الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 45، الدرس الخامس والأربعون : (فصل في تعريف العبادة وذكر بعض أنواعها ... والإستعاذة والإستعانة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وتشمل أقوالا وأفعالا ظاهرة وباطنة متعددة مثل الدعاء والخوف والتوكل والرجاء. صرف العبادة لغير الله يعتبر شركًا.
الدعاء هو العبادة ولا يجوز دعاء غير الله، والخوف نوعان: طبيعي وعبادة يجب أن يكون لله وحده. التوكل يجب أن يكون لله وحده ولا يجوز توزيعه بين الله وغيره.
التوكل والرجاء والخشية والإنابة يجب أن تكون لله وحده، ولا يجوز صرفها لغيره لأن ذلك شرك وكفر. يجب تحقيق التوكل على الله وتجنب كل ما ينافي التوحيد.
الإنابة والاستعانة والاستعاذة عبادات لا يجوز صرفها لغير الله، ومن صرفها لغير الله فقد أشرك. الاستعانة تنقسم إلى قسمين: ما يقدر عليه الإنسان وما لا يقدر عليه إلا الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في تعريف العبادة وذكر بعض أنواعها، وأن من صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك. ثم قال رحمه الله: ثم العبادة هي اسم جامع لكل ما يرضي الإله السميع، وفي الحديث مخها الدعاء، خوف، توكل، كذا الرجاء، ورغبة ورهبة، خشوع وخشية، إنابة، خضوع، والاستعاذة والاستعانة، كذا استغاثة به سبحانه، والذبح والنذر وغير ذلك. فافهمه، دي تأويل المسالك. وصرف بعضها لغير الله شرك، وذاك أعظم المناهي. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في ذكر تعريف العبادة وذكر بعض أنواعها، وأن من صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك. فهذه أربعة مباحث في هذا الفصل: المبحث الأول في تعريف العبادة، والمبحث الثاني في ذكر بعض أنواعها، والمبحث الثالث في ذكر أن من صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك، وتضمن ذلك بيان معنى ذلك الشيء وذكر شيء من أمثلته أو من معانيه. أما، قال رحمه الله: ثم العبادة هي اسم جامع لكل ما يرضي الإله الثاني. ويشير رحمه الله تعالى إلى تعريف العبادة الذي عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فالعبادة لا تنحصر على الصلاة والصيام والصدقة والحج ونحوه مما يظنه بعض العامة أو ما يظنه بعض من فتن بفتنة القبور وعبادتها من دون الله عز وجل. فإنهم ربما ظنوا أن العبادة أمرها ينحصر في هذه المعاني، والحقيقة أن العبادة أوسع من ذلك، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، فيشمل ذلك الحلف والندر، ويشمل ذلك الدعاء، بل ويشمل ذلك كل ما يتكلم العبد به على الوجه الذي يحبه الله. فينبغي أن يكون لله خالصًا، فما صرف منه لغير الله صار شركًا، وما تلفظ به على الوجه الذي ينافي الإخلاص لله صار شركًا، وصاحبه بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في ذكر شيء من أنواع الشرك التي يقع فيها الناس، وأنواع العبادات كذلك. وهكذا الأفعال، ليست منحصر بالصلاة والصيام والصدقة، بل كل فعل يحبه الله ويرضاه لا يصرف إلا لله وحده، وينبغي أن يخلص العمل والقول والفعل فيه لله. فالمحبة والرغبة والخشية والخشوع والإنابة والخضوع كلها تطلب من الله سبحانه وتعالى وتوجه إلى الله جل وعلا وحده. وقوله: الظاهرة، أي قول شيخ الإسلام، يشمل ما يظهر على الألسنة وعلى الجوارح من الأقوال والأفعال، كما سمعنا من بعض الأمثلة. والباطنة تشمل ما خفي من قول القلب وفعله. فللقلب أقوال وأفعال، فكل ما يحبه الله ويرضاه يجب أن