الدرس في كتاب الحوالة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتعريف الحوالة وأركانها الأربعة، ويشرح شروط صحة الحوالة مثل رضا الأطراف واستقرار المال المحال به. هذا يشكل الأساس لفهم الأحكام المتعلقة بالحوالة.
يناقش هذا الجزء شروط الإحالة على شخص آخر لسداد الدين، مشيرًا إلى أهمية رضا الأطراف وآثار المماطلة أو الإفلاس. يوضح أيضًا حقوق الأطراف المعنية في مثل هذه الحالات.
يتناول هذا الفصل الحوالات المالية الحديثة، ويفرق بينها وبين الحوالة الشرعية التقليدية. يشرح الشروط الشرعية للتعامل مع هذه الحوالات، مثل ضرورة التقابض وعدم جواز التأجيل أو التوكيل في القبض.
يختتم الدرس بالإشارة إلى انتهاء المناقشة حول موضوع الحوالات وأحكامها، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء. هذا يشير إلى نهاية الموضوع المطروح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب الحوالة، من أحيل على مليء فليحتل. وإذا مطل المحال عليه أو أفلس، كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه. كذلك يقال في هذا الكتاب ما قيل فيما قبله، فحقه أن يكون في كتاب البيوع. وقول: كتاب الحوالة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الحوالة. ومعنى الحوالة لغة: النقل من محل إلى آخر. وأما في الشرع، وفيما اصطلح عليه أهل العلم، فهو يدور حول معنى انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وذكرها هنا مسائل ابتدأها بقوله: من أحيل على مليء فليحتل. وقبل الدخول في هذه المسائل، علينا أن نعلم أن للحوالة أربعة أركان: محيل، ومحال له، وصيغة التحويل، ومحال به، وهو الحق. فهذه أربعة أركان، إذا وجدت وجدت الحوالة، وإذا تخلف واحد منها لم تكن الحوالة. وذكر العلماء للحوالة شروطًا أخذوها من الأدلة الشرعية التي وردت، وسيأتي معنا بعضها في هذا الباب. الشرط الأول: رضا المحيل والمحال إليه، أو نقال: رضا المحال والمحال إليه. المحيل هو الفاعل، رضا المحال والمحال إليه، فالمحال هو صاحب الحق، والمحال عليه أو إليه هو الذي سيقوم بأداء هذا الحق بدلًا عن الأول الذي عليه الحق. وفي بعض هذه أو في هذين الأمرين خلاف، وما سيأتي من شروط، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وستأتي معنا إن شاء الله. المسائل: الشرط الثاني: كونه يكون من جائز التصرف، فلا يصلح الإحالة إلى غير جائز التصرف. وهذا وما سيأتي مأخوذ كذلك من أدلته، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. والشرط الثالث: علم القدر المحال به وتساويه، والاتفاق على كل ما يكون به هذه الحوالة؛ لأنه هو الذي يقع به الرضا ويزيل التنازع. فإن حصل شيء، فالأصل بقى ما كان على ما كان. والشرط الرابع: استقرار المال المحال به أو الحق المحال به، يعني مثلًا لا تكون الحوالة قبل حلول أجل الدين إذا كان دينًا. هذه أربعة شروط ذكرها العلماء، وهي من أهم الشروط المذكورة في هذا الباب. ثم قال -رحمه الله-: من أحيل على مليء فليحتل. وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وهو في الصحيحين، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مطلو الغني ظلم»، ومعناه: مماطلة المستطيع القادر على الوفاء هي من الظلم. فكل لحظة يحصل فيها التأخير يناله من الإثم ما يناله؛ لأنه ماطل وهو مستطيع. ومن أحيل على مليء فليحتل، ومعناه: من طلب منه أن ينتقل لطلب حقه إلى من يستطيع الوفاء به فليقبل، فليقبل. وهل هذا على الوجوب؟ فيه خلاف بين أهل العلم، الصحيح أنه من باب الإرشاد، وهو قول جمهور أهل العلم. ولابد إذا كان كذلك من رضا المحال والمحال إليه. وأشار -رحمه الله- إلى لفظ: وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، يعني فيه زيادة تأكيد، لو كانت حتى هذه الإحالة فيها شيء من المتابعة فليقبل، ما دام الأصل غير مستطيع، يعني أن هذا من مواضع الإحسان والإصلاح، فليحرص على الإحسان ولا يتأخر عما فيه مثل هذا الباب من أبواب الصدقة، وهو صدقة يتصدق بها على ذاك الذي لا يستطيع؛ لأنه معسر. وقد أمر ربنا جل وعلا إنظار المعسر، فأيهما أخف: إنظاره أو قبول أخذ الحق من آخر محال إليه رضي بالسداد؟ لا شك هذا الثاني، فإذا لماذا لا يتبع يتبع؟ وهذا ما جاء به النص، ولهذا قال إمام مالك -رحمه الله- لما قالوا له: أواجب؟ قال: ليس بواجب، لكن لا ينبغي له أن يرد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني يتبع السنة، وإن كان ليس بواجب، لا ينبغي أن يرد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيكون الأمر ها هنا فليتبع للإرشاد وللدلالة إلى الأفضل. وقوله -رحمه الله تعالى-: وإذا مطل المحال عليه، ومعنى إذا حصل المماطلة، إذا حصلت المماطلة أو أنه أفلس مثلًا، ولهذا قال: أو أفلس، كان للمحال أن يطالب المحيل بدينه؛ لأن هذا هو الأصل. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، فحق هذا المسلم لا يسقط. ولأن معنى الحديث يدل على أن الإحالة تكون بشرط وجود القدرة على السداد، ولهذا قال: على مليء، فمعنى المليء يتناول شيئين اثنين: يتناول الاستطاعة وكذلك الوجود، فإذا تحقق هذان الأمران فهو مليء، وإلا فهو ليس بمليء. فإن ماطل أو أفلس فليس بمليء كما أشار -رحمه الله تعالى- وكما تقدم. لهذا كان الصحيح لابد من الرضاء. وهل لا يشترط الرضاء؟ كما تقدم الصحيح أنه يشترط. وقول من قال: أنه كما أشار المؤلف -رحمه الله- في الشرح قيل: أنه يشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف. قوله: بلا خلاف ليس بصحيح، بل الصحيح أنه قد وقع الخلاف، لكن ما ذكره هو الراجح، وإلا فقد ذكر ابن حزم في المحلى -رحمه الله- هذا القول وخالف فيه، وذكر ذلك عن عدد من أهل العلم. وهنا يأتي كذلك ذكر مسألة لها نفس المسمى واللفظ، ولكنها بالحقيقة تختلف عنها في كونها لا تدخل في هذا المعنى من جهة الوصف، وهي الحوالات المالية المعاصرة التي ابتلي بها الكثير من الناس في مجتمعاتهم. فهذه الحوالات هي في الحقيقة صرف، هي نوع من أنواع الصرف، ولكن حصل فيها تحويل بأحد معنيين اثنين: إما تحويل بمعنى نقل المال من موضع إلى موضع آخر، يعني مثلًا هذا الذي يأتي فيضع المال في هذا المحل من محلات الصرافة لأجل أن يصل إلى بلده في المحل الآخر، هذا طلب نقل للمال، فيكون هذا الناقل مستحقًا للأجر التي يأخذها لأجل نقل هذا المال من هذا البلد إلى البلد الآخر، هذا معنى من معنى التحويل فيه. والمعنى الآخر: أنه يأتي فيعطي هذا الإنسان مالًا فيصرفه ثم لا يقبضه ويحوله هذا الذي صرف أو يطلب هو سواء منه أو يعني سواء من المعطي أو من الآخذ برضى أحدهما يكون التحويل إلى القبض من إنسان آخر، هذا وصف آخر لمعنى الحوالة. وإذا تأملنا هذين الوصفين وجدنا أن هذا النوع من أنواع المعاملات لا يدخل في معنى الحوالة التي ذكرت في هذا الباب، ولكن هي إما أن تدخل في الصرف كالصفة الثانية، وهذا قد نص العلماء أنه لا يصلح ولا يجوز إلا للضرورة؛ لأن الصرف لا بد له من التقابض. ولهذا في المدونة عدد من الآثار عن إمام مالك وغيره في هذه المسألة في رجل أراد أن يصرف ثم يوكل في القبض ثم يوكل غيره في القبض، فقال: لا يجوز ولا يصلح، لا يجوز مثل هذا ولا يصلح، وهي نفس الصفة والكيفية التي تعامل بها الناس اليوم. وكما لا يخفى علينا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا اختلفت فبيع كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، فإذا لابد من التقابض، وهذا لم يحصل، فلهذا لا تجوز هذه الصفة وهذه الكيفية. وإذا كان على المعنى الثاني: نقل المال ويأخذ أجر على هذا النقل، فيقال: لازمه أن يبقى المال بعينه أو مثله لا يحركه، وأما أن يغيره فهو صرف، فهو ماذا صرف؟ إذن إن كان نقل يبقى كما هو، وإن كان صرف فلابد من التقابض، فما دام أن التقابض لا يمكن، فإذن نبقى على الصفة والكيفية الأولى. ولهذا كان قول أهل العلم في مثل هذه المعاملات: أنه لا بد أن تحول بنفس العملة امتثالًا لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-. وفي هذا حكمة، وهي قطع باب الخصومات. وقد نبه على هذا فيما يتعلق في باب الربا في دروس سابقة. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.