الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة الرحمن مكية وتتحدث عن توحيد الله وفضله وعدله. افتتحت باسم الله الرحمن لتشمل رحمته كل شيء.
الآيات القرآنية تشير إلى خلق الإنسان وتعليمه البيان، وجريان الشمس والقمر بحساب. هذه الآيات تدل على عظمة الله ووجوب العدل.
الآيات القرآنية تتعلق بالعدل والميزان وخلق الأرض ونعم الله على خلقه. العدل مهم في الأمور الحسية والمعنوية.
استخدام الطريقة العددية في الإعجاز القرآني بشكل غير صحيح أدى إلى استنكار العلماء. هذا النهج سيتم مناقشته لاحقا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾. قال المفسر رحمه الله: سورة الرحمن مكية، إلا «يسأله من في السماوات والأرض» الآية، وهي ست أو ثمان أو ثمان وسبعون آية. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾. قال: «الرحمن» الله تعالى، «علم من شاء القرآن»، «خلق الإنسان» أي الجنس، «علمه البيان» النطق. «الشمس والقمر بحسبان» يجريان بحساب. «والنجم» ما لا ساق له من النبات، «والشجر» ما له ساق، «يسجدان» يخضعان لما يراد منهما. «والسماء رفعها ووضع الميزان» أثبت العدل. «ألا تطغوا» أي لأجل ألا تجوروا في الميزان ما يوزن به. «وأقيموا الوزن بالقسط» بالعدل. «ولا تخسروا الميزان» توقصوا الموزون. «والأرض وضعها» أثبتها للخلق الإنس والجن وغيرهم. «فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام» أوعية طلعها. «والحب» كالحنطة والشعير «ذو العصف» التبن، «والريحان» الورق المشموم. «فبأي آلاء» نعم «ربكما» أيها الإنس والجن «تكذبان» ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير. لما روى الحاكم عن جابر رضي الله عنه قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: «ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ إلا قالوا: «ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب»». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحن في سورة من سور هذا الجزء من مفصل القرآن، وفيه كما ذكر رحمه الله من الآيات المكية، وأكثرها أو كلها إلا الآية التي أشار إليها رحمه الله، وسيأتي الكلام عليها «يسأله من في السماوات والأرض» الآية، وهي سورة عظيمة، وحالها كحال السور المكية التي فيها خطاب المشركين في أمر التوحيد، وتحذيرهم من الشرك والكفر والإجرام والفجور والعصيان، مع ما فيه من تسرية المؤمنين، وكذلك تثبيتهم، وإخبارهم بعضهم فضل الله عز وجل وعدله في الدنيا وبالآخرة، وما عده الله عز وجل لهم إنهم ثبتوا على التوحيد والطاعة والإحسان والعدل الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. ولهذا تتحت هذه السورة العظيمة باسمه العظيم «الرحمن»، فالله عز وجل رحمن الدنيا والآخرة، فمن أطاعه فقام بتوحيده وأدى ما أوجب الله سبحانه وتعالى، وصلته رحمته سبحانه وتعالى بالدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. وهو كذلك له رحمة حتى مع الكافرين، ومن رحمته بالكافرين أن رزقهم مع كفرهم، وأن أمهلهم مع عنادهم، وأن كذلك تابع بإرسال الرسل وإقامة الحجج مع عظيم إجرامهم، وكل هذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى ورفقه وحلمه بهؤلاء الكافرين المجرمين المعاندين. وبهذا المعنى وغيره رحمة الله سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، البر والكافر، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولهذا المعنى وغيره افتتحت هذه السورة العظيمة باسم الله العظيم «الرحمن»، وهو الله سبحانه وتعالى، مع ما فيه كذلك من معاني البيان العظيم. فافتتاح السورة باسم الله «الرحمن» فيه من المعاني اللفظية والمعنوية ما يوجب تعظيم هذا القرآن، وإضاح ما فيه من البيان، ولهذا قدم اسم الله سبحانه وتعالى العظيم «الرحمن»، وأخرت الجملة الفعلية بعده «علم القرآن»، فالله عز وجل وحده لا شريك له علم العلوم كلها، وخص بتعليم القرآن لما فيه من الحجج الواضحة والدلائل والبراهين الدامغة، ما هي كفيلة بإحجاج المشركين والكافرين لو كانوا يعقلون. والآيات مفتية كما تقدم معنى، ففيها هذا المعنى العظيم في محاججة الكافرين والمشركين، وفي افتتاح هذه السورة بتعليم القرآن إلفات الانتباه إلى آية الله عز وجل في هذا القرآن، وأنه سبحانه وتعالى قد جعل آية عظيمة بل آيات في هذا القرآن العظيم لمن نظر به واعتبره. ثم أتبع جل وعلا بقوله: «خلق الإنسان» قال: أي الجنس، جنس الإنسان، وكذلك في هذا الامتنان على الإنس والجن والمؤمن والكافر والبر والفاجر، بأنه سبحانه وتعالى الخالق لكل المخلوقات. وذكر خلق الإنسان، وذكر خلق الإنسان من ذكر البعض الذي يشار به للكل، وذكر الإنسان لأجل كذلك تنبيه الكافر والمؤمن والفاجر والبر بعظيم افتقار لخالق. ثم قال جل وعلا: «علمه البيان» قال: النطق، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن البيان أعم من أن يفسر بالنطق، بل معاني البيان المجملة اثنان، والمفصلة أربعة. فالاثنان هما بيان النطق وبيان الكتابة، ولهذا تجد في القرآن من المعاني والألفاظ ما هو بيان النطق والكتابة، ما يعجز عن الإتيان بمثله أفصح الناس باللغة العربية. وأما المعاني المفصلة في البيان فكل معاني البيان الذي تندرج في بيان النطق والتعبير والكتابة، وكذلك تراكيب الجمل، فكل هذه المعاني موجودة في القرآن وزيادة. فالله عز وجل جعل القرآن معجزا بمعاني كثيرة، ومن هذه المعاني ما فيه من البيان، فالله عز وجل هو الذي علم الإنسان البيان، وخص التعليم بالقرآن بأعظم بيان وأبلغه. وقوله جل وعلا: «الشمس والقمر بحسبان» قال: يجريان بحساب، وهذا من التدرج في ذكر نعم الله ومخلوقاته العظيمة التي تدل على عظمة خالقها، ابتدأ بالإنسان ليتفكر بافتقاره إلى ربه وخالقه، ثم بأعظم المخلوقات يراها، مع ما فيها في جريانها من معاني بديعة في طلوعها وغروبها، وكذلك انضباط سيرها في حسابها، وكل هذا من آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة في هذه المخلوقات. ولهذا قال جل وعلا: «والشمس والقمر بحسبان» يعني خلقهم الله عز وجل يجريان كما قال بحساب دقيق، من تأمل علم عظمة خالقها سبحانه وتعالى. ثم قال: «والنجم والشجر يسجدان»، «والنجم» ما لا ساق له من النبات، كما قال رحمه الله: هو كل شجر ليس له ساق، يعني يفترش على الأرض، سواء من شجر الأرض أو شجر الماء. «والشجر» ما له ساق، سواء من شجر الأرض أو شجر الماء، فما له ساق شجر، وما ليس له الساق نجم، وفي هذا كذلك من البيان المعنوي والبيان اللفظي في الكتاب. فلما ذكر «الشمس والقمر» وذكر «النجم» ألفت إلى معنى النجم الذي هو النبات الذي لا ساق له، وباللفظ يلفت الانتباه إلى ماذا؟ إلى النجم الذي في السماء، وهو من مخلوقات الله عز وجل العظيم كذلك. وكل هذه المخلوقات العظيمة تسجد لله عز وجل «يسجدان» قال: يخضعان لما يراد منهما، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الشمس تسجد سجودا حقيقا حقيقيا يليق بها لله عز وجل كل يوم قبل أن تطلع حتى يأذن الله عز وجل لها بالطلوع من جهة المغرب حين تقوم الساعة، فيستأذن في كل مرة: متى يؤذن لها بالطلوع من المغرب؟ وهذا في كيفية لا نعلمها، والله سبحانه وتعالى يعلمها، نؤمن بذلك حقيقة. ومن معاني السجود ما أشار إليه رحمه الله: السجود المعنوي، وهو الخضوع والانقياد لأوامر الله عز وجل وعظيم إرادته في سيرها وحسابها، وكذلك سائر المخلوقات، ومن ذلك تعظيم الله وتسبيحه، وإن من شيء إلا يسبح بحمده. وقوله سبحانه: «والسماء رفعها ووضع الميزان» كذلك هذا فيه من المعاني اللغوية والمعنوية، فذكر السماء وما فيها من عظم يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى خالقها، وفيه كذلك الإشارة إلى ضدها وهو الأرض. «ووضع الميزان» أي العدل، ومعناه العظيم الذي خلق هذه السماء العظيمة هو الذي أمر بالعدل، فالواجب إقامته. «ألا تطغوا في الميزان» قال: أي لأجل ألا تجوروا فيما يوزن به، أي الميزان، والمقصود تخويفه وتهديد لمن لا يقيم العدل الذي أمر الله عز وجل به، العدل الحسي في الموزونات في البيع والشراء والأخذ والعطاء. والمراد بالميزان العدل، سواء الميزان الذي يوزن به، أو