كتاب الصلاة  89

كتاب الصلاة 89

الدرس في كتاب الصلاة 89، الدرس التاسع والثمانون:(28-باب الوتر:الحديث الحادي والعشرون بعد المائة ... وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه في حضر ولا سفر). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث صلاة الليل مثنى مثنى وتوضيح معناه

يشرح الحديث صلاة الليل مثنى مثنى ويبين آراء العلماء في عدد ركعاتها. يتناول أيضًا أحكام صلاة الوتر وجواز الزيادة أو النقصان عن ركعتين.

حكم صلاة الليل بغير ركعتين وتفاصيل صلاة الوتر

يتناول حكم صلاة الليل بغير ركعتين ويشرح تفاصيل حول صلاة الوتر. يبين جواز الصلاة بأكثر من ركعتين أحيانًا، ويشير إلى أن النبي كان يصلي ركعتين ثم ركعتين ثم يوتر.

أحكام وفضل صلاة الوتر وآراء العلماء حولها

يتناول أحكام صلاة الوتر وفضلها، ويشرح آراء العلماء حول وقتها وكيفيتها. يبين أن الأفضل أن تكون بعد صلاة شفع، ويوضح أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.

وجوب الصلوات الخمس وبيان أنها كفاية لمن صدق

يدل الحديث على وجوب الصلوات الخمس ويبين أنها كفاية لمن صدق في أدائها. يشير إلى أن الجمعة وغيرها ليست من الصلوات الخمس الواجبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الوتر، الحديث الحادي والعشرون بعد المئة. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المنبر: «ما ترى في صلاة الليل؟» قال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى». وأنه كان يقول: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الباب: باب الوتر وما يأتي من أحاديث في سياق ذكره لأحكام الصلاة. وكما نرى، بعد أن انتهى من ذكر أحكام صلاة الفريضة، أتبع بذكر أحكام صلاة الليل، وذلك أن أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأورد هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر، وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، ذكره في باب الحلق والجلوس في المسجد، فقال: حدثنا مسدد قال: حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: «اجعلوا آخر صلاتكم ويترى»، وليس فيه في هذا الموضع «بالليل». ورواه مسلم رحمه الله بنحو لفظ الإمام البخاري، وليس مثله. قال الشارح رحمه الله: غريب الحديث، قوله: «مثنى مثنى»، تأكيد لفظي لا لقصد التكرار، فإن ذلك مستفاد من الصيغة، أي: اثنين اثنين، وهو غير متصرف للعدل والوصفية. قال الزمخشري: وإعادة «مثنى» للمبالغة في التأكيد، فإذن ليس معناه أربعا أربعا كما فهم بعضهم من معنى لفظ «مثنى مثنى»، ولكن معناه ركعتين ركعتين؛ لأن المقصود من التكرار التأكيد والمبالغة فيه، وليس المقصود هو تضعيف العدد كما ظنه بعض الشراح، وهذا هو الصواب الذي يدل عليه سباق وسياق ولفظ وصيغة هذا الحديث. قال الشارح رحمه الله: قوله: «الوتر» بكسر الراء أو فتحها، يعني الفرد، ومعنى مأخوذ من معنى التوحيد والإفراد، وسميت صلاة الوتر «وترا» لأنها لا تصلى إلا على وجهي الإفراد، يعني: عندنا عدد يقال له شفع إذا كان من الأعداد الزوجية، وصلاة الليل تصلى وتختم بالوتر، يعني: إما ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشر أو ثلاثة عشر، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب على المنبر عن عدد ركعات صلاة الليل والفصل فيها أو الوصل، فمن حرصه صلى الله عليه وسلم على نفع الناس ونشر العلم فيهم أجابه وهو في ذلك المكان، فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين، فإذا خشي المصلي طلوع الصبح صلى ركعة واحدة فأوترت له ما صلى قبلها من الليل». ولكون الوتر خاتمة صلاة الليل، فالأحسن أن يكون صلاة آخر الليل هي الوتر. وفي قوله: وهو على تلك الحال، يعني: على المنبر وهو يخطب، وفيه جواز سؤال الخطيب إذا لم تكن فيه مفسدة، إذا لم تكن فيه مفسدة، وإذا كان في ذلك مصلحة للناس. قال الشارح رحمه الله: اختلاف العلماء، ظاهر الحديث يقتضي عدم الزيادة في صلاة النافلة على ركعتين وعدم النقص عنهما. فإن مقادير العبادات أمر يغلب عليه التعبد، فالصلاة أمرها توقيفي لا يتجاوز فيها ما أورده الشرع. ولكن ورد أن الوتر قد يكون بركعة واحدة لم يسبقها شيء، فقد روى الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم وابن حبان من حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يؤثر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يؤثر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يؤثر بواحدة فليفعل». ورجح النسائي وقف هذا الحديث، كما صح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بركعة واحدة لم يتقدمها صلاة شفع، فهذا تخصيص للحديث في نقص النافلة عن ركعتين في ركعة الوتر. أما الاقتصار على ركعة واحدة في النافلة في غير الوتر، فعن أحمد رواية، والرواية التي عليها المذهب هي الجواز. أما الرواية الأخرى فهي المنع في التنفل بركعة واحدة، وهذا ظاهر ما يراه الخرقي، وقد قواه ابن قدامة في المغني بقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى». أما الزيادة على الركعتين في النافلة فعلى الوتر من الليل، جاء في الصحيحين حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثر بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرهن». وأخرج أصحاب السنن من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». ولكن قال الصنعاني رحمه الله: أكثر لإسنادها زيادة «والنهار». وقالوا: إن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي على روايتها على راويها بأنه أخطأ فيها، وهي من رواية علي الأزدي، قال ابن معين: من علي الأزدي. أما الزيادة في صلاة النهار، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند زوال الشمس أربعا ثم أربعا، أخرجه الترمذي. قال: أما أقوال الأئمة في ذلك، فالإمام أحمد أجاز الزيادة في النافلة إلى أربع لهذا الحديث، والشافعي أجاز الزيادة بلا حد، ومالك لم يجز الزيادة على ركعتين عملا بحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى». وقد جمع العلماء بين حديث عائشة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر الوارد في الصحيحين أيضا، وذلك بالفصل بين كل ركعتين بتشهد وسلام، ويجوز الزيادة إلى القدر الوارد فقط. هذه مجموعة من المسائل أشار إليها رحمه الله، بعضها يتعلق بصلاة الليل والوتر، وبعضها في عموم النفل، نفل الليل والنهار. أول هذه المسائل اختلاف أهل العلم في الوتر بركعة واحدة فقط، وأوردها هنا حديث أبي أيوب، وقد أشار إلى أن أكثر الحفاظ على أن هذا الحديث موقوف لا يصح مرفوعا، وبعض أهل العلم صححه مرفوعا. ونظر باعتبار الترجيح، لأن من رواه مرفوعا أكثر ممن رواه موقوفا، كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح داود إلى أن تسعة أنفس رووه مرفوعا، وأربعة رووه موقوفا، فرجح المرفوع على الموقوف، بينما رجح الكثير من الحفاظ كالنسائي وابن حبان والدارقطني في العلل والبيهقي والذهبي، وقال الحاكم بالتلخيص: وهو الصواب، أي: أنه لم يصح مرفوعا بل موقوفا. والظاهر والله أعلم أن الحديث الأرجح أنه موقوف، ولو قدر أنه صح مرفوعا، فينبغي أن يحمل أن يوتر بواحدة باعتبار ما قد صلى قبل ذلك، لا أن ينفرد مع إمكان الوقت يفرد صلاة الليل بركعة واحدة؛ لأنه لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بشيء صحيح صريح لا من قوله ولا من فعله. فإذا فعله إنسان، فقد فعل خلاف الأولى والأحوط. وأما أن نقول: إنه آثم، لا نستطيع؛ لأنها في النهاية نفل وليست بفريضة، والمسألة فيها خلاف كما سمعنا، ولكن الصواب والأحوط وهو الأفضل أن لا يوتر بواحدة إلا في حالتين: أن يتبعها لصلاة الليل لما كان قبل ذلك، ولا بأس أن يكون مباشرة أو في فاصل، مثلا: صلى في أول الليل أربعا ركعتين ركعتين، ثم قام في الليل فلم ينشط إلا أن يصلي واحدة، جاز ولو واحدة؛ لأنه قد صلى قبل ذلك. أو كذلك في الحالة الثانية: أن يخشى طلوع الفجر، وهذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث ابن عمر: «لمن خشي طلوع الفجر أن يوتر بواحدة». وأما أن يفرد ركعة واحدة صلاة الليل، فهذا خلاف الصواب والله أعلم. أما المسألة الثانية، وهي مسألة جواز أن يصلي صلاة الليل بغير ركعتين، بأكثر من ركعتين، والصحيح والله أعلم هو جواز ذلك، ولكن ليس على وجه الدوام، وإنما أحيانا وأحيانا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم -وسأتي معنا بعض الأحاديث في هذا الباب- أنه كان يصلي من الليل ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم يوتر بثلاث، فتتم إحدى عشر ركعة، وهذا هو الغالب لعموم من صلاته عليه الصلاة والسلام. وكان أحيانا يوتر بثلاثة عشر ركعة، وجاء مفسرا في حديث ابن عباس وحديث عائشة من فعله عليه الصلاة والسلام، وحديث أبي هريرة من قوله: أن هاتين الركعتين هما لمن قام من نوم، فمن قام من نوم يستحب له أن يصلي ويستفتح الصلاة صلاة الليل بركعتين خفيفتين، تكون سببا في حل عقدة الشيطان، ولينشط في دخوله في صلاة الليل، هذه الحكمة كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليبدأ صلاته بركعتين» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا ثبت في حديث ابن عباس: أنه افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم شرع في صلاة الليل. وبهذا يجمع بين الروايات، بين حديث عائشة: «ما زاد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة»، وبين حديث ابن عباس وعائشة كذلك: «صلى ثلاثة عشر ركعة». وهكذا كذلك ثبت: أنه صلى أربعا وأربعا وأوتر بثلاث، وثبت: أنه أوتر بخمس، وثبت: أنه أوتر بسبع، وأوتر بتسع. وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله في رسالة له في قيام الليل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من كيفيات في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم للليل، وكلها ثابت صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن اختلفوا في فهم بعض تلك الأحاديث، والأمر في هذا واسع. وهل يصلي الإنسان إذا صلى بالناس على المعهود، أو يجوز له أن يخالف ذلك إذا كان يرى هذا؟ الجواب: ينظر إلى المصلحة والمفسدة، إن كان في بلد عندهم معرفة بالسنة وتعظيم لها واحترام لأهلها، فلا بأس أن يظهر لهم ذلك أحيانا فيعلمهم السنة؛ لأنهم يفرحون بذلك. وإن كان في بلد على خلاف هذا، ويخشى المفسدة وما يترتب على ذلك، فليكتفي بالمعهود ولا يشوش على الناس، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، حتى إذا وثق الناس بعلمه واستشعر منهم حب السنة وتعظيمها وأهلها، فعند ذلك يعلمهم ما يتيسر. أو كذلك إذا كانت فتوى البلد على خلاف ما هو عليه، فحتى لا يصطدم بعامة الناس، فضلا عن علمائها، فمن باب درء المفاسد يبقى على المعهود المشهور، وكله سنة، وكله سنة. المسألة الثالثة التي أشار إليها رحمه الله تعالى: مسألة جواز صلاة النهار بركعتين أو أكثر، وهل يكتفى بركعتين ركعتين، أي: نافلة النهار، أو يجوز أكثر؟ وكيف تكون؟ والصواب في هذا كذلك: أنه يجوز في صلاة النهار أن يصلي ركعتين ركعتين، ويجوز أربعا، غير أنه لا يشبه النافلة بالفريضة، لا يشبه النافلة في الفريضة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين ركعتين فيما كان من نافلة أكثر من ركعتين، مثل: الضحى، أو كذلك قبلية الظهر أو بعدها. وثبت: أنه صلى أربعا بسلام واحد، ولكن لا يجلس في شيء منها حتى لا تشبه النافلة بالفريضة، كما يفعل في صلاة الليل حتى لا تشبه النافلة في الفريضة. وما جاء في بعض الأحاديث: أنه صلى بتشهد أوسط، فأكثر الحفاظ على ضعف ذلك الحديث، أكثر الحفاظ على ضعف ذلك الحديث والله أعلم. ومن المسائل التي أشار إليها رحمه الله تعالى ما أشار إليه رحمه الله تعالى في آخر ذلك من جواز الزيادة على أربع ركعات في النافلة، والصحيح: أنه في صلاة الليل يجوز، وفي صلاة النهار لم يثبت. ففي صلاة الليل حديث عائشة: «أوتر بخمس»، وصح: أنه أوتر بسبع، أوتر بتسع، لا يسلم إلا في آخرها، وهذا جائز، ولكن كما قلنا: أحيانا أحيانا. وأما الغالب لعموم فركعتين ركعتين، ويوتر في آخرها بثلاث، وأحيانا بخمس، وأحيانا بأكثر من ذلك. وأشار رحمه الله تعالى كذلك إلى استحباب الوتر في آخر الليل، وقد دل على هذا الحديث كما سيأتي في فوائد الحديث. قال الشارح رحمه الله: وأما قوله في الحديث لفظة «والنهار» معلة، كما قال رحمه الله: أن الحفاظ أعلوا هذه الزيادة، لكن معناه صحيح ثابت بأحاديث أخرى. قال: ما يأخذ من الحديث يستدل به على أن صلاة الليل ركعتان ركعتان بلا زيادة ولا نقصان. وقوله: «بلا زيادة ولا نقصان»، يعني: هذا هو الغالب العم، وليس معناه مطلقا، فإن أراد أنه على وجه الإطلاق، فهذا ليس بصحيح، بل الصحيح: أنه يجوز أن يزيد. وأما النقصان عن الركعتين، فكما تقدم: الصحيح أنه لم يصح أي: منفردا إلا في الحالتين المذكورتين. وقال رحمه الله: ثانيا: أي: مما يأخذ من الحديث أن الوتر يكون آخر صلاة الليل لمن وثق من نفسه بالقيام، وذلك للحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». وقوله: «لمن وثق»، يعني: غلب على ظنه وهو يعلم أنه سيقوم، ولهذا من خشي أن لا يقوم، يؤثر قبل أن ينام، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بذلك. وفيه كذلك إشارة إلى جواز صلاة الليل بعضها في أوله وبعضها في آخره؛ لأنه قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، ففيه مع تأخير استحباب تأخير صلاة الوتر، جواز فصل بعض الصلاة، فيجوز مثلا أن يصلي الإنسان أول الليل أربعا، وفي آخر الليل يوتر بسبع، ركعتين ركعتين ويختم بواحدة أو بثلاثة. قال: ثالثا: أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر، وذلك لما تقدم، فمن خشي الصبح صلى واحدة أوترت له ما صلى. وفيه دليل كذلك على جواز صلاة الوتر إلى آخر وقت الوتر، فإذا فعل ذلك لم يفعل ما هو خلاف السنة، وإن كان السنة والأفضل أفضل صلاة الليل صلاة داود عليه السلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «كان ينام نصف الليل ثم