ذلك المكون، فإنه يكون شيئا عظيما. فلهذا أخفي. فلهذا قال: «جواب إذا فما أعظم المهول» أي سيكون شيئا عظيما فوق ما تتصورون. وقوله رحمه الله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ كما تقدم، هذه الآية ترد بعد كل موضع لتأكيد التذكير بنعمة الله والتخويف من عذاب الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن من علم هذا علم اليقين أوجب له أن يشكر نعمة الله، أنه ما زال في حياة الإمكان والاستطاعة، يستطيع أن يتوب ويصلح ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن تقوم الساعة، فيندم حيث لا ينفع الندم. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌ﴾ قال: «عن ذنبه ويسألون في وقت آخر»، «فوربك لنسألنهم أجمعين». يعني لا تعارض بين نفي السؤال هاهنا وإثبات السؤال في الأدلة الأخرى والآيات الأخرى. والجمع بينها كما قال العلماء: «فيوم تقوم الساعة، الناس في أهوال عظيمة، ويكون عندهم من شدة الأهوال وما يكون من العذاب والعقاب، لا يكون معه شيء إلا مجرد تلك الأهوال. وأما بعد الحشر فإنهم يسألون». وهذا هو ما جاءت به الأحاديث الكثيرة: «ما منكم إلا سيلقاه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». وفي حديث عائشة: «من حوسب عذب». وغيره من الأحاديث الأخرى التي فيها ذكر أصناف السؤال التي يسأل بها الناس يوم القيامة، على اختلاف أحوالهم ومنازلهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته ورحمته ورضوانه. وقوله: «والجان هنا وفيما سيأتي بمعنى الجن، والإنس بمعنى الإنس» يعني جنس الإنس وجنس الجن، وهما الثقلان اللذان يكون لهما السؤال. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ كذلك كما تقدم في التذكير بنعم الله وسرعة التوبة والإنابة إليه. وقوله: «يعرف المجرمون بسيماهم» قال: «سواد الوجوه وزرقة العيون». وقال غير واحد من أهل العلم: «صفات المجرمين كثيرة». وهذا من بعض الصفات التي وردت بها الآثار. والمعنى أن أهل الإجرام والكفر والشرك يعرفون بصفاتهم التي ذكرها الله عز وجل، وذكرها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك أنهم يؤتى بهم عظاما ليعظم عذابهم في نار جهنم. وغيرها من الصفات. «فيؤخذ بالنواصي والأقدام» قال: «أي تضم ناصية كل منهم إلى قدمه من خلف». وهكذا جاءت السنة تفسر القرآن. «هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون» أي هذا وصف هذه النار. وهذا قليل من كثير مما وصفت به هذه النار، وهو من باب التخويف والتهديد والزجر والوعيد. قال: «يطوفون» قال: «يسعون». ولا شك أن الطواف غير السعي. ومعنى أنه يدار عليهم أنواع من العذاب وصنوف من العقاب. فمنها الحميم، وهو كما مر معنا ما هو أعظم من الماء الحار، بل عصارة أهل النار وما فيها من العذاب الذي يصب، حتى الحجارة تكون مصهورة. وكل ما في النار يصهر، فيكون من الحميم الذي يعذب به أهل النار. وقوله: «آن» قال: «شديد الحرارة يسقونه إذا استغاثوا من حر النار». وهو منقوص «كقاض». يعني أصله «آن آني» فقيل: «آن» بحذف الألف واللام. والمعنى وصف لهذا الحميم أنه شديد الحرارة. فقد تقدم معنا ما معنى الحميم. وهكذا ختمت ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ على ما تقدم: تخويف وتهديد بأن يعجل الإنسان بالتوبة إلى الله ورجوع إليه والإيمان به وانتثال أمره ونهيه، قبل أن لا يكون ندم حيث لا ينفع الندم. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه، صلى الله عليه وسلم.