المتر الذي يمتر به، أو كذلك غيرها من الأدوات التي يتوصل بها إلى العدل في مبادلة الناس في حقوقهم، وهذا في الأمر الحسي. وهذا كذلك في الأمور المعنوية من حقوق المخلوقين المعنوية، أمر الله عز وجل بالعدل، حتى لو أسيئ إليك فإنك لا تسيء، ولم يؤذن لك إلا بالمثل، وجزاء سيئة: سيئة مثلها، لا يجوز الزيادة على ذلك، بل العفو والصفح أفضل. وهكذا كذلك فيما يتعلق بالأمور الشرعية: العدل في إقامة التوحيد، ولزوم الطاعة، والبعد عن الشرك والكفر والعصيان، وكل هذا من العدل الذي أمر الله عز وجل به. «ولا تخسروا الميزان» قال: تنقصوا الموزون، وهذا يتناول الحسي وهو ما ذكر من الموزونات التي يقصد بها العدل في حقوق الآدميين الحسية، سواء أكان موزونا أو كذلك معدودا أو غير ذلك مما تؤدى به حقوق المخلوقين الحسية أو كذلك المعنوية. وهكذا كذلك ما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى. «والأرض وضعها» قال: أثبتها، وهكذا القرآن مثاني، إذا ذكر الجنة ذكر النار، وإذا ذكر الجن ذكر الإنس، وإذا ذكر السماء ذكر الأرض، وإذا ذكر الشمس ذكر القمر، مثاني فيها العظة والعبرة. والمقصود هو الإشارة إلى عظمة الله، فإنما في هذه الأرض العظيمة من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، فيها من الجمال والإتقان، وكذلك الكمال، ما يدل على كمال وعظمة خالقها سبحانه وتعالى. فالأرض وضعها الله عز وجل «للأنام» قال: للخلق الإنس والجن وغيرهم، يعني من الدواب والنبات، وحتى كذلك الجمادات، فالله عز وجل خلق الأرض بعظيم حكمته لهذه المخلوقات جميعا، صغيرها وكبيرها، ما علمناه وما لم نعلمه، وما رأيناه وما لم نره. ففي هذه الأرض من أسرار الله عز وجل وعظيم حكمته في خلقه الشيء العظيم الذي يدل على عظيم حكمة الله عز وجل، وهذا كله يقتضي توحيده سبحانه وتعالى، فهو من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. ثم جاء التفصيل بعد الإجمال، ونلاحظ أن الإجمال يأتي بذكر الأكبر ثم الأصغر، فقال: «فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان». وكل هذه من آيات الله سبحانه وتعالى تدل على عظيم رفق الله عز وجل ورحمته بخلقه، حتى الكافرين، ما من لهم من كفر وعناد إلا أن الله عز وجل أمهلهم في إمدادهم بهذه الحياة والأرزاق والنعم لعلهم يرجعون، فتقوم عليهم الحجج، وتتم كذلك بذلك آياته الشرعية وآياته الكونية سبحانه وتعالى. وقوله: «فبأي آلاء ربكما تكذبان» قال: أي بأي نعم الله، والآلاء غير النعم، فهي النعم وزيادة، أي النعم العظيمة التي تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى. وقوله: «ربكما» أي الإنس والجن، لأن الخطاب لهما كما سيأتي معنا إن شاء الله في الآيات التاليات. «تكذبان» قال: ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير، أي لتقرير الإنس والجن بهذا المعنى العظيم. وحديث جابر صحيح، ذكره الشيخ الألباني كما أشار في التعليق في الصحيحة، وغير واحد من أهل العلم قد صححه، أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهم، وإسناده حسن أو صحيح. ومعناه أنه يستحب عند سماع هذه الآية أن يقال بهذا الذكر، فيقال: «ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب»، فلك الحمد، أو بمعنى: أو بمعنى. وسيأتي معنى أن تكرار هذه الآية لتكرار هذه النعم والتذكير بها. وأما ما يدعيه بعض المعاصرين من استخدام الطريقة الحسابية في إظهار شيء من الإعجاز العددي بالتكلف، فلم يكن هذا من طريقة السلف، وليس يدل عليه لا صريحا ولا كذلك غير صريح شيء من أدلة الكتاب والسنة، بل هو من الأمور المحدثة التي أحدثها بعض المعاصرين. وفيه من التكلف، بل إذا استخدمه بعض الناس بطريقة أخرى ربما صار فيه حجة على صاحبه لا عليه، ولهذا صار العلماء يحذرون من هذه الطريقة لأنها تفضي كذلك إلى الشيء، كما أنها تفضي إلى ما يدعون من التزيين بهذا القرآن. قد استغله آخر فيشين به القرآن كذلك بالطريقة العددية، ولهذا ولغيره استنكر كثير من العلماء هذه الطريقة، وسأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.