تلخيص صفة صلاة النبي  8

تلخيص صفة صلاة النبي 8

الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 8، الدرس الثامن:(قراءة الفاتحة في كل ركعة ... 77-ويقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات أو أكثر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام القراءة في الصلاة ومراعاة المصلين

تناول الشيخ أحكام القراءة في الصلاة، موضحا ضرورة قراءة الفاتحة في كل ركعة والجهر والإسرار بالقراءة في الصلوات المختلفة. كما أشار إلى ضرورة مراعاة الإمام لأحوال المصلين عند القراءة.

أحكام قراءة القرآن والفتح على الإمام

يتناول المقطع أحكام قراءة القرآن في الصلاة، حيث يشير إلى ضرورة القراءة بترتيل وتجويد وتجنب الإسراع أو التلحين المبتدع. كما يشرع في الفتح على الإمام إذا أخطأ أو نسي في القراءة.

كيفية الركوع وأحكامه في الصلاة

يتناول المقطع كيفية أداء الركوع في الصلاة، مشيرًا إلى أهمية السكتة بعد القراءة والاستعداد للركوع، واستواء الظهر، وعدد التسبيحات في الركوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أحكام القراءة بعد الفاتحة، وأخذنا مجموعة من الفقرات مما ذكرها رحمه الله تعالى، وما تيسر من تعليق في ذلك. وهنا تنبيه بالنسبة لما ذكر من أن القراءة في الفجر طويلة، وفي الظهر أكثر منها، وفي العصر أكثر منها، وفي العشاء أكثر، وهذا باعتبار بعض الأحوال، فهي أكثر من العصر، وإلا تكون قريبا من العصر، وهكذا المغرب دون ذلك. مع التنبه إلى أنه إذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود والاعتدال بما يناسب تلك القراءة، فليست القراءة سواء، وكذلك ليس الركوع والسجود والاعتدال سواء. فركوع وسجود القراءة الطويلة أطول من ركوع وسجود القراءة القصيرة. وهذا معنى ما جاء في الأحاديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراءته أو قيامه وركوعه وسجوده سواء، أو قريبا من السواء، أي بالنسبة للقراءة. إذا أطال أطال الركوع والسجود، وإذا قصر قصر الركوع والسجود. ومنه حديث أبي قتادة المشهور: «اعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود». معنى هذا: إن أطال القراءة أطال الركوع والسجود، وإذا قصر القراءة قصر الركوع والسجود. فالركوع والسجود في صلاة المغرب التي القراءة فيها قصيرة غالبا، ليس كركوع وسجود صلاة الفجر التي القراءة فيها طويلة غالبا. والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قراءة الفاتحة في كل ركعة». وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ويسن الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضا أحيانا. قول: «وتجب قراءة الفاتحة بكل ركعة» لما تقدم من الأمر بقراءة الفاتحة، ولأجل فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه كذلك. وقول: «ويسن الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضا أحيانا» كما تقدم. معنى الصحيح أن هذا في الظهر والعصر، أما في العشاء وفي المغرب فلا، بل دلت الأحاديث أنه كان فعله ومعنى قوله: فيه الاكتفاء على الفاتحة فقط. أما الظهر والعصر، فبعض الألفاظ من قوله، وهكذا كذلك ما جاء في بعض الروايات في فعله عليه الصلاة والسلام، يدل أنه ربما قرأ فيهما يقرأ فيهما شيئا بعد الفاتحة. وتدل عليه عدد من الأحاديث، وهو ليس على وجه الدوام، ولكن كما تقدم أحيانا. قال رحمه الله: «وتجوز إطالة الإمام للقراءة بأكثر مما جاء في السنة». ولا تجوز إطالة الإمام للقراءة بأكثر مما جاء في السنة، فإنه يشق بذلك على من قد يكون وراءه من رجل كبير في السن، أو مريض، أو امرأة لها رضيع، أو ذي الحاجة. وحديث معاذ رضي الله عنه يدل على ذلك. ولهذا قال الإمام: فالمنفرد إذا صلى لنفسه جاز له أن يطيل، أما إذا كان إماما لغيره، فينبغي أن لا يتعدى السنة. بل السنة فيها أحوال، ومن هذه الأحوال التخفيف عند الحاجة. كونه عليه الصلاة والسلام قرأ في بعض الأحوال قراءة طويلة، لا يعني أن الإمام يواضب على ذلك دون مراعاة لأحوال المصلين. بل مراعاة أحوال المصلين وحاجتهم مطلوب. وما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في التقصير مع إرادته التطويل، يدل على هذا المعنى، خصوصا إذا كان في جماعة كبيرة، لا يدري ما حاجتهم. فينبغي أن يسلك مسلك التخفيف. والمراد بالتخفيف ليس بالعاطفة والرأي، ولكن التخفيف في حدود السنة. لأن بعض الناس قد يفهم التخفيف المطلق، حتى يواضب على إطالة السور في الفجر، فضلا عن غيرها من الصلوات. فلا تجدهم يتعدون العشر السور الأخيرة من القرآن حتى في صلاة الفجر. وهذا خطأ، خلاف السنة. فالمقصود بالتخفيف: بما لا يخرج عن حدود السنة. فمثلا ثبت هذا وهذا، فأنت لا بأس أن تأخذ الثابت. لكن لم يثبت المواضبة على قراءة قصار السور في صلاة الفجر. ولهذا قال من قال من أهل العلم: أن المواضبة على ذلك يعد من البدع والمحدثات. قال رحمه الله: «الجهر والإسرار بالقراءة». ويجهر بالقراءة بصلاة الصبح والجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف، والأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويسر بها في صلاة الظهر والعصر، وفي الثالث من صلاة المغرب، والأخريين من صلاة العشاء، يعني الركعات الأخيرة. وقوله: «ويجهر بالقراءة ويسر بها» لأجل أن نعلم أن أهل الإسلام في كل صغيرة وكبيرة من أحكام هذا الدين، لهم فيه سنة متبعة. وقد نقل هذا بالتواتر: جهر النبي عليه الصلاة والسلام في موضع الجهر، وإسراره في موضع الإسرار. وهل هذا على وجه الاستحباب أو الوجوب؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح أنه على وجه الوجوب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فصار هذا من سنة أهل الإسلام: الجهر في موضع الجهر، والإسرار في موضع الإسرار. ولو أسر في موضع الجهر عمدا لأثم. بل قال بعض أهل العلم: ببطلان صلاته. ولو أسر في موضع الجهر أو العكس: جهر في موضع الإسرار، كذلك أثم. وقال بعض أهل العلم: ببطلان صلاته. لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وبقي لو أخطأ فأسر في موضع الجهر أو جهر في موضع الإسرار، فماذا عليه؟ ذهب بعض أهل العلم: أن عليه ركعتي السهو، سجدتي السهو عليه. والصحيح من أقوال أهل العلم: أنه ليس عليه سجود سهو، لأن هذا من الأقوال التي لم يثبت في السنة الصحيحة ما يدل أن فيها سجود سهو. وهو مذهب للإمام أحمد رحمه الله، وجماعة من أهل الحديث، وهو الصواب الذي تدل عليه الأدلة. قال رحمه الله: «ويجوز للإمام أن يسمعهم الآية أحيانا في الصلاة السرية». لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في صلاة الظهر، وأحيانا في صلاة العصر. والمقصود من ذلك: التعليم، تعليم المأمومين ماذا يقرأ الإمام في مثل هذه الصلوات. وطريقة هذا الجهر: ليست كجهر الصلاة الجهرية، يعني ليس يقول كما يقول في الصلاة الجهرية لا، ولكن كما جاء عن الصحابة في رواية ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: يسمعهم الآية أو الآيتين. يعني يقرأ فتظهر بعض كلمات بعض الآيات من القراءة. مثلا يقرأ: «والسماء ذات البروج» يقرأ: «وفي أثناء قراءته يجهر جهرا خفيفا ببعض القراءة» «واليوم الموعود وشاهد ومشهود» ويسكت ثم يقرأ آخر أو بعض آخر السورة، وهكذا. قال رحمه الله: «أما الوتر وصلاة الليل، فيسر فيها تارة ويجهر تارة، ويتوسط في رفع الصوت». فصلاة الليل: يسمع نفسه، وربما جهر ببعض القراءة جهرا لا يوقظ النائم، وينبه الوسنان. هذه السنة في قراءة المصلي في صلاة الليل إذا كان يصلي لنفسه. أما إذا كان إماما، فيسمع من معه. وإذا كان إمام لجماعة، فيسمع من معه من جماعة، يعني يجهر لأنه يشرع الجهر بالقراءة في صلاة الليل. أما إذا كان يصلي وحده، فيقرأ قراءة يسمع بها نفسه. وأحيانا يجهر ببعض الآيات جهرا متوسطا لا يوقظ النائم، وينبه الوسنان. وقد جاء هذا معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله. وفي الأصل كما تقدم: أشار المؤلف رحمه الله إلى كل الأدلة التي تدل على هذه الفقرات. ومن ذلك حديث أبي قتادة في قصة مرور النبي صلى الله عليه وسلم في الليل بأبي بكر وهو يصلي، وعمر وهو يصلي. فأمر أبا بكر وكان قد أخفض صوته أن يرفع صوته، وأمر عمر وكان قد رفع صوته أن يخفض صوته، وأمرهما أن يقرأ بين القراءتين. وهو الذي جاء معناه عنه من قوله وفعله: قراءة لا يوقظ فيها النائم، وينبه الوسنان. ومعناه: لا يزعج ولا يؤذي النائم، وفي نفس الوقت من لم يكن نائما يتقلب، فإنه ينتبه لعل ذلك يعينه على صلاة الليل، وهو الوسنان. قال رحمه الله تعالى: «ترتيل القرآن». يرتل القرآن ترتيلا لا هد ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا، ويزين القرآن بصوته، ويتغنى به في حدود الأحكام المعروفة عند أهل العلم بالتجويد، ولا يتغنى على الألحان المبتدعة، ولا على القوانين الموسيقية. وهذه مسألة تحتها مباحث فيما يتعلق بترتيل القرآن. والناس في هذا طرفان ووسط. فمن الناس من يهده هدا، ومعناه: يقرأه كما يقرأ الجريدة، ويتعجله كما يتعجل أي قراءة. وهذا خطأ وخلاف سنة أهل الإسلام في قراءة القرآن. فنصوص الكتاب والسنة تدل على ترتيل القرآن. «ورتل القرآن ترتيلا». وهكذا عن النبي عليه الصلاة والسلام: بل يحسنه تحسينا لا يخرجه عن مقصوده. يعني التحسين الوسط المعتدل. كما في قصة أبي موسى رضي الله عنه أرضاه، حين استمع النبي صلى الله عليه وسلم لقراءته. وهكذا حديث ابن مسعود، وثناء النبي صلى الله عليه وسلم على قراءته: «من أحب أن يسمع القرآن أو يقرأ القرآن طريا كما أنزل، فليقرأ بقراءة ابن أم عبد» يعني ابن مسعود. ومعنى: «قراءة مفسرة حرفا حرفا» يعني لا يسرع، بل قراءة فيها شيء من التأني، حتى يتدبر السامع والقارئ كلمات الآيات، لأنها إذا كانت على وجه التأني حصل التدبر لكلماتها حرفا حرفا. «ويزين القرآن بصوته» بمعنى أنه يتغنى به في حدود المأذون فيه. ولهذا قال: «ويتغنى به في حدود الأحكام المعروفة عند أهل العلم بالتجويد». وقد دلت أدلة السنة الصحيحة على مشروعية التغني بالقرآن. «ما أذن الله لأحد ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» وبالقراءة. وهذا في حث على هذا الفعل. وكذلك حديث أبي موسى المتقدم. وقوله: «في حدود الأحكام المعروفة عند أهل العلم بالتجويد» يعني التي علمها أهل العلم وأقروها، لا بغلو أهل الغلو، ولا كذلك بتفريط أهل التفريط. لأنه ربما دخل في هذا العلم من غلا فيه، كما أنه ربما زعم أحد أنه ينافي الغلو، وهو في الحقيقة يعترض على علم أقره العلماء. وقوله: «ولا يتغنى على الألحان المبتدعة» يعني على طريقة المتصوفة وغيرهم ممن يتلحنون بالقرآن على الألحان المبتدعة. سواء ألحان الفرق الضالة، فيعرف هذا لحن مثلا قراءة تيجاني، أو هذا لحن قراءة شيعي، أو هذا لحن قراءة أباضي، ونحو ذلك من الألحان التي صارت علما على بعض المذاهب المتدعة. أو كذلك ألحان فيها تمطيط كتمطيط أهل الغناء وأهل الفساد. وهذا لا يجوز. وهكذا قوله: «ولا على القوانين الموسيقية». ومنه على الصحيح: ما يسمى بالمقامات. قراءة القرآن بالمقامات: هو يجري مجرى القراءة بالقوانين الموسيقية، وهو من الأمور المبتدعة المحدثة التي لم يكن يعرفها السلف الصالح، ولا الأئمة. وفرق بين إنسان يقرأ قراءة توافق أحكام القراءة والتجويد، فوافق معنى قراءته أو أسلوب قراءته شيئا من المقامات على وجه الموافقة لا على وجه التقصد. فمثل هذا لا يؤاخذ على هذا. وبين إنسان يتعمد ذلك ويتفنن فيه ويدرسه دراسة ويتتبعه تتبعا ويطبقه تطبيقا. فهذا الثاني مذموم، لأنه التزم بشيء قد نبه العلماء على أن مثله لا ينبغي الالتزام به. قال رحمه الله: «الفتح على الإمام». ويشرع للمقتدي أن يتقصد الفتح على الإمام إذا ارتج عليه في القراءة. ومعنى الفتح للإمام: يعني إذا أخطأ الإمام، سواء قرأ الشيء على خلاف الصواب أو نسي. ويحصل للإنسان أحيانا إذا كان مأموما أنه ينسى ما بعد ما قد قرأ، فلا يدري ماذا يقرأ. فهنا يفتح عليه بما استحضر من الحفظ. وقد يكون هذا أحيانا بسبب عدم إتقان الحفظ، وقد يكون هذا بسبب شواغل وأشياء تعرض في ذهن القارئ فيذهل عن القراءة وينسى. أو كذلك قد يكون حتى أحيانا بسبب تقصير في أحكام الطهارة أو غيرها من المأمومين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أغلق عليه في القرآن، فحذرهم من عدم إحسانهم في طهارتهم، وأن ذلك مما يكون به استعجام الإمام في القراءة. وقد جاءت أحاديث تدل على هذا المعنى. وأشار الحفاظ العلماء إلى ذلك، وعلاقته والحكم فيه كما أبان ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره، وغيره من أهل العلم. والمقصود: يشرع الفتح على الإمام. والفتح على الإمام بما يكون به المقصود في الفتح. فإن كان المأموم بعيدا، فلا حاجة لأن يفتح بما يكون به التشويش على الإمام. ما يفهمك أنت بعيد، أو كذلك أن يكثر الرادون على الإمام هذا خطأ. بل ينبغي أن يكتفى بالقريب. ولهذا يستحب ويسن. وذهب بعض أهل العلم: أن هذا قد يجب أن يتبع الإمام ويقترب منه أولو الأحلام والنهى، كما أمر عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى». لماذا؟ لأنه لو نابه شيء في الصلاة وحصل له شيء، يوجد من يخلف الإمام. فالمسألة ليست مسألة التشريف، فهي تشريف وتكليف. ولهذا قال من قال: يجب على من علم من نفسه الأهلية أن يبادر بالصلاة خلف الإمام، ولو فرط فحصل الخلل وهو مفرط لكان آثما في هذا التفريط، لأنه من فروض الكفايات الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل. وقد يكون فرضا عينيا على من علم من نفسه أنه هو الأهل، ولا يوجد غيره. كما أن الإمام إذا فرط في الإمامة، ما علمه بعدم قيام غيره فيها لكان آثما. لكان آثما، لماذا؟ لأنه فرط في شيء ما يقوم به أحد إلا هو. فكذلك من ينوب الإمام إذا فرط، ما علمه بعدم قيام هذا الحق والواجب غيره، لحقه الإثم. وأحيانا وهذا كله من باب التنبيه: أن المقصود هو الإصلاح. أحيانا إذا كان الإمام ممن هو يزداد ارتجاجه إذا فتح عليه فيترك، قد يكون الأصلح أن يترك الإمام، لأن من الناس من تنبيهه يزيد في اضطرابه وتشويشه. فالمهم المقصود هو الإصلاح، فإذا كان هذا سيحصل فعله، وإن كان لا يحصل تركه. قال رحمه الله تعالى: «الركوع». فإذا فرغ من القراءة سكت سكتة لطيفة بمقدار ما يرتاد إليه نفسه. وهذه السكتة هي السكتة ما بين القيام والهوي إلى الركوع. المقصود منها: الاستعداد للركوع، وتهيئة الإمام والمأموم لهذا الفعل. والسكتات في القرآن في الصلاة الثابتة ثلاث سكتات: سكتة الاستفتاح، وسكتة يسيرة ثبت معناها وليس الطويلة بعد الانتهاء من الفاتحة، وسكتة ثالثة بعد الانتهاء من القراءة. فأما السكتة الأولى، فهي سكتة طويلة، وهي ما قبل قراءة الفاتحة التي يقرأ فيها دعاء الاستفتاح، ويتعود ويقرأ البسملة، ثم يشرع في قراءة الفاتحة. وأما السكتة الثانية والثالثة، فهي سكتة يسيرة بقدر ما يأخذ نفسه ويتأمل فيما يقرأ بالنسبة للسكتة الثانية. وهكذا كذلك بما يكون به التهيئة للركوع في السكتة الثالثة. وقول من قال من أهل العلم: أنه لم يسكت سكتة ثانية، مرادهم السكتة الطويلة التي تعودها بعض الناس، حتى أنهم يخصونها لأجل أن يقرأ المأموم الفاتحة، خصوصا في الجهرية. فهذه السكتة هي التي نص عليها العلماء، وقد تقدم معنا أنها سكتة محدثة مبتدعة، لم تكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم. وإنما الذي نقل: سكتة يسيرة بقدر ما يرتاد إليه نفسه، يعني يرجع إليه نفسه. قال: «ثم يرفع يديه على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام» يعني كما تقدم بالنسبة لوضعية أطراف الأصابع أو أطراف الكفين بالنسبة للأذنين أو المنكبين. وقد علمنا فيها كيفيات تقدمت في تكبيرة الإحرام. قال: «ويكبر وهو واجب» يعني التكبير للهوي إلى الركوع، يقول: «الله أكبر». وهل هذا للإمام والمأموم معا وللمنفرد كذلك؟ الجواب في هذا خلاف مشهور في هؤلاء الثلاثة. والصحيح أنه في حق من يحتاج إلى تكبيره واجب كالإمام، وفي حق من لا يحتاج إلى تكبيره فهو مستحب، كالمنفرد، وكذلك المأموم. فإن كبر فهو أفضل، وإن لم يكبر فقد ترك السنة، لا يأثم، ولكنه فعل خلاف الأفضل. قال: «ثم يركع بقدر ما تستقر مفاصله ويأخذ كل عضو ما أخذه». وهذا ركن، يعني الإطمئنان في الركوع. وضابط الإطمئنان أمران: أمر من جهة وقته، من جهة الفعل، وأمر من جهة القول. أما من جهة الفعل: فبما تستقر فيه المفاصل على هيئة الركوع، ويأخذ كل عضو ما أخذه، يعني في الإطمئنان في الركوع. فنقرة الغراب هذه في السجود، وفي الركوع لو فعلها المصلي ما كان اطمئنانا، لأن المفاصل لم تستقر. إنسان هكذا فعل ضرب واحدة، كأنه ضرب بإصبعه العود ورفع، مثل ما يفعل بعض العوام إذا أسرع في صلاته، ما تدري إلا وهو قائم، ثم خفض للركوع ورفع في نفس الحال إلى الاعتدال، وخفض إلى السجود ورفع في نفس الحال إلى ما بين السجدتين، وخفض إلى السجود ورفع في نفس الحال. فهذا الانخفاض والارتفاع في نفس الحال ليس فيه الوقت الذي يكون به اطمئنان الركوع. ضابطه من جهة الزمان أو من جهة الفعل: أن يستقر كل مفصل في موضعه، ويأخذ ما أخذه، يعني يكون في مكانه. وهو من جهة القول: أقل شيء كما قال العلماء: أن يسبح تسبيحه. وقال بعضهم: ثلاث تسبيحات. وهذا هو الأصح. أقله ثلاث تسبيحات. وقول من قال: تسبيحه له وجه، لكن الأحوط الذي يحصل به المقصود. لأن التسبيحة الواحدة لا يحصل بها أخذ كل عضو ما أخذه، واستقرار المفاصل على ما جاءت به الأحاديث. في حديث أبي حميد الساعدي، وغيره من الأحاديث التي فيها الأمر بالإطمئنان واستقرار المفاصل. فهذا قد لا يقع في تسبيحة واحدة. ولهذا كان قول من قال: بأن أقلها ثلاث أقرب إلى الصواب، حتى يتوافق معنى الأحاديث المروية في هذا الباب. ولو قيل: أن الواحدة تكفي لقيل: أنها واحدة فيها شيء من التأني في التلفظ بها. أما إذا قال: «سبحان الله» مثل ذاك الخفض والرفع في نفس الحال، لقال: أنا قلت تسبيحة واحدة. قل: «سبحان الله» أو قل: «سبحان ربي الأعلى» أو قل: «سبحان ربي العظيم». فهل هذا يصح؟ الصواب لا. المقصود هو حصول استقرار للمفاصل، ولو لحظة. هذه اللحظة يؤكدها حصول ثلاث تسبيحات: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم». حتى لو تعجل حصل الاطمئنان. وأكمله ما جاء في حديث عمر بن عبد العزيز: أنه قدر عشر تسبيحات. يعني لو قيل: بالوتر تسع أو إحدى عشر. وأن هذا الذي كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وهذا أكمله. وكما تقدم: الصحيح أنه يختلف بحسب ماذا؟ بحسب القراءة. إذا أطال القراءة أطال، وإذا قصر القراءة قصر. فقد يكون مثلا في صلاة المغرب ثلاث تسبيحات تكفي، وفي صلاة الفجر قد يفعلها عشرا أو إحدى عشر حولها. قال رحمه الله تعالى: «كيفية الركوع». قال: «ويضع يديه على ركبتيه ويمكنهما من ركبتيه، ويفرج بين أصابعه كأنه قابض على ركبتيه». وهذا كله واجب. هذه الكيفية في وضع اليدين على الركبتين اختلف أهل العلم في حكمها. والصحيح أنها مستحبة، وليست واجبة. والاستدلال بما ورد من قوله وفعله في هذا الباب، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» على الوجوب، خالف فيه بعض أهل العلم. والفعل مع ما يأتي معه من قول، إذا لم تأتي معه قرينة تدل على الوجوب، لا يدل على الوجوب. والأصل هو البراءة من التشريع والوجوب والإلزام. لكن لا شك أن المسلم يحرص على ذلك، ما دام قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله. ولكن القول بالوجوب شيء قد يكون فيه شيء من الإشقاق على الناس. لكن هذا هو الأفضل والأكمل. فلو وضع يديه على ركبتيه دون حصول التفريج والقبض، أدى ما تتم به صلاته من دون إثم. وإن فعل السنة بالقبض على الوجه الذي أشار إليه وصحت به الأحاديث، فهذا هو الأفضل والأكمل. قال رحمه الله: «ويمد ظهره ويبسطه حتى لو صب عليه الماء لا استقر». وهو واجب. استواء الظهر حتى يرجع كل عظم ومفصل إلى مكانه، هذا واجب. لأنه به يحصل الاطمئنان. وأما استواءه حتى لو صب الماء لا استقر، هذا مستحب. هذا مستحب، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. والمسألة فيها خلاف. وكما تقدم في الذي قبله يقال هاهنا: وليس يعني ذلك التزهيد في هذه السنة، بل ينبغي المسلم أن يحرص عليها. لأن هذه الصلاة تكمل بإكمال المسلم لجميع شروطها وأركانها وواجباتها، وكذا مستحباتها. قال رحمه الله: «ولا يقبض رأسه ولا يرفعه». ومعنى: «لو صب عليه الماء لا استقر» يعني اعتدال في وضع الظهر، لأن الناس في هذا طرفان ووسط. فمنهم من يبالغ حتى ينكس رأسه، فلو وضعت حصاة لسقطت الحصاة إلى الأمام. وهذا خطأ. ومن الناس من يقصر فيركع ركوع العاجز، فلو وضعت الحصاة لسقطت إلى الوراء إلى الأسفل. والوسط: هذا يعني يحاول. وكما ذكر العلماء ونقل هذا عن بعض الأئمة: أنهم كانوا من حرصهم على السنة يفعلون ذلك أمام المرأة، لا بأس. حتى تحسن عبادتك تفعل ركوعك عند المرأة، حتى ترى ظهرك مستوي، فتعرف أن تزن نفسك. لأن هناك إنسان قوي، وهناك إنسان ضعيف، وهناك إنسان متين، وهناك إنسان نحيف. فأنت ربما تظن نفسك أنك معتدل، والأمر ليس كذلك. فالاعتدال أن يسوي الظهر حتى لو وضعت الماء لاستقر، لاستواء موضع الظهر. قال رحمه الله: «ولا يخفض رأسه ولا يرفعه». الآن أخذنا حكم الظهر، بقي الرأس. الرأس كذلك لا ترفعه هكذا، ولا تخفضه هكذا. فلا تخفضه حتى يلتصق الذقن بالصدر، ولا ترفعه حتى ينكشف كل العنق. ولكن اجعله وسط، حتى يكون قفى الرأس مستوي مع الظهر. وهذا كما قال العلماء: يكون بتوجيه الوجه إلى ما بين موضع السجود والرجلين، والنظر بالبصر والعينين إلى موضع السجود. واضح. يعني القفى مستوي مع الظهر. فهنا الذقن يكون في مكان وسط، ليس هو بالمتصل بالنحر هكذا، ولا هو بالمنفتح فيظهر كل العنق. ولكن يكون معتدلا بحيث يستوي القفى مع الظهر. وهذا الاعتدال معناه: أن الوجه يواجه مكان مواجهة الرأس للأرض، والعينان تنظران إلى موضع السجود أو إلى ما بين موضع السجود والقدمين. لا بأس. قال رحمه الله تعالى: «ولكنه يجعله مساويا لظهره كما تقدم». «ويباعد مرفقيه عن جنبيه». هذه المباعدة كما قلنا كما جاء وصفه في الفعل هكذا، لكن بما لا يكون فيه أذية لجيرانه. قال: «ويقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات أو أكثر». وقوله: «يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم» كما صحت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر في الأصل زيادة: «وبحمده». جاءت في بعض الألفاظ. وبعض الألفاظ التي جاءت بها يحسنها بعض أهل العلم، ويضعفها بعض أهل العلم. فالأمر في هذا واسع. ولهذا هنا اقتصر على قول: «سبحان ربي العظيم» ولم يذكر: «بحمده» لأن لفظة: «بحمده» انتقدها بعض أهل العلم، فهي رواية بأسانيد فيها شيء من الضعف. وقوله: «ثلاث مرات» جاءت ذكر هذا العدد في بعض الأحاديث. وكما تقدم: جاء أكثر من ذلك في خبر عمر بن عبد العزيز. والصواب في هذا: أن العدد يكون بحسب القراءة. ويجوز أن يزيد بعض الأدعية كما سيأتي إن شاء الله التي تقال يجوز أن تقال في الركوع. نكتفي بهذا إن شاء الله، ونترك الباقي إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. إذا صلى منفردا يجهر جهرا يسمع نفسه، يسمع نفسه، لأنها سنة. ولهذا قال من قال: أن الجهر واجب، لكن هذا الوجوب يختلف. جهر يسمع نفسه، أو جهر يسمع من خلفه من المأمومين. فإذا كان مثلا هو عنده شيء من المشقة أو كذا ولم يجهر، وهو منفرد لكان هذا عذر. إن بعض أهل العلم قالوا: الجهر هو في حق الإمام، أما المنفرد والمأموم لا يجهر. والأحوط أن المنفرد لو صلى منفردا جهر كذلك جهرا يناسب صلاته، ليس كجهر الإمام، لكن يسمع نفسه. والله أعلم.