الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات التي تشير إلى خلق الله للسفن العظيمة وتأكيد بقاء وجه الله وحده. هذه الآيات تثبت ألوهية الله وصدق رسوله.
شرح معنى آية الكل فان ويبقى وجه ربك، وتأكيد أهمية إثبات صفات الله كما جاءت في الكتاب والسنة بدون تحريف.
شرح معاني أسماء الله وصفاته مثل "الوجه" و"ذو الجلال والإكرام" ودلالتها على عظمة الله وافتقار المخلوقات إليه.
الآيات الكونية والشرعية تحتوي على نعم تستدعي الخضوع لله، وتتضمن معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال المفسر رحمه الله: «﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ السفن ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ المحدثات في البحر ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ كالجبال عظما وارتفاعا ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي الأرض من الحيوان فان هالك، وعبر بمن تغليما للعقلاء، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ذاته ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ للمؤمنين بأنعمه عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي منطق أو حال ما يحتاجون إليه من القوة على العبادة والرزق والمغفرة وغير ذلك ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ وقت ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإماتة وعزاز وإذلال وإغناء وإعدام وإجابة دعاء وإعطاء سائل وغير ذلك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾». الله رحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا بهذه الآيات من هذه السورة العظيمة التي فيها محاجة المشركين والكافرين وتهديدهم ووعيدهم وزجرهم عما هم فيه، بذكر الآيات الكونية والشرعية التي توجب ما يستلزم ذلك من معاني ألوهيته سبحانه وتعالى والقيام بعبادته والاستجابة لرسله ولشرعه ودينه، وما فيه كذلك من تثبيت للمؤمنين وتأييد لما هم عليه من أذى. والآيات كما تقدم معنا آيات مكية، وهذا هو حال المسلمين المؤمنين في مكة وفي العهد المكي. ومر معنا ما ذكر الله عز وجل في الآيات السابقات من آيات كثيرة تذكر الله عز وجل بها الجن والإنس، ومن ذلك هذه الآيات. قول الله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾، قال: «الجوار» أي السفن. وكما نرى الآن المبنى مختلف، الصحيح أن الجوار ما يجري على الماء، وهو أعظم من معنى السفن. وقد أثبت واقع الناس إلى يومنا هذا أن الله سبحانه وتعالى حكيم، أتى بهذه اللفظة، وهذا من بلاغة القرآن، وفيه علم من أعلام نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، كأنه يقول: كل ما يجري في الماء مما علمتم ومما لم تعلموه مما سيكون بعد ذلك، قد علمه الله في سابق علمه. فهناك جوار تجري على سطح الماء، وهي السفن الصغيرة والكبيرة بأنواعها. ونرى في عصرنا هذا من السفن العظام إذا رأيتها حسبتها مدينة من عظمها وكبرها. وهذا هو قول سبحانه: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، والصحيح أن «المنشآت» ليس المراد بها المحدثات، بل المراد بها العظيمة في بنائها، تنشأ إنشاء عظيما، وهو بحسبه بكل زمان ومكان. وهكذا من الجوار جوار تحت الماء، كالغواصات اليوم في أنواعها. وهكذا كذلك على سطح الماء وفوقه، كالطائرات البحرية التي تنطلق وتنزل في الماء وتجري في الماء، وأنواع المسيرات التي تستخدم الماء، كل هذا يدخل بمعنى «الجوار»، أي ما يجري بسبب نعمة الله في هذا البحر الواسع العظيم. لولا وجوده لما سهل على الناس الانتقال فيه بهذه الجوار المتنوعة العظيمة، مع ما في هذه البحار العظيمة كما تقدم معنا من أنواع نعم الله وخيرات الله فيه مكتنزة. وقوله: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ كما تقدم معنا معناه: ما أنشأه الله عظيما، وليس المراد ما أحدث وصنع، بل ما صنع على وجه الدوام أو طول الزمان. ولهذا عبر بلفظ «الإنشاء». ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ قال: كالجبال عظما وارتفاعا. والأعلام هي ما يرى من علامات كل شيء من بعد. فإذا أتيت إلى المدينة من بعيد وكان فيها الجبال، فأول ما ترى الجبال أو البلدة، وهذا يدل على عظم هذه الجبال أنك تراها من بعيد. وإن كان لها بنيان عظيم، فبنيانها، وإن لم يكن إلا الراية المرتفعة، وهو ما يسمى بالعلم، فذلك العلم. والمقصود من هذا أن نعلم أن المقصود ما ينشأ عظيما مرتفعا في الماء. وهذا يتناول كل ما ينشأ في الماء مما يسير، ومنه كما قلنا السفن العظيمة التي ما كان يعرفها الناس من قبل. بعضها تنسى أنك في سفينة، كأنها مدينة وليست سفينة. وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ كما تقدم معنا تذكير بنعم الله سبحانه وتعالى. وكما جاء في الحديث: «أنه يذكر فيقال: ليس بشيء من نعمك نكذب يا رب، فلك الحمد. ليس شيء من نعمك نكذب يا رب، فلك الحمد». قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي الأرض. قال: الأرض من الحيوان. والصحيح أنه أعم من ذلك، كل من عليها، أي ما على هذه الأرض، وكذلك البحر، وسائر ما في هذه الدنيا، حتى السماء، أي كل من في السماوات والأرض، وما في مخلوقات الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿فَانٍ﴾ قال: هالك. وهالك لا شك أنه يختلف في المبنى، فالفناء أعظم وأبلغ من الهلاك. ومعناه أن الله عز وجل أوجدها من عدم، وهي سائرة إلى عدم، وهو على كل شيء قدير. وقوله: «وعبر بمن تغليبا للعقلاء»، الصحيح أن المعنى أعظم من هذا، بل عبر بمن لأن كل ما خلقه الله في السماوات والأرض إنما خلقه نعمة مسخرة للعقلاء. ولذلك صار ما سوى العقلاء تبعًا لما سوى العقلاء تبعًا. فكأنه قال: هذه الدنيا وما فيها خلقتها لهؤلاء العقلاء، فهي زيادة الحجة على العقلاء أن الله يحاسبهم بهذه النعمة التي أنعم بها عليهم. فما في هذه الدنيا من أشجار وأحجار ونبات وحيوان وجمادات، كلها من نعم الله التي سخرها للجن والإنس. ولهذا ذكر العقلاء وهم الأصل، ولم يذكر غير العقلاء لأنه تبع. وإلا لو أردنا وأخذنا بالتغليب، فالأغلب غير العقلاء، الأغلب الجمادات والحيوانات والمخلوقات التي لا تعقل. ولكن لأن المقصود بالخطاب هم العقلاء، وما سوى العقلاء فهو مسخر للعقلاء، لهذا ذكر الخطاب بصيغة العقلاء. قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ قال: ذاته. وهذا مما أخذ على المفسر رحمه الله من المواضع التي أخذت عليه. فإن هذا معنى من معاني التحريف. والتحريف للنص قد يكون لفظيا ومعنويا. ولا شك أن معنى «الوجه» يتضمن الذات، لكنه ليس معناه نفي لإثبات الوجه. وفرق بين من يقول: «ويبقى وجه ربك» أي يبقى وجه الله، في إثبات الوجه، والمقصود «ويبقى الله سبحانه وتعالى». ففيه إثبات بقاء الله مع إثبات صفة الوجه على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى. مع من يقول: «ويبقى ذات الله» أو «ويبقى الله» ثم يقول: «وجه» ها هنا زائدة. والأصل «ويبقى ربك». ويكون هذا فيه معنى تعطيل هذه الصفة من صفات الله، وهي صفة «الوجه». ثم يذهب هؤلاء فيعطلون، فيقولون إذا سئلوا عن هذا التعطيل: «تنزيها لله سبحانه وتعالى». ففروا من التنزيه ووقعوا في التعطيل. والواجب إمرار وإجراء ما جاء من أسماء الله وصفاته من كتاب الله وسنة رسوله كما جاء، لا يعارض ولا يحرف ولا يعطل ولا يبدل. بل نثبته كما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. وبه ننتبه أن التعطيل قد يكون خفيا مثل هذا الموضع. فالمعنى بالإجمال صحيح، المقصود ليس بقاء الوجه دون الذات، بل المقصود بقاء الله سبحانه وتعالى وذاته المقدسة. ولكن لماذا ذكر «الوجه»؟ ذكر «الوجه» لإثبات الوجه لله على ما يليق بجلاله وجماله سبحانه وتعالى، وكذلك للتعظيم. فالناس بينهم، ولله المثل الأعلى، إذا أراد بعضهم أن يضرب لبعض العهود والوعود، يقول: «أنت في وجهي»، ما يقول: «أنت في ذاتي». ولكن يقول: «أنت في وجهي»، يعني تأكيدًا لهذا العهد. وأكرم ما في الإنسان الوجه، ولهذا نهى الإسلام عن ضرب الوجه إكرامًا لهذا الإنسان. ففي هذا تعظيم الله عز وجل، وإثبات كماله وجلاله وجماله بإثبات الوجه له على ما يليق به سبحانه وتعالى في جلاله وجماله، وكذلك كماله سبحانه وتعالى. قوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، قيل: إنه للوجه أو للرب. وسواء كان هذا أو هذا، فلا ينفي أن يكون الوجه موصوفا بالجلال، والذات كذلك تبع. ومن حيث اللغة هو تبع للوجه لأنه مرفوع. قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومناسبة ذكر بقاء الله عز وجل بعد فناء المخلوقات، التنبيه إلى افتقار هذه المخلوقات لله سبحانه وتعالى. أي أن كل ما ترونه أمامكم عظيما، وما ذكرتم به سيفنى وينتهي، ولن يبقى إلا الباقي، وهو الله سبحانه وتعالى. فإذا كان الأمر كذلك، فافتقروا إليه بتحقيق معاني ربوبيته وألوهيته والقيام بعبوديته سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: أي بلسان أو بحال. فالمسلم والمؤمن يسأل بلسان الحال والمقال، لأنه عرف عظمة الرب فالتجأ إليه. وأما الكافر والفاجر والجمادات والحيوانات، فإنها كما ذكر المفسرون تسأل بلسان الحال. يعني هذه الذوات مفتقرة لله عز وجل، فهي تسأل في افتقارها إلى الله، فيمدها الله بما شاء كيف شاء إلى الوقت الذي يشاء سبحانه وتعالى. فلو لا أن الله أمد الكافر بالأرزاق لما عاش لحظة، بل لو قطع عنه النفس والهواء لهلك من ساعته. ولكن لله حكمه، يعطي البر والفاجر والمؤمن والكافر. فالمؤمن يسأل فيعطيه الله بما كان من سؤاله بلسان المقال أو بلسان الحال. لسان الحال: أن كل عضو في جسده يسأل الله، كما أن الجمادات تسأل الله سبحانه وتعالى مفتقرة إليه، لأنها تعلم معاني ربوبيته وافتقارها إليه سبحانه وتعالى. ولهذا الأجساد يوم القيامة تتبرأ من الكافرين والفاجرين، لأنها مربوبة لمن خلقها وباريها، فتكون عدوة لأصحابها، فتشهد عليهم ألسنتهم وأرجلهم وأيديهم وكل جوارحهم بما كانوا يكسبون في هذه الدنيا مما ينافي معاني عبوديته سبحانه وتعالى. فيكون المعنى أن السؤال سؤالان: بلسان الحال، وليس هذا إلا لمن عرف معنى العبودية من الإنس والجن والملائكة، الإنس والجن أهل الإيمان والإسلام، ولسان الحال وهو لكل ما سوى ذلك. وقوله: «من القوة على العبادة والرزق والمغفرة»، القوة على العبادة لمن؟ الإنس والجن المؤمنين والملائكة. والبقية بقية المخلوقات بلسان الحال في الرزق والحوائج. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: كل وقت. فالمقصود باليوم الوقت. وقد يذكر الوقت الأعلى ويراد به الأدنى. وهو في شأن، قال: أي أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإماتة وإعزاز وإذلال وإغناء وإعدام إلى آخر ما ذكر رحمه الله. ومعناه أنه سبحانه وتعالى وحده لا شريك له القائم بشؤون خلقه، ما يتعلق بمعاني هذه الحاجة والافتقار الكونية والشرعية. فالله سبحانه وتعالى وحده الذي يقوم بها، فينبغي إذن الرجوع إليه والافتقار إليه وأداء معاني العبودية لله سبحانه وتعالى. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تذكير بهذه النعم. فكل واحدة من هذه الآيات تضمنت آيات شرعية وكونية، فيها من النعم ما تقتضي الخضوع والرجوع إلى الله بمعاني ربوبيته وألوهيته وعظيم معاني أسمائه وصفاته. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله.