الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم القيامة سيحاسب الله الجن والإنس على أفعالهم ولن يستطيعوا الهروب من الحساب. الآيات الكريمة تصف عجزهم عن الهروب وتوعدهم بالعذاب.
الآيات القرآنية تتحدث عن عجز الإنس والجن عن النفاذ من السماوات والأرض يوم القيامة، وتدل على عظم ما يكون في ذلك اليوم. تفسير هذه الآيات يشمل شرح معاني 'شواظ من نار' و'نحاس'.
يوم القيامة يوم عظيم وهائل ولا نجاة فيه إلا بالتوكل على الله سبحانه وتعالى. يجب طلب الهداية والصلاح من الله لتحسين الخاتمة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾. قال المفسر رحمه الله: ﴿سنفرغ لكم﴾ سنقصد لكم أيها الثقلان الإنس والجن، ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾، ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا﴾ تخرجوا من أقطار نواحي السماوات والأرض، ﴿فانفذوا﴾ أمر تعجيز، ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾ بقوة، ولا قوة لكم على ذلك، ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾، ﴿يرسل عليكما شواظ من نار﴾ هو لهب والخالص من الدخان أو معه، ﴿ونحاس﴾ أي دخان لا لهب فيه، ﴿فلا تنتصران﴾ تمتنعان من ذلك، بل يسوقكم إلى المحشر، ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه آياتٌ تتمة لما سبق أو ما سبقها من الآيات العظيمات التي فيها التهديد والوعيد للكافرين والمشركين والمجرمين، والآيات مكية كما تقدم معنا. فلما ذكر الله عز وجل حددًا من الآيات الشرعية والكونية على معاني ربويته وما يستلزم من معاني ألوهيته سبحانه وتعالى، وذكر فناء هذا العالم بما فيه الجن والإنس وبقاء الرب العظيم سبحانه وتعالى وحده، وهذا هو يوم القيامة، أتبع بهذه الآيات جل وعلا التي فيها شيءٌ من أهوال يوم القيامة، يخوّف سبحانه وتعالى بها ويزجر لعل معتبراً يعتبر. فقال سبحانه وتعالى: ﴿سنفرغ لكم﴾ أيها الثقلان، قال: أي سنقصد بحسابكم، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ شديد. فإذا كان الله العظيم قد توعد بهذا الوعد، فهذا من أعظم التخويف والتهديد الذي يكون لمن كان عنده ذرة اعتباراً يعتبر. وقوله جل وعلا: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾، فآيات الله عظيمة لا نكذب شيئًا منها، سبحانه وتعالى. وقد ذكر لنا عددًا من هذه الآيات، وهي دالةٌ على ما هو أعظم منها. فإذا كان كذلك، معناه أن ما يكون من يوم القيامة مما أخفى الله عز وجل تفاصيله هو أعظم مما أخبر الله عز وجل به. ولهذا أخبر ببعض ذاك العظيم، واستشهد على ذلك ببعض ما يعرفه الناس من أحوال هذه الدنيا. ولهذا قال بعدها: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا﴾، والمراد بالنفوذ: قال تخرجوا. والصحيح أن اختلاف المبنى على القاعدة يدل على اختلاف المعنى. فالنفوذ يكون من الحواجز، والخروج يكون في الهواء الطلق، في المكان المفتوح أو المغلق الذي يفتح. وفي هذا تهديد ووعيد أن أهل السماوات والأرض محتجزون بحواجب وحواجز عظيمة، لا يمكنهم الفرار والخروج منها إلا بسلطان، أي بقوة ومشيئة من الله سبحانه وتعالى العظيم. وقد اختلف العلماء المعاصرون في تفسير هذه الآية: هل الآية فيها علم من أعلام نبوته ودلائل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام في إمكان خروج الناس أو الإنس أو الجن من هذا العالم وإمكانية وصوله إلى العالم الخارجي، سواء الكواكب أو غيرها؟ فقولان مشهوران مختلفان. فمنهم من منع مطلقًا، وقال: الآيات إنما هي في حق يوم القيامة، وهو للتحدي الذي لا يمكن أن يقع. ومنهم من قال: بل الآيات فيما يستقبل من تاريخ البشرية، وأنه سيكون ذلك في آخر الزمان، والآية علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته. والصحيح والله أعلم التفصيل بهذا، فيقال: الآية لا شك أنها في سياق ذكر يوم القيامة، وفي إشارة إلى إحاطة الجن والإنس والمخلوقات بهذه الحجب والحواجز التي لا يستطيعون الفرار منها والخروج إلا بما يشاء الله. وقوله جل وعلا: ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾، قال: بقوة، ولا قوة لكم على ذلك. وهو كذلك. وهذا لا ينافي الخروج بإذن الله من أغلفة الأرض أو الوصول إلى شيء من الأفلاك، فإنه لا يزال في قدرة الله وفي سلطان الله، ولا مفر له من الله مهما طار أو هرب. وقوله جل وعلا: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار﴾، قال: هو لهبها الخالص من الدخان أو معه، ﴿ونحاس﴾ أي دخان لا لهب فيه. والعرب تطلق على نوع من الدخان أنه نحاس. والصحيح أنه ليس نحاسًا، ليس دخانًا خالصًا. والشواظ ليس لهبًا خالصًا، بل الصحيح أن الشواظ هو عظيم لهب الشواظ، هو عظيم لهب المختلط بغيره. ولهذا قال: ﴿ونحاس﴾ أي نحاس، فسره بعضهم أنه مع ذلك اللهب العظيم، وفسره بعضهم: نحاس أي شواظ آخر مختلط بشيء من النحاس. وقوله سبحانه: ﴿يرسل﴾ أي من العلو إلى السفل، من العلو إلى السفل. وهذا يدل على عظم ما يكون بذلك اليوم العظيم يوم القيامة، أي تنزل عليهم قطعات من اللهب العظيم مختلطة بأشياء معها من المعادن وغيرها. وقوله: ﴿فلا تنتصران﴾، قال: أي تمتنعان من ذلك، بل يسوقكم إلى المحشر، أي لا مفر في ذلك اليوم العظيم من الله إلا إلى الله. فالله يسوق الناس إلى المحشر، فيكون النار تندلع من قعر عدن في لهب شديد كما جاء بالأحاديث، تترحل معهم في ليلهم ونهارهم. والعلم الحديث أثبت وجود فوهة بركان عظيم في عدن، وسميت اليوم بـ "كريتر" باللغة الإنجليزية، أي فوهة بركان. وهي إذا نظرت فيها من السماء، فيها أعظم فوهة بركان في الأرض. فالأرض تندلع بهذه النار، والسماء ترميهم بكرات من النار، أي لهب النار العظيم، إذانًا بحشر الناس إلى أرض المحشر. فإذا كان الأمر كذلك، وهذا قليل من كثير من مهولات ذلك اليوم العظيم، فكيف يكون الانتصار إلا بمن؟ إلا بالله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يحسن خاتمتنا.