يصرف لله سبحانه وتعالى وحده. فذل القلب وخضوعه ينبغي أن يكون لله لا لغير الله، وهكذا الخوف الذي قد لا يظهر على القول ولا على الفعل ويكون في القلب، ينبغي أن يكون لله جل وعلا وحده. والله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإذا علمنا ذلك وعلمنا قبل هذا أن الله جل وعلا هو الرب وحده لا رب غيره، علم أنه هو الإله الحق الذي ينبغي أن تصرف له العبادات جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهذا التعريف للعبادة باعتبار المفعول، كما يقول العلماء، يعني باعتبار أحد هذه العبادات التي يعملها العبد. فهذا تعريفها. وأما تعريف العبادة باعتبار الفعل، أي باعتبار ما يصدر من الإنسان وما يكون فيه حاله، فهو ما عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى، من تعريف لها، بقوله: "عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابدي هما قطبان بالأمر، قال الله قال رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان". فالمعنى المقصود أن العبادة تعرف بتعريف الفعل، وهو غاية الحب مع الخضوع والذل. فكل ما صدر من العبد بغاية من الحب والخضوع والذل فهو عبادة، حتى اللمسة يلمسها ينبغي أن يميز هذا اللامس والماسح بين ما كان على وجه العبادة وما كان على وجه العادة. فما كان معه شيء من المحبة والتعظيم مع الخضوع والذل فهو عبادة. فرب إنسان يمسح جدارًا لموافقته مروره به أو الاتكاء عليه، فلا يؤاخذ بذلك. ورب إنسان يمسح جدارًا على وجه الحب والتعظيم والخضوع والذل، فيكون عبادة. وهذه العبادة منها ما هي عبادة صحيحة، وهو ما كان خالصًا صوابًا، ومنها ما هي عبادة باطلة فاسدة، قد تصير شركًا أكبر أو شركًا أصغر. فمثلًا مسح الركنين اليمانيين مما شرع فيه ويتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى خالصًا، فمسح الحجر الأسود كما قال عمر: "أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". فكذلك المسح ومسح الركن اليماني خالصًا لله لا لغير ذلك، واقتداءً بسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، صار عبادة صحيحة. بينما من مسح وثنًا من الأوثان التي تعبد، كقبور بعض من يقال أنهم من الصالحين، وهو مع غاية الحب والخضوع والذل والتعظيم، صرف هذه العبادة لغير الله، وصاحبه بين الشرك الأكبر والأصغر. فإن ظن أنه ينتفع بهذه المسحة ويدفع عن نفسه ضر، فهو في الحقيقة وقع في الشرك الأكبر. والله سبحانه يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. فالحقيقة أن النفع والضر كله من الله سبحانه. ومن ظن واعتقد أنه من غير الله جل وعلا، وقع في الشرك، العياذ بالله. قد يكون قد وقع في الشرك الأكبر كحال هذا، أو في الشرك الأصغر، كان يظن أنه مما يحبه الله وهو لا يريد به نفعًا ولا ضرًا. ومع أن هذا في الواقع قليل، لا يكاد يوجد، يكاد يجمع المتمسحون بالقبور على طمع في جلب النفع ودفع الضر. وإلا لما حصل لهم هذا، ولما تكلفوا الإتيان ببذل الأموال وإضاعة الأوقات في الوصول إلى تلك القبور والاجتهاد عليها، وهم لا يطمعون بحصول مقصود أو دفع مكروب. فصاحبه في الحقيقة كما قلنا بين الشرك الأصغر والأكبر. وبه نعرف أن المسلم إذا علم أن عملًا من الأعمال قولًا أو فعلًا فيه حب وتعظيم وخضوع وذل، فينبغي أن يكون لله سبحانه وتعالى خالصًا، لا يصرف لغيره. ثم إشارة رحمه الله تعالى في قوله: "وفي الحديث مخها الدعاء، خوف، توكل، كذا الرجاء". يشير إلى الحديث الذي رواه بعض أهل السنن، وفيه ضعف، وقد مرت معنا هذه المسألة والتنبيه عليها في دروس سابقة. وأن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما الذي صح عنه عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو العبادة". هذا الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فأما حديث "الدعاء مخ العبادة" فهو حديث ضعيف، رواه الترمذي وغيره من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، وابن لهيعة فيه ضعف، ورواية الوليد بالعنعنة فيها ضعف. فالشاهد أن الحديث ضعيف لا يصح. وأصح منه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو العبادة". حديث النعمان بن بشير، وقرأ بعده عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وفيه مطابقة السنة للقرآن، فإن الآية فيها تسمية الدعاء عبادة. وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، أي عن دعائي، فسمى الدعاء عبادة. وهكذا كذلك الحديث: "الدعاء هو العبادة". فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن العبادة لا تنحصر كما قلنا في الصلاة والصيام والصدقة ونحوها، بل تشمل أقوالًا وأفعالًا ظاهرة وباطنة، كلها عبادة. ومن ذلك الدعاء، وهو أعظمها، وأكثر ما يقع فيه شرك الناس. ويجادل عباد القبور في كون الدعاء عبادة بمجادلات باطلة سقيمة، تارة يأخذون بالمشتبه من أدلة الكتاب أو أدلة السنة مما فيها لفظ الدعاء، ولكنه ليس على وجه العبادة، فيستدلون به على جواز دعاء غير الله. وفي الحقيقة أن الدعاء له معنيان: له معنى يأتي بمعنى النداء، وهذا يقع من المخلوق فيما يليق به إذا كان حاضرا وكان قادرًا. فالحي الحاضر القادر يجوز أن يدعى وينادى، بل ويستعان به ويستغاث به فيما يقدر عليه. فاستغاثة الذي من شأنه كذا، استغاثة جائزة فيما يقدر عليه الإنسان وهو حي حاضر. أما فيما لا يقدر عليه الإنسان، فهذا لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. أو فيما يقدر عليه الإنسان، لكنه من ميت أو من غائب، فهذا لا يجوز؛ لأنه كذلك فيه تنزيل هذا الميت والغائب منزلة الرب سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وقدرة الإنسان قاصرة ضعيفة. كونه يستغاث برجل حي في المشرق يستغيث به من في المغرب أن ينصره أو يخرجه من الغرق أو نحو ذلك، هذا فيه تنزيل لهذا المخلوق الضعيف منزلة الرب سبحانه. فإن ذلك لا يملك إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. فالذي يجيب المضطرين ويكشف كربات أهل الكرب هو الله سبحانه وتعالى وحده. فلا يطلب من غير الله. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله أراد أن يشير إلى أن الدعاء من العبادة، بل هو من أعظم ما ينبغي أن يعتنى به من العبادة، بقوله عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو العبادة". يعني كاد أن يكون الدعاء هو العبادة، مثل الحج عرفه، كاد أن يكون الحج عرفه لكونه من أعظم أعمال الحج. وهكذا كذلك الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة. فالدعاء يشمل معنيين: معنى دعاء العبادة، كل من يتقرب به إلى الله من فعل وقول، من ذكر وتسبيح وتهليل وركوع وسجود وغير ذلك من قول أو فعل. ودعاء المسألة، وهو أن يقول: أعطني، هب لي. فكل هذا لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: "خوف، توكل، كذا الرجاء". يشير رحمه الله إلى أن من العبادة كذلك الخوف، فإنه بالمعنى المتقدم، ما فيه المحبة والتعظيم والفرار والذل، لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. لا تخاف إلا من الله سبحانه. وبه نفرق بين الخوف الفطري والطبيعي، وبين الخوف الذي هو عبادة. فالخوف الفطري والطبيعي، هذا يقع قد يقع من المخلوق. فأنت تخاف من الحيوان المفترس، وقد تخاف كذلك من بعض المؤذيات المهلكات، هذا خوف طبيعي فطري. ولكن هذا الطبيعي والفطري ينبغي أن لا يكون على حساب الدين، إذ أنه إذا كان على حساب الدين فإنه يضر، يضر بكمال التوحيد. بل كمال التوحيد أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ومن تمام التوحيد أن تعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء ما كتبه الله عليك. فإذا مقام الخوف على منزلتين: خوف طلبه حفاظ على أصل التوحيد، وخوف طلبه حفاظ على كمال التوحيد. وينبغي للمؤمن أن يحقق المعنيين جميعًا. وقد أشار المؤلف رحمه الله في شرحه إلى عدد من الآيات في مسألة الخوف، وأنه عبادة، وذلك لأنه مما يحبه الله يرضاه، ولأنه مما أمر الله به. فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. وهذا في معرض الثناء، وهذا الحذر نوع من الخوف. وغير ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى. بل أشار إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في البخاري من حديث أم العلاء: "والله لا أدري والله لا أدري، وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم". وهذا مقام الخائفين المقيمين للعبودية حق القيام. فإنه ينبغي للموحد أن يحقق عبودية الله جل وعلا في هذا النوع من العبادة، وهو الخوف. الخوف من الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. وكلما كمل توحيد العبد، كمل تحقق عبودية العبد في هذه العبادات. وكما مر معنا، منهما هو تحقيق لأصل التوحيد، ومنهما هو تحقيق لكمال التوحيد. فعباد القبور على سبيل المثال، خوفهم من أرباب القبور خوف شركي؛ لأنهم اعتقدوا فيه المعاني الربوبية. فلذلك هم يتقربون بأنواع النذور والقربات والذبائح، ظنًا منهم أن هذا يبعد عنهم غضب هذا المقبور ونقمته. ولذلك تجد بعضهم يصرح فيقول: إذا أصاب بعض ولده شيء، لعل الولي الفلاني غضب علينا، تأخرنا في زيارته. وهذا خوف شركي، والعياذ بالله. فهو يظن معاني الربوبية في هذا المقبور، من علم الغيب والقدرة على النفع والضر والشفاء وغيره. وهذا كله فساد عظيم؛ إذ هذه خصائص الرب سبحانه وتعالى وحده، وهم يجعلونها لغير الله جل وعلا. وهكذا كذلك تجد بعضهم إذا حلف بالله ما حلف، أو نقول حلف نعم حلف، وهو غير مبالي. وإذا حلف بعير الله، من هؤلاء الذين يعبدون من دون الله ممن يقال فيهم أولياء، لم يحلف. فخوفه منهم أعظم من خوفه من الله، والعياذ بالله. وهذا يدل على شيء، يدل على تمكن الشرك في قلوبهم وفي عباداتهم، حتى وصلوا لهذه المنزلة الشنيعة. وهكذا كذلك التوكل، التوكل من الأعمال القلبية التي لا يجوز أن تكون إلا من الله سبحانه وتعالى وحده. فينبغي أن تصرف لله عز وجل وحده، لا تصرف لغيره سبحانه؛ لأن الله عز وجل أمر بها أن تكون له خالصة. فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أشار ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه أن هذا الحصر بتقديم ما حقه التأخير، الذي أفاد الحصر، أفاد أن الإيمان مشروط بتحقق التوكل. فمن لا توكل له لا إيمان له. وهو كما قال رحمه الله. فإن التوكل منه ما ينافي أصل الإيمان، فالخدش به خدش بالإيمان. ومنه ما ينافي كمال الإيمان. فينبغي للمؤمن أن يحقق المعنيين جميعًا. ما يتعلق بأصل الإيمان، أن يكون توكله على الله لا على غيره، على الله لا على غيره؛ لأنه لا يصرف إلا لله سبحانه. فصرفه لغير الله شرك وكفر، العياذ بالله. وليس التوكل هنا بمعنى التوكيل الذي يذكر في كتب الفقه. وإنما المراد بالتوكل هو ما يعقده القلب، ما يعقده القلب من تعلقه بخالقه وبارئه. فإن تعلق بغير الله سبحانه وتعالى، صار هذا شركًا، كتعلق المشركين بمعبوداتهم قديمًا وحديثًا. فإنهم يعلقون النصر بها، كما كان بعضهم يعلق أسلحتهم بذات أنواط. فهو توكل على هذه المعبودات أنها تجلب النصر، أو توكل عليها في جلب الشفاء أو وهب الولد، وهكذا ما يفعله عباد القبور. فإن قلوبهم لا تتعلق بالله بقدر ما تتعلق بهذه المعبودات التي عبدوها من دون الله سبحانه. فتوكل بغير الله أعظم من توكلهم بالله. وهذا هو الشرك بعينه. فلذلك تجدهم يتعلقون بهذه المعبودات، فيصرفون لها الغالي والرخيص، لجزم قلوبهم أن النفع يكمن عند هؤلاء، وأن النصر يأتي من هؤلاء، أي القبور التي عبدت من دون الله سبحانه. وهذا كذلك كما قلنا إن دل على شيء، دل على فساد عظيم في عبادتهم وتوحيدهم وإيمانهم؛ إذ ما عرفوا الإيمان حق الإيمان، ولا التوحيد حق التوحيد، ولا العبادة حق العبادة. وهكذا ما ينافي الكمال، فهو مطلوب كذلك. ينبغي للمؤمن أن يحقق التوكل بمعنييه. ومن الثاني حديث ابن عباس المشهور، الذي فيه أن أمة، أي جماعة وطائفة من أمته، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم سبعون ألفًا. فذكر من صفاتهم: "الذين لا يسترقون ولا يتطيرون"، وفي رواية: "ولا يكتوون"، "وعلى ربهم يتوكلون". فعلم أن هذه الخصال تنافي كمال التوكل على الله. وهو أن يتعلق قلب العبد بالسبب، ولو اعتقد أن الشفاء بالله سبحانه وتعالى، ولو كان سبب الشفاء ووسيلة الشفاء مباحة شرعًا، كالرقية. وعما التطير، فهو غير مشروع، ولكنه شيء يجده في النفس، كما جاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي: "قال: ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصد". فالحاصل ينبغي للمسلم أن يجتنب كل ما ينافي التوحيد، سواء في أصله أو في كماله. وهكذا كذلك الرجاء، قال: "كذا الرجاء". فإنه كذلك ينبغي أن يكون من الله سبحانه وتعالى وحده، لا يكون من غيره. يكون الرجاء بالله وحده، لا ترجو غير الله. ورجاء غير الله من صفات المشركين، فهم الذين يرجون من غير الله سبحانه وتعالى. أما أهل التوحيد، فهم يرجون الله سبحانه وتعالى. أما أهل الشرك، فأهل الشرك يرجون غير الله سبحانه وتعالى. وانظر إلى حال عباد القبور في هذا الزمان، هل رجاؤهم بالله أعظم أم رجاؤهم بغير الله أعظم؟ الحقيقة أن رجاءهم بغير الله أعظم من رجائهم بالله، وهم يرجون غير الله أعظم من رجائهم من الله سبحانه وتعالى. ولذلك صرفوا الأوقات والأموال وخالص ما يبذلون من قول وفعل لهذه المعبودات، أعظم ما يصرفونه لله سبحانه وتعالى. وبعد هذا لو قال القائل منهم: "إننا نرجو الله". نقول: نعم، ربما أنتم صادقون ترجونه بألسنتكم، أما بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم وقلوبكم، فإنكم ترجون غير الله. فحقيقة الإيمان والعبادة هو الاستقامة في الظاهر والباطن لله سبحانه. وهذا هو التوحيد المميز عن الشرك، والاستقامة على الحق والتوحيد والإيمان، كما جاء في حديث أبي هريرة، صحيح مسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم"، وفي رواية: "ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". فإن العمل الذي يصدق أنكم ترجون الله سبحانه وتعالى، وأنتم تطوفون بهذه القبور وتلحفون لها وتدعونها وتطلبون منها وتحلفون وتهتفون بأربابها وأصحابها، بل كتب على كثير من سلك القبور عبارات ظاهرة في الدلالة على أنهم يرجونها أعظم من رجائهم من الله. حتى قال القائل منهم في بعض أشعاره: "غار يا عيد روس في عجل لا تمهلي". فهو يطلب من هذا المسكين الميت، وأن لا يتأخر عنه. سبحان الله، وهل هذا يطلب إلا من الله سبحانه؟ وأكثر القبور كتب عليها في بلادنا هذه، وللأسف مما من القبور التي عبدت من دون الله: "من جاور عنا لقي ما تمنى". وأكثر الذين يأتون إلى تلك القبور، عندهم هذا المقصد، أنهم من أتوا وتعبوا من بعيد، لقوا ما تمنوا، أي من شفاء مريض ووهب ولد وزيادة رزق. فبالله أي الرجائين أعظم؟ هل رجاؤهم بالله أم رجاؤهم بغير الله سبحانه وتعالى؟ ثم قال المؤلف رحمه الله: "ورغبة ورهبة، خشوع وخشية، إنابة، خضوع". كذلك الرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والخضوع، كلها يقال فيها كما قيل قبل: ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى وحده. ولو تأملنا حال هؤلاء عباد القبور، وجدنا أنهم كذلك رغبتهم لغير الله أعظم من رغبتهم لله، ورهبتهم أي خوفهم من غير الله أعظم من رهبتهم وخوفهم من غير الله، كما تقدم. بل وخشوعهم وخشيتهم لغير الله أعظم من خشوعهم وخشيتهم لله سبحانه وتعالى. انظر وتأمل حال أولئك الزائرين والطائفين والذاكرين والمصلين حول تلك القباب والمشاهد والتوابيت والقبور التي تعبد من دون الله. فكم من باك وخاشع وخاشي، بل وربما والعياذ بالله سيجد بينما أحدهم إذا أتى يصلي وهو بين يدي الله، لا تجد عنده عشر ذاك الخشوع، بل ولا قدر منه، وعشر تلك الخشية ولا قدر منها. على ماذا يدل ذلك؟ أليس يدل على أن خشوعهم وخشيتهم ورغبتهم ورهبتهم من غير الله أعظم من رغبتهم ورهبتهم وخشيتهم وخشوعهم لله؟ وهذا هو الحق. ولذلك كما مر معنا، هؤلاء هم يبذلون أعظم ما يملكون لهذه المعبودات، ولا يعلم لهم بذل لله سبحانه وتعالى. وإن دققنا القول، قلنا: ولا بدلوا شيء من عظيم ما يملكون. وفي الحقيقة قد لا يبذلون لا عظيم ولا غير عظيم، فيكاد أن يكون ما يبذلون هو لغير الله سبحانه وتعالى، والعياذ بالله. وهذا هو الشرك. وقوله: "إنابة خضوع". كذلك الإنابة ينبغي أن تكون لله، والخضوع لله. وهؤلاء صرفوا هذه الأشياء كلها لغير الله. والله يقول: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾. والله سبحانه وتعالى يقول كذلك مبينًا معنى الإنابة: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. فالإنابة تكون لله، والإسلام يكون لله، ليس لغير الله سبحانه. وهكذا الأنبياء علموا رسلهم ذلك، كما قال شعيب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. بل أمر ربنا جل وعلا أن يأمر الرسل أن يأمروا أممهم بالتوكل والإنابة إليه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. بل بين أن الإنابة إلى غير الله من صفات عباد الطواغيت المشركين، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. فبشر عباد الله. وعجيب أن يكون مؤمن يدعي الإيمان بالله، ثم إنابته تكون لغير الله سبحانه. إنابته تكون لغير الله سبحانه، عجيب. وهكذا الخضوع ينبغي أن يكون لله عز وجل. بل كما مر معنا أن حقيقة العبادة هو غاية الخضوع والذل على المحبة والتعظيم. فإن كانت لغير الله، فهذا عابد لغير الله سبحانه. وهكذا قوله رحمه الله: "والاستعاذة والاستعانة، كذا استغاثة به سبحانه". يعني أن هذه الأعمال كذلك من العبادات؛ لأن الله أثنى عليها ويحبها، وأمر أن تكون منه سبحانه وله خالصة. قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فأمر أن تكون الإعاذة، الاجتناء منه سبحانه وحده. واليوم صارت استعاذة عباد القبور بألسنتهم أو بقلوبهم أو أفعالهم بغير الله. حتى صار بعضهم يظهر ذلك في أحواله اليومية، كما يفعل بعض أولئك، يضعون بعض الحطب عند بعض تلك القبور. وإذا سألتهم: ماذا تريدون بهذا؟ قالوا: لأجل أن لا تسرق، وأن من سرقها أصابه الولي. أو ربما بعضهم يضعها عند القبور، ويقول: يصيبه الصالح من أرباب القبور. الآن هو هل التجأ إلى الله أم التجأ إلى غير الله؟ التجأ إلى غير الله، ورأى أن غير الله أعجل بالعقوبة وأعظم من الله سبحانه. فهي استعاذة فعلية من غير الله. والواجب أن يستعيذ العبد بالله وحده. والعود هو طلب دفع السوء، كما أن الود هو طلب حصول الخير. والعود والود لا يكون إلا من الله سبحانه وحده، وبالله سبحانه وحده. فهي عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله جل وعلا. وهكذا الاستعانة كذلك، الاستعانة بمعنى ما فيها من معاني العبادة، لا تكون إلا من الله سبحانه وتعالى وبالله وحده. والاستعانة تنقسم إلى قسمين كذلك: منها ما هو من الاستعانة التي يجوز أن تكون بغير الله، إن كانت على معنى غير العبادة، وهو فيما يملكه ابن آدم الحاضر الحي. وأما ما كان بمعناه الذي لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وما كان من خصائص الله، فهو لا يطلب إلا من الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. فينبغي أن تكون الاستعانة بالله. ونحن نقرأ ونكرر في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ويقول أهل العربية: تقديم ما حقه التأخير في دليل الحصر. فقولك: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، حصر للاستعانة بالله سبحانه وتعالى وحده، لا نستعين إلا به جل وعلا. وأما ما كان مما يقدر عليه الإنسان، فهذا مما دل دليل الشرع على جوازه. وينبغي أن نفرق بين هذا وهذا، وننتبه لشبه رؤوس عباد القبور حين يجادلون بالباطل ويستدلون بالمشتبة، فيخلطون بين الاستعانة الجائزة التي ليست من العبادة، وبين الاستعانة التي هي من العبادة ولا تجوز أن تصرف إلا لله ومن الله سبحانه. فذهاب عباد القبور إلى أرباب القبور، وطلبهم الشفاعة منهم، وطلبهم كذلك ربما إدخالهم الجنة، والعياذ بالله، وربما حصول المقصود الدنيوي من شفاء مريض ونحوه، هذا كله من الاستعانة بغير الله التي تنافي العبودية لله. صلى الله سبحانه أمَرنا، ونحن نكرر ونقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. والاستعانة في الحقيقة من العبادة، لكن كما يذكر وذكر كثيرًا أن الإتيان بالخاص بعد العام تنبيه على أهميته. نزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، الصلاة الوسطى من الصلوات، لكن تنبيه لأهميتها. وهكذا الاستعانة هي من العبادة التي لا تصرف إلا لله جل وعلا وحده بهذا المعنى. فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالشفاء مريض ونصر على عدو وحصول شفاعة، فالشفاعة تطلب من الله، والشفاعة عبادة من العبادات. فينبغي للمسلم أن ينتبه لهذه المسائل. وسيأتي إن شاء الله الكلام على مبحث الشفاعة في وقته وفي موضعه إن شاء الله. نكتفي بهذا القدر، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس قادم، والله أعلم.