تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آية يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله

يتناول المقطع تفسير آية من سورة الصف، حيث يأمر الله المؤمنين بأن يكونوا أنصارًا له. يستشهد بقصة الحواريين مع عيسى عليه السلام ويشرح معاني القراءات المختلفة للآية.

دور الحواريين في نصرة الأنبياء ومعنى اصطفائهم

يشرح معنى الحواريين بأنهم أصفياء الأنبياء وأول من آمن بهم، ويبين دورهم في نصرة الدين ومساندة الأنبياء في تبليغ رسالة الله. يذكر أيضًا مهمة عيسى عليه السلام في تصحيح ما حصل من تحريف في رسالة موسى.

تفسير آية تتعلق بعيسى عليه السلام وأتباعه وتأييدهم الإلهي

يتناول تفسيرًا لآية قرآنية تتعلق بعيسى عليه السلام وأتباعه، ويشرح اختلاف الطوائف في اعتقادها حول عيسى. يوضح معنى التأييد الإلهي لأتباعه المؤمنين ونصرتهم على أعدائهم الكافرين، ويشير إلى اختلاف القراءات في بعض الكلمات القرآنية وآثارها التفسيرية.

القراءات المختلفة لكلمة إسرائيل وختام الدرس

يتناول القراءات المختلفة لكلمة إسرائيل في القرآن، حيث قرأ الأكثرون بالمد بينما قرأ البعض بالتخفيف أو القصر. يشير إلى بعض هذه القراءات ويختتم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمن الطائفة من بني إسرائيل، وكفر الطائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين. قال المفسر رحمه الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارًا لله لدينه، وفي قراءة بالإضافة. كما قال إلى آخره، المعنى كما كان الحواريون كذلك، الدال عليه قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله، أي من الأنصار الذين يكونون معي توجها إلى نصرة الله، قال الحواريون نحن أنصار الله. والحواريون أصفياء عيسى، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلًا. من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا أصابير يحورون الثياب، أي يبيضونها. فآمن الطائفة من بني إسرائيل بعيسى، وقالوا إنه عبد الله رفع إلى السماء، وكفر الطائفة لقولهم إنه ابن الله رفعه إليه، فاقتتلت الطائفتان، فأيدنا - قوينا - الذين آمنوا من الطائفتين على أعدائهم الطائفة الكافرة، فأصبحوا ظاهرين غالبين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه الآية الأخيرة من سورة الصف، هذه السورة العظيمة التي ملئت بالعضات والعبر، وكذلك الأخبار الصادقة والأحكام العادلة. ومن ذلك ما أخبر الله عز وجل به في هذه الآية عن أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام، وكيف أنهم اختلفوا فيه، فأيَّد الله عز وجل أهل الإيمان وأهل الصدق والاستقامة على أعدائهم من أهل الزيغ والظلم والعدوان. فقوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا، كونوا نداء للذين آمنوا. وكما مر معنا في أثر ابن مسعود أن في هذا أن ما يأتي من لوازم الإيمان كما ذكر معنى كلامه رحمه الله تعالى. فمن لوازم الإيمان السير بسير الصالحين والصادقين، والاهتداء والاتساء والاستفادة مما كان من أمرهم وخبرهم وسيرهم. وهكذا كذلك في هذه الآية من هذا المعنى الشيء العظيم. وقوله سبحانه: كونوا أنصارًا لله، أشار رحمه الله إلى أنه رويت قراءتان في هذه السورة في هذا الموضع: أنصارًا لله بالتنوين، وأنصار الله بالإضافة، وكلاهما قراءة سبعية مشهورة معروفة صحيحة. وقوله رحمه الله تعالى: كونوا أنصار الله أو أنصارًا لله، المعنى متقارب، أنصار الله بالإضافة مثل أنصارًا لله، إلا أن الثاني فيه معنى الاستحقاق والتمليك. وقوله: كما قال إلى آخره، يعني كما قال عيسى عليه السلام، كما سيأتي في الآية، قال: كما كان الحواريون كذلك الدال عليه. والمعنى أن هناك من صدق عيسى وكان قريبًا من عيسى عليه الصلاة والسلام. وقد أشار إلى الاختلاف في تفسير الحواري، فقيل: الحواريون أصفياء عيسى، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلًا. وقيل: من الحور، وهو البياض الخالص، هذا القول الثاني. وقيل: كانوا يمتهنون تبييض الثياب، فسموا كذلك حواريون. وذكر بعض أهل العلم أن المعنى الأصيل هو الأول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: أنه ما كان من النبي إلا وله حواريون. فالحواريون هم الذين يختصهم النبي بما كان من قربهم ومناصرتهم بالأعمال الخاصة لعظيم ثقته بهم دون غيرهم. فهو يثق بالجميع، ولكنه يثق أكثر بمن عرفه عن قرب، وكان كذلك قد أثبت بحسن قربه ونصرته من معاني الصدق والإخلاص ما يقتضي هذا الاستفاء. فإذن المعنى الأول هو المعنى الأصيل في هذا الباب، ولا مانع أن يكون كذلك بعض المعاني المذكورة موجودة. فإن هؤلاء كان فيهم من البياض الخالص كما ذكر عدد من أهل التفسير والسير، ومذكور كذلك في الإسرائيليات. وما جاء في الإسرائيليات لا نصدقهم ولا نكذبهم، فلا مانع أن يكون قد اجتمع مع الوصف الأول الوصف الثاني. وكذلك لا مانع أن يكون بعضهم كان يعمل بهذه المهنة ويتبيض الثياب، فيكون المعاني الثلاثة صحيحة. ولكن المقصود هو المعنى الأول الذي به يكون معنى الاصطفاء والقرب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقوله رحمه الله تعالى: عيسى بن مريم للحوارين من أنصاري إلى الله، قال: من الأنصار الذين يكونون معي متوجها إلى نصرة الله. والمعنى في إرساء معالم الدين وتبيين ما صار من التحريف من اليهود، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام بعثه الله مكملًا لرسالة موسى، ومصححًا ومبينًا لما حصل فيه من التحريف. فإن بني إسرائيل حصل عندهم من التحريف لكلام الله وكلام الرسل الشيء الكثير. ولهذا كان يرسل سبحانه وتعالى إليهم من الأنبياء والرسل واحدًا تلو الآخر ليسوس الناس على دين الله سبحانه وتعالى، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وختم رسالات بني إسرائيل برسالة عيسى عليه الصلاة والسلام، وكانت رسالة عيسى مكملة لرسالة موسى عليه الصلاة والسلام. فوجد عداوة شديدة من اليهود لأنه خالف ما كانوا عليه في عقائدهم من الشركيات والوثنيات التي انتشرت فيهم، وهم الذين اتخذوا عزيرًا ربًا وإلهًا، وزعموا أنه ابن الله. وهم الذين كذلك شيدوا المعابد التي فيها من الشركيات والوثنيات الشيء الكثير، فضلًا عن التحريف للمحرمات وتحليلها، وغير ذلك مما كان عندهم. فلذلك عادوه عليه الصلاة والسلام، وكذبوه، وناصرهم على ذلك طائفة ممن كان مع عيسى عليه الصلاة والسلام. وكذلك صنف آخر من أعداء عيسى هم الذين اعتقدوا فيه العقيدة التي لا تجوز مما هو فيه معنى الألوهية. وقوله رحمه الله تعالى: فآمن الطائفة من بني إسرائيل، قال: بعيسى، وقالوا إنه عبد الله رفع إلى السماء، يعني فيما يتعلق برفعه. وكفر الطائفة، قال: لقولهم إنه ابن الله رفعوا إليه. والصحيح أن بني إسرائيل والنصارى الذين ضلوا عن طريق عيسى ودينه القويم كانوا طوائف وفرق. فمنهم من كان يعتقد أنه ابن الله كما ذكرها هنا رحمه الله، ومنهم من يعتقد أنه الله، ومنهم يعتقد أنه ثالث ثلاثة، وغير ذلك من العقائد الكثيرة. وفرق النصارى كثيرة في الضلال، وهذه أشهر الفرق ثلاث فرق: فرق تزعم أنه ابن الله، وفرق تزعم أنه الله، وفرق تزعم أنه ثالث ثلاثة، وكلها أقوال كفرية باطلة منافية للدين الصحيح الذي جاء به المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، وغيره من الأنبياء والرسل ممن سبقه. وقوله رحمه الله تعالى: فأيدنا، قال: قوينا، والتأييد التقوية مع الكلاءة والنصر. لاختلاف المبنى، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فليس التقوية فحسب، بل تقوية ونصره وكلاءه بما كان به نصر المؤمنين على الكافرين. قال: الذين آمنوا من الطائفتين، هكذا فسره بعض المفسرين. وفسره بعض المفسرين أن الآية عامة تشمل حصة عيسى عليه الصلاة والسلام، وتشمل غيره من أخبار الأنبياء والرسل، وما كان حال المؤمنين من أتباع الرسل مع غيرهم من أعداء الرسل الكافرين. ولهذا قال بعض أهل العلم أنها في النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه في المؤمنين، أي أيدهم الله بالحق الذي نصروا به ما كان عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه، فكان في ذلك ظهورًا لقول أهل الحق من من اتبع عيسى بصدق. ولذلك أسلم أمثال هؤلاء حين بلغتهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: على عدوهم، قال: الطائفة الكافرة، وهو على ما تقدم، قيل: إنه في أهل عيسى خاصة، وقيل: إنه عام. فأصبحوا ظاهرين، قال: غالبين، يعني بما كان من الحق الذي هم عليه، وما كان من تأييد الله سبحانه وتعالى لهم. وهنا موضعان كذلك مما جاءت فيه القراءة عند القراء. قوله: للحوارين من أنصاري إلى الله بالمد، وقراءة سبعية أخرى من أنصاري إلى الله، وكلاهما قراءة سبعية صحيحة معروفة مشهورة. وهكذا كذلك القول في إسرائيل، ففيها ثلاثة أوجه عند القراء على ما هو معروف. فالأكثر القراء على هذا اللفظ إسرائيل بالمد، وقراءة لأبي جعفر في التخفيف في إسرائيل، وأخرى لورش بالقصر في الياء مع عدم ترقيق الراء لكونه اسمًا أعجميًا. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.