الدرس في كتاب الهدايا 1، كتاب الهدايا . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أحكام الهدايا في الإسلام، مبينًا مشروعيتها ومكافأة المهدي. يتطرق أيضًا إلى جواز الهدايا بين المسلمين والكفار إذا كان الغرض تأليف قلب الكافر.
يتناول الدرس أحكام الهدية بين المسلم والكافر، ويبين جواز قبول الهدية وإهداء المسلم للكافر إذا كان فيه مصلحة. كما يشدد على أهمية التسوية بين الأولاد في العطاء.
يؤكد الدرس على وجوب العدل بين الأبناء في الهدايا والعطايا، مع استثناء حالات مثل الفقر أو طلب العلم. كما يبين كراهة رد الهدية لغير مانع شرعي.
تم اختتام الدرس بنهاية مناسبة مع الدعاء والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، بعد مناقشة شاملة للموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب الهدايا، قال: يشرع قبولها ومكافأة فاعلها، وتجوز بين المسلم والكافر، ويحرم الرجوع فيها، وتجب التسوية بين الأولاد، والرد لغير مانع شرعي مكروه. جعل رحمه الله تعالى هذا الموضع في الكلام على أحكام الهدايا، فقال: كتاب الهدايا، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الهدايا. والهدية تأتي بمعنى الهبة والعطية، وهي أخص من الهبة والعطية. فالهبة التبرع بالمال حال الحياة والصحة من غير عوض، والهدية تبرع خاص بمال في حال الحياة والصحة بغير عوض، لكنه يكون غالبًا لمعاني المحبة ونحوها، فهي أخص من الهبة. ولهذا روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «تهادوا تحابوا»، لأن الهدايا لا تكون في الغالب إلا بهذا المعنى، بخلاف الهبة فإنها قد تكون لهذا المعنى أو لغيره، فهي أوسع. وقوله: يشرع قبولها، أي يجوز أن تقبل الهدية؛ لأنه قد يظن أن الهدية نوع من الصدقة، وربما يرى نفسه لا تحل له الصدقة إما لغنائه أو لكونه ممن لا تحل له الصدقة ولو كان فقيرًا كأهل البيت، على ما تقدم تفصيله في كتاب الزكاة. لكن ها هنا المقصود والمراد هو بيان أن هذا مشروع؛ لأنه ليس بصدقة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبولها. كما جاء في قصة عمر، وهكذا جاء في الحديث الذي أشار إليه حديث خالد بن عدي، وأصله كما أشار المعلق في صحيح مسلم من حديث عمر: «من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه». وهو يدل كذلك على التواضع، ولهذا كان من أعظم علامات أهل الإسلام ونبيها عليه الصلاة والسلام قبول الهدية. وفي حديث سلمان في الصحيح: «أن مما علمه سلمان رضي الله عنه وأرضاه من علامات وصفات نبينا عليه الصلاة والسلام عند أهل الكتاب أنه يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة». وقد جاء في صحيح البخاري وغيره، وأشار الشارح المؤلف رحمه الله في شرحه إلى ذلك في حديث أبي هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت». وهذا يدل على تواضعه عليه الصلاة والسلام. والكراع هو أطراف الأقدام وتجمع بكراع أو كراعين، وهي معروفة إلى يومنا هذا تطبخ في المرق. والذراع ما ارتفع قليلًا قد يكون معه شيء من اللحم وقد لا يكون. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام بهذا ليس فقط أن يخبر عن نفسه، ولكن يدل غيره أن هذا مما ينبغي أن يتخلق به المسلم أن يقبل الهدية ولو صغرت، وأن يجيب الدعوة ولو كانت قليلة. حتى لا يكون من خلق الناس أن لا يحضروا إلا إلى دعوة فيها طعام كثير أو يشتهى؛ لأن المقصود ليس هو الطعام بقدر ما المقصود هو حصول التراحم وكذلك التآخي بقبول الدعوة والهدية. فمن أخلاق هذا الدين وآدابه الكريمة أنه حتى على قبول الهدية وإجابة الدعوة ولو كانت الهدية ليست بذاك أو كانت الدعوة في شيء لا ترغب فيه النفس؛ لأن المقصود ليس هو الطعام ولكن المقصود أو الهدية المأخوذة، ولكن المقصود هو حصول التآخي والتحاب والتراحم. ولهذا قال رحمه الله: يشرع قبول الهدية، إذن قوله يشرع ليس فقط يجوز بل الصحيح أنه يستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وحث عليه. ومن قوله: وكما يشرع قبول الهدية كذلك يجوز أو يستحب مكافأة هذا المهدي، ولهذا قال: ومكافأة فاعلها. وأشار في الشرح رحمه الله إلى حديث عائشة في البخاري وغيره: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها». ولا يشترط أن تكون الإثابة أفضل أو أرفع؛ لأن هذا قد يشق عليك خصوصًا إذا كنت مشهورًا بين الناس أو حصل لك وصف أو سبب كمسافر أو غريب أو نحو ذلك. فأنت ربما ما تستطيع تهدي المثل لكل أحد، لكن كافئ وأثب هذا الذي أعطاك ولو بالدعوة، ولو أن تدعو له تقول له: بارك الله لك في مالك وأهلك، أو جزاك الله خير الجزاء، أو نحو ذلك من الدعاء الطيب الحسن، خصوصًا ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإن استطعت أن تكافئه وتثيبه بشيء فعلت، إن كان المثل أو أحسن منه فهو أحسن. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بحديث أبي هريرة ومر معنا في درس سابقة: «أن خيار الناس أحسنهم قضاءًا»، أي الذي يقضي الناس بأحسن ما أخذ منهم. وهذا إذا كان في الدين فهو في الهدية من باب أولى. فمثلًا تستطيع أن ترد الهدية بأفضل منها افعل، أو كنت تستطيع لكن تخشى أن تعترض لك شواغل فتنسى أو يذهب عنك هذا الذي أهدى لك، إذن عجل بإعطائه شيء ولو مثل الذي أطاك أو حتى أقل من الذي أعطاك؛ لأن الإثابة وحصولها أحسن من تعطيلها إذا لم يتأخر شيء. فلا أقل من أن تدعو له بما تدل به على صفاء قلبك وكذلك شكرك له. فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله. ومن شكر الناس المكافأة بالإثابة ولو بالدعاء الطيب الحسن. وهذا معنى من معاني الهدية التي يحصل بها التآخي والتحاب والتراحم. قال رحمه الله: وتجوز بين المسلم والكافر، أي أن الهدايا ليست خاصة بالمسلمين بل يجوز أن تكون بين أهل الإسلام وبين الكفار، خصوصًا إذا كان الكافر يقصد من إهداء الهدية إليه تأليفه على الإسلام، فإن هذا يجمع بين حسنتين: حسنة التأليف، وكذلك حسنة الهدية التي لأجلها أهدى؛ لأنه في الغالب لا يهدي إلا لسبب إما لقرابة وإما لصداقة أو لمجورة أو حتى ربما لأجل هدية كانت من الكافر. وكلها معاني حسنة يحف عليها الإسلام، فكيف إذا انضاف إليه احتساب أنك تفعل ما ترجو أن الله يحبب إليه الإسلام؟ فإن تأثر الناس بالأفعال أكثر من تأثرهم بالأقوال. ومن يدلنا على شيء يدل على هذا أن التأثير بالفعل أبلغ من القول دليل في صلح الحديبية. نعم، قصة النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية حين أمرهم بالتحلل فلم يتحللوا، ليس معصية ولكن رجاء ماذا أن ينزل شيء يكون فيه ما يحبون من إتمام عمرتهم. فدخل إلى زوجته وكانت أم سلمة معه، فأخبرها بأنه يخشى على أصحابه من الهلاك أمرهم فلم يستجيبوا، فأمرته أن يبدأ هو فيأمر الحلاق. فإذا رأى الناس دارك تابعوه، ففعل عليه الصلاة والسلام ففعلوا حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا يعني من شدة متابعتهم ومسارعتهم. فالشاهد في هذا وغيره من الأدلة الأخرى دليل على أن الفعل أبلغ من القول في دعوة الآخرين. وذكر رحمه الله في شرحه بعض الأدلة التي تدل على جواز الهدية بين المسلم والكافر. الكافر يعطي المسلم ويقبل المسلم، والمسلم يعطي الكافر ويقبل الكافر من المسلم. وفي كل من هذا النوع وهذا النوع مصلحة. فإن قبول الهدية من الكافر كذلك سبب لتأليف هذا الكافر. ومن هذه الأدلة ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وجاء معناه كذلك من حديث علي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه ببعض الهدايا من أكيدر دومة الجندل، وهو ملك دومة الجندل، وهو اسم بلد بين الشام والمدينة، بلد بين الشام والمدينة تبعد عن الشام قرابة عشرة مراحل، وعن المدينة قرابة ثلاثة عشر مرحلة». وكم تقدر المرحلة؟ تقريبا ثمانية فراسخ، والمرحلة تختلف من محل إلى آخر. والغالب أن الناس يقطعون السفر في اليوم الواحد إلى ثلاثة مراحل. يعني إذا مشوا بعد الفجر وقفوا قبل الظهر، ثم يمشون بعد انكسار الشمس ويقفون مع صلاة العشاء. يعني في آخر صلاة العشاء يصلون الظهر والعصر ويمشون بعد العصر ثم يمشون إلى وقت صلاة العشاء ويقفون، ثم يمشون مرة ثالثة إلى قريب الفجر وهو وقت التعريس. ويختلف المرحلة تختلف، فبعضهم ذكر أنها قد تصل إلى ما يعادل عشرين كيلو، وبعضهم ذكر أكثر من هذا. فالشاهد هذه البلدة كان فيها هذا الملك النصراني دعاه النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام فرد للنبي صلى الله عليه وسلم بالهدية ولم يجبه في دخوله الإسلام. وقد اختلف العلماء هل دخل في الإسلام؟ والصحيح أنه لم يدخل في الإسلام. فأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي، وأشار إليه بالشرح ثوب حرير، فأعطاه علي فقال له: شققه خمرًا بين الفواطم. وقد أهدى له كما في حديث أنس أكثر من ذلك، ولكن كأن بعض ما أعطاه ثوب حرير. فأهدى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب الحرير لعلي، فقال له: شققه خمرًا بين الفواطم، يعني خمارات. والفواطم قيل المراد به بين النساء، فأراد فاطمة أي زوجته، ومن يحب ويرغب من النساء فجمع الفواطم. وقيل أنه أراد بالفواطم من اسمها فاطمة، وهن ثلاث من قرابات علي رضي الله عنه: زوجته بنت النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة، وأمه فاطمة بنت أسد، وهكذا كذلك فاطمة بنت حمزة. فكلهن فواطم أي ابنة عمه. فهذا معنى لقبول الهدية من الكافر، وفيه مصلحة لا شك. وهكذا العكس إهداء الهدية من المسلم إلى الكافر، فقد صح في صحيح البخاري كما أشار في الشرح كذلك، وتوجد أدلة أخرى كثيرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أسماء بنت أبي بكر أن تهدي لأمها هدية؛ لأنه أقرها أن تصلها بشيء». والصلح تكون بالهدية وما كان بمعناها. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكافئ على الهدية، ومن ذلك مكافأة الكافر. وأشار كذلك إلى هدية النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي، وهو يدل على إهداء المسلم للكافر. وهذا وهذا كله فيه مصالح كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: ويحرم الرجوع فيها، أي يحرم رجوع المسلم عن الهدية؛ لأن هذا أولًا ينافي المقصود الذي لأجله أهديت الهدية. والغالب أن الرجوع في الهدية يكون بسبب الخصومات، والخصومات مذمومة في هذا الدين. والمطلوب هو إبقاء أصل التآخي والتراحم والتحابب مع ما فيه كذلك من الخلق السيء. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وأصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء معناه عن عدد من الصحابة. وقد اختلف أهل العلم هل هذا الحديث يدل على التحريم أو يدل على الكراهة؟ واستدل كثير من أهل العلم أن هذا يدل على التحريم بقوله عليه الصلاة والسلام فيما جاء في بعض الروايات: «ليس لنا مثل السوء». وهو لفظ البخاري كما أشار في الشرح، ومعناه أن أهل الإيمان لا ينبغي أن يكون لهم هذا الوصف. واستدل به على تحريم الرجوع في الهدية خصوصًا وأن المثال شبه به كفعل الكلب. وأكثر الأمثلة التي فيها التشبيه بالحيوانات تدل على التحريم. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: «أن من مواضع معرفة حكم التحريم قرن الحكم بفعل الحيوان أو الكافر أو الشيطان، فإن ذلك من علامات معرفة حكم التحريم في هذا الفعل». وهذا منه يعني هذا يدل على ذلك. فلا يجوز للمسلم أن يرجع في هديته، فالرجوع في الهدية محرم على القول الراجح. ولو لم يكن محرمًا لكان مكروهًا كراهة شديدة في قول من لم يقل في التحريم. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل بهذا المثال: «كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»، تقبيحًا لهذا الفعل وزجرًا وتحذيرًا من الوقوع فيه. قال رحمه الله: وتجب التسوية بين الأولاد. كذلك من أحكام الهدية أنه يجب من أهدى للأولاد أن يسوي في هديته. وبعض أهل العلم يجعل هذا من الهبات وليس من الهدية. فإن قلنا من الهدية وقلنا من الهبات فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التسوية في هذا الحكم. أي من أعطى أولاده شيئًا فعليه أن يعدل. والحكمة من ذلك هو أن لا يكون ذلك العطاء سببًا لإيجاد الشحناء والبغضاء بين الأولاد، فيكون به حصول التعادي بينهم والبغض لأبيهم، وغير ذلك من معاني الشحناء والفرقة والخصومة. وكل هذا مذموم في ديننا. وأشار إلى ما جاء في حديث أو قصة النعمان بن بشير مع أبيه وامرأة أبيه التي هي أمه مع إخوته من غير أمه. وجاء من غير حديث النعمان من حديث جابر بن عبد الله. وأصل الحديث في صحيح مسلم وغيره، بل جاء في الصحيحين: «فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوالده حين جاء والد النعمان بن بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يشهده على عطية أعطاها لابنه النعمان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أله إخوة؟ قال: نعم. قال: أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ وفي رواية: أنحلتهم كما نحلته؟ يعني منحتهم كما منحت هذا الولد. قال: لا». فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يصلح ولا يجوز، وأخبره أنه لا يشهد على زور. وفي رواية: لا يشهد إلا على حق. وفي رواية: لا تشهدني على جور. وأشار إلى هذه الألفاظ رحمه الله في الشرح. وهذا يدل على وجوب العدل بين الأبناء حتى في الهدية والعطية. وأشار إلى حديث ابن عباس وهو فيه ضعف، لكن معناه صحيح: «سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنتم فضلتم أحدًا لفضلتم النساء؛ لشدة حاجة النساء وإعانة لهم». والحديث ضعيف لا يصح، لكن معناه صحيح أي من جهة التسوية بين الأولاد في العطية. واستثنى العلماء مواضع يجوز المفاضلة فيها أي بين الأبناء، وهو ما إذا كان بعض الأبناء متصفًا بوصف يستحق المفاضلة عن إخوته، ودل الدليل الشرعي على ذلك. مثل أن يكون أحدهم فقيرًا والبقية أغنياء، فهو يفاضل لأجل الفقر. أو كان أحدهم طالب علم فيحتاج أن يعان في طلبه للعلم، والبقية يكتسبون. فكما أنه يستحب له أن يعين طالب العلم الأجنبي، فمن باب أولى أن يعين طالب العلم من أولاده، بل هذا له الأجر مرتين: أجر الصدقة وأجر الصلة. ومن هذه المعاني أن يكون هناك سبب من وجد عنده هذا السبب أعطاه إياه. فمثلًا أخذ على نفسه أن كل من يتزوج من الأولاد يعينه بإعانة تناسبه بالعرف، فيزوج الأول، فإذا بلغ الثاني سن الزواج زوج الثاني، فإذا بلغ الثالث زوج الثالث وهكذا. ومنه كذلك المرض مثلًا. ولا يشترط في هذا العدل في العطاء، ولكن حصول الزواج الذي بالعرف يقضي أنه عدل مع إخوانه؛ لأن الأسعار قد تختلف. قد يكون زواج الأول مثلًا بمئة ألف، ثم بعد أربع سنوات خمس سنوات يحصل غلاء في المجتمعات فيزوج الثاني بمئتي ألف. فليس هذا فيه ظلم ما دام أنه أخذ للأول مثل ما أخذ للثاني. فإذا لم يظلم الأول مثلًا أخذ للأول ذهب قدره أربعين جرامًا وغرفة نوم وأدوات مطبخ، وأخذ للثاني مثله لكن كان قيمة هذه الأشياء في زمان الأول مئة ألف، وفي زمان الثاني مئتي ألف. فليس هذا بظلم بل هذا هو العدل ما دام يستطيع ذلك. وهكذا المرض، مرض الأول مرضا يسيرًا فعالجه بألف، واشتد المرض بأحد الأبناء فعالجه بعشرة آلاف. فليس هذا منافيًا للعدل؛ لأنه وجد عنده سبب من وجد عنده مثل هذا السبب زاد أو قل فهو سيعطيه ما يحتاجه. فهذا لا ينافي العدل بين الأبناء. فهذه معاني دل الدليل الشرعي على جواز المفاضلة فيها. قال رحمه الله تعالى: والرد لغير مانع شرعي مكروه. كذلك من مسائل الهدية أنه لا يجوز الرد لغير مانع شرعي. واستدل على ذلك بحديث حسنه جماعة من أهل العلم، وفهم منه هذا الفهم. وتدل عليه أدلة أخرى منها ما تقدم معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله». ومعنى أنه إذا جاءه من مسألة وإشراف فالأحوط أن لا يقبل. وهذا هو المانع الشرعي. ومثله كذلك لو كان عاملًا من العمال فإنه لا يجوز له أن يقبل الهدية وهو في مثل هذا العمل؛ لأنها تعد من الرشوة. فأخذ العامل للهدية وهو يكتسب أجره خصوصًا إذا علم أن الهدية لأجل وظيفته هذا نوع من الرشوة. وقصة ابن اللتبية يدل على ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «هذا أهدي لي وهذا لكم، فقال: ما بال الواقوم يقولون كذا وكذا، ألا قعد في بيت أبيه وأمه فلتأتي هديته يعني إلى بيته». وهذا يدل أن من عمل عملًا لا يجوز له أن يقبل هدية ما دام أن الهدية جاءته عبر هذا العمل وهذه الوظيفة. أما من كان بينك وبينه علاقة وكانت الهدية لعلاقتك به لا لأجل الوظيفة يجوز أن تقبل الهدية، لكن الأحوط لا تقبلها في العمل حتى لا تسنن سيئة وتوقع الشبهات فيك. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإغلاق باب الشبهات ودرئها. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وأشار إلى حديث قريب من أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا». وذلك لأن مثل هذا الباب لا ينبغي أن تأخذ عليه الهدايا. فينبغي أن يترك الهدية في مثل هذا المقام. ومثله هدية الذي أخذ منك الدين؛ لأنه يدخل في معنى الربا كذلك. فكل قرض جر نفعًا فهو ربا. وربما تعارف الناس بعض البلاد أن من استدان من إنسان شيئًا فعليه أن يكثر له من الهدايا في فترة عدم تزديد الدين. وهذا موجود في بعض البلاد وهو نوع من الربا الذي لا يجوز قبول الهدية في مثله. أما من جرت بينك وبينه علاقة بالهدية من قبل فاستدان منك فأعطاك هدية وأنت تعرف أنه ليس لأجل الدين فهنا لا بأس أن تقبل الهدية. فإذا زادت الهدية عن عادتها فأنت تقول له: يا فلان تنبهه لماذا زادت الهدية؟ فيقول: أنا مستحي منك وأشعر بالخجل ونحو ذلك لأنه يتأخر في الدين. تقول: لا، هذا يزيد في امتناعي من قبول الهدية؛ لأن هذا معناه أن هديتك لأجل الدين. وهذا لا يجوز. فنبهه. فالحاصل الأصل لا يجوز رد الهدية لغير مانع شرعي؛ لأنها ربما تكون سببًا لحصول حرب في النفس وتنافر وربما خصومة. والشرع ينهى عن مثل ذلك. وأما إذا وجد المانع الشرعي فنعم. ومن الموانع الشرعية ما سمعنا. وهذا إذا كان من جهة المعطى إليه أو كذلك من جهة المعطي. مثل أن يكون المعطي ماله حرام أو يكون المعطي كذلك له مقصد حرام. فلا يجوز أن تقبل من المعطي عطيته وهديته. فهذا من الموانع الشرعية. طيب نكتفي بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.