يقوم ثلثه ثم ينام سدسه». ومعناه: أنه ينام ثلثين ويقوم ثلث، ولكن هذا الثلث ليس هو الثلث الأخير، وإنما الثلث الأول، وقبل الفجر بسدس. والفائدة من ذلك كما قال العلماء: لمن أمن على نفسه قيام الفجر أن يدخل صلاة الفجر بنشاط، فيكون نوم تلك اللحظات اليسيرات لمن قام آخر الليل بمثابة القوة والتنشط لصلاة الفجر، حتى لا يدخل صلاة الفجر وهو قد تعب ونصب من صلاة الليل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان الأول: «إنما هو لينام قائمكم ويستيقظ نائمكم». فالنائم يستيقظ، والقائم يرتاح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام من آخر الليل لم ينم نومة المطمئن، ينصب يده ويضع خده على يده منصوبة. فمن استطاع أن ينام هذه هيئة فعل، فإن كان ما يستطيع ولا تعود إذن مثلا عادة أن ينام على الفراش، لا ينام على الفراش؛ لأن النوم على الفراش نوم المطمئن الذي قد يستعمق في النوم، يتجع مثلا على جنبه الأيمن في المكان الذي صلى فيه، صلى مثلا على الأرض يتجع على الأرض على شقه الأيمن. المقصود ليس هو التعمق في النوم، إنما يمد ظهره ويستريح حتى يدخل صلاة الفجر وهو نشيط، فإذا أذن الأذان الثاني دخل صلاة الفجر. وفيه دليل على الوقت بين الأذان الأول والأذان الثاني: أن الوقت بين الأذان الأول والأذان الثاني هو سدس الليل، فلو كان الليل اثنى عشر ساعة، فينام نصف الليل، يعني: كم؟ ست ساعات، ثم يقوم ثلث الليل، يعني: كم؟ أربع ساعات، ثم ينام سدس الليل، كم بقي؟ من أربع وست، ساعتين، معناه: بين الأذان الأول والأذان الثاني ساعتين. وإذا كان الليل قصير، إذا الأذان سيقصر، هذا مفهوم الحديث، لكن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحاديث يدل أن الأذان الأول كان قريب من الأذان الثاني، خصوصا في رمضان، حتى ما يكاد يكون الفرق إلا أن يصعد هذا وينزل هذا، يصعد هذا وينزل هذا. قدره بعضهم بخمسين آية من الآيات المتوسطات، يعني: قدر نصف ساعة أو ساعة، قدره بعض العلماء: قدر نصف ساعة أو ساعة، ولا ينبغي أن يقل أكثر من ذلك؛ لأن نقصان الوقت أكثر من ذلك سبب لحصول اللبس، سبب لحصول اللبس بين الأذان الأول وماذا؟ والأذان الثاني. ويخطئ بعض المؤذنين إذا تأخر في الأذان الأول لم يبال أن يؤذن ولو كان بين الأذان الأول والثاني عشر دقائق، وهذا خطأ، خطأ كبير؛ لأنك بهذا تشوش على الناس، وربما تجعل بعضهم يظن أنه الأذان الثاني فيصلي والوقت لم يدخل، خصوصا إذا اختلف الناس في ذكر «الصلاة خير من النوم»، بعض المساجد تقوله بالأول، وبعضها تقوله بالثاني. ولهذا يؤكد أن ينبغي أن يفرق بين الأذان الأول والأذان الثاني بتفريق كاف يحصل به التمييز. وكما سمعنا: ظاهر الأحاديث أنه يبعد بأكثر من ساعة، يبعد أكثر من ساعة. قال رحمه الله تعالى: رابعا: الأفضل أن الوتر يكون بعد صلاة شفع. طيب هنا سؤال يسأل عنه كثيرا: لو كان في صلاة الوتر فأذن المؤذن بالفجر، هل يكمل الوتر أم يجعلها شفع؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة. وعندنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». فإذا نقول: إذا صلى الوتر وقد ركع فيكملها ركعة واحدة، وإذا صلى الوتر ودخل فيها ولم يركع فيكملها كم؟ ركعتين؛ لأنه لا وجود للوتر بعد طلوع الفجر، لا وجود للوتر بعد طلوع الفجر. وهذا من فقه صلاة الليل، ولهذا من تفوت صلاة الليل إذا أراد أن يقضيها من النهار يقضيها شفعا بحسب عادته، عادته يصليها ثلاثا، فسيقضيها في النهار ما بين الظهر إلى ما بين الفجر، إلى الