الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 7، الدرس السابع:من( باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ... حصلت له جميع الفضائل المشار إليها في الباب السابق بأكملها والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحقيق التوحيد يعني كمال الإخلاص لله والسلامة من الشرك والبدع والمعاصي، وهو شرط لدخول الجنة بغير حساب. تحقيق التوحيد ينقسم إلى قسمين ويتطلب امتلاء القلب بالإيمان والإخلاص وطاعة الأوامر الإلهية.
تحقيق التوحيد يثمر يقينا وشجاعة وثباتا، ويورث الصبر وخصال الإيمان، ويتحقق به كل خير ديني ودنيوي. التوحيد يتطلب عدم الالتفات إلى غير الله، والتوكل عليه، وتحقيق ذلك يكون بكمال القنوة لله.
التوحيد ليس مجرد ادعاء أو كلمات تُقال باللسان، بل هو حقائق وأعمال تظهر في القلب والجوارح. تحقيق التوحيد يتطلب استقامة واعتدالًا وملازمة للطاعات، ويتجلى في الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة.
الناس متفاوتون في المقام العظيم، وقد تم توضيح هذا التفاوت في الدرجات. هذا التفاوت يظهر في مدى تحقيقهم للتوحيد ودرجة إيمانهم وتقواهم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «القول السديد في مقاصد التوحيد»: قال رحمه الله تعالى: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». قال: وهذا الباب تكميل للباب الذي قبله، وتابع له. فإن تحقيق التوحيد: تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع القولية الاعتقادية والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد وتمنع كماله وتعوقه عن حصول آثاره. وبهذا نعلم أن تحقيق التوحيد ينقسم إلى قسمين، كما مر معنا وتقدم. قال: فمن حقق توحيده بأن امتلأ قلبه من الإيمان والتوحيد والإخلاص، وصدقته الأعمال بأن انقادت لأوامر الله طائعة منيبة مخبتة إلى الله، ولم يجرح ذلك بالإصرار على شيء من المعاصي، فهذا الذي يدخل الجنة بغير حساب. وهذا من حقق أصل التوحيد لم يقع منه شيء من شرك أو كفر أو نفاق، ولا بدع ولا كبائر، ولا إصرار على صغائر، فإنه يدخل الجنة بغير حساب. يدخل الجنة، لكن دخوله الجنة بتحقيقه التوحيد ليس معناه أنه يدخلها بأعلى مراتبها. ودخولها بأعلى مراتبها، ومن ذلك بغير حساب ولا عذاب يكون بتحقيق أصل التوحيد، وهكذا كذلك كماله، كما تقدم معنا. قال: ويكون من السابقين إلى دخولها، وإلى تبوء المنازل منها. لابد من التفصيل بين الدخول وبين الدخول بغير حساب، فإن الدخول بغير حساب هو لمن أتى بمكملاتها وفضائلها. قال: ومن أخص ما يدخل في تحقيقه كمال القنوة لله، وقوة التوكل على الله، بحيث لا يلتفت القلب إلى المخلوقين بشأن من شؤونه، ولا يستشرف إليهم بقلبه، ولا يسألهم بلسان مقاله أو حاله. ولهذا كان من كمال التوحيد عدم الالتفات إلى غير الله، بكمال القنوة لله سبحانه وتعالى، والتوكل عليه. وكما مر معنا قريبا أن القنوة من معانيه: دوام الطاعة، القنوة الدعاء، ومن معانيه الاستقامة والاعتدال، ومن معانيه دوام ملازمة الطاعة. وبحيث -كما قال- لا يلتفت القلب إلى المخلوقين لشدة تعظيمه لربه، وقوة يقينه به سبحانه وتوكله عليه. وقوله بلسان المقال كأن يسأل الناس، وبلسان الحال كأن يتزلف ويتملق وغير ذلك. قال: بل يكون ظاهره وباطنه، وأقواله وأفعاله، وحبه وبغضه، وجميع أحواله، كلها مقصودا بها وجه الله، متبعا فيها رسول الله. وهذا كيف يكون؟ هذا يكون بكمال تحقيقه للتوحيد، لأنه عند ذلك لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. ولا يعني أنه يترك الأسباب، لا هو يأخذ بالأسباب كما أمره الله، لكن لشدة يقينه بربه سبحانه هو لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. فإذا لم يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، فمن باب أولى أن لا يتعلق بها، سواء كانت هذه الأسباب حسية أو كانت معنوية، أو كانت هذه الأسباب في المخلوقين الأحياء أو كانت هذه الأسباب في غير ذلك، فهو متعلق بالله جل وعلا وحده. وهذا لو رؤي أثره على صاحبه لعلم قدر التوحيد وفضله وأثره العظيم على صاحبه، فإنه يثمر عند صاحبه يقينا لا يساويه قوة مهما كانت قوة مخلوق، وتورث شجاعة لا تساويها إقدام وشجاعة عند مخلوق مهما كان من قوة، وتورث كذلك ثباتا ورسوخا لا يساويه شيء، كل ذلك بفضل ما يمن الله عز وجل به على صاحبه من كمال التوحيد. وكذلك ثمرة ذلك اليقين، وتلك الشجاعة، وذاك الثبات، من ثماره أن صاحبه كذلك يرزق الصبر، وأن صاحبه كذلك يرزق سائر خصال وصفات الإيمان، وهي ثمرات عن هذا التوحيد الذي متمك كمل وحقق، فإنه يتحقق له كل خير ديني وخير دنيوي. قال رحمه الله: والناس في هذا المقام العظيم درجات، ولكل درجات درجات مما عملوا. وليس تحقيق التوحيد بالتمني، ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق، ولا بالحول العاطلة. ومعنى الحول العاطلة: يعني الإدعاءات غير الصادقة. قد يدع الإنسان أنه موحد، يقول: أنا -الحمد لله- من الموحدين، ما شاء الله كلمة عظيمة، لكن هل هذا موجود حقيقة؟ هل من الموحدين لله سبحانه وتعالى من يلتفت إلى غير الله بذبح أو نذر أو دعاء، يظن أن غير الله يجلب له خيرا أو يدفع عنه ضر؟ هذا ليس من الموحدين، وهذا ينافي أصل التوحيد أو قل ما ينافي كماله. هل من كمال التوحيد أن يجزع الموحد لما يصيبه من ضراء أو ما يفوته من سراء، فيكون في قلبه تعلق ببعض المخلوقين، ولو لم يعبدها، لكنه يذل لها، وربما تنازل عن بعض الواجبات أو عن الوقوع في بعض المحرمات لدفع ضراء أو وصول إلى سراء؟ مثل من ربما يتساهل في فعل بعض المحرمات لأجل الوصول إلى وظيفة، أو كذلك لدفع ما قد يفوته من نعمة أو ما قد يصل إليه كذلك من نقمة من أذية أو غير ذلك مما يكون من المخلوقين؟ فالمسلم لا يتنازل عما علم من دين الله جل وعلا وشرعه. وهذا هو كمال القنوط لله. وهنا يعرف ميزان التوحيد عند أصحابه بدوام قنوطهم لله سبحانه وتعالى، من كان دائم القنوط لله سبحانه وتعالى هذا هو الذي هو حقق التوحيد. ومن حصلت منه هنات وزلات، فإنه ما كان ذلك إلا نتيجة وثمرة لعدم كمال التوحيد. إذن ليس التوحيد بالتمني، ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق، ولكنها حقائق لها أصل في القلب، وثمرتها استقامة واعتدال وملازمة لذلك في الجوارح. قال رحمه الله: وإنما ذلك بما وقر في القلوب من عقائد الإيمان، وحقائق الإحسان، وصدقته الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة الجليلة. ما أحسنه من كلام، لو أنه وضع على واقع الناس، لكن أكثر الناس لا يعلمون. فإن الكثير من الناس يظن أن حقيقة تحقيق التوحيد بالتلفظ بكلماتها باللسان، وفعل بعض الواجبات بالجوارح، وليس الأمر كذلك. قال: فمن حقق التوحيد على هذا الوجه حصلت له جميع الفضائل المشار إليها في الباب السابق بأكملها. والله أعلم. وبهذا صح ما قال رحمه الله: أن الناس في هذا المقام العظيم درجات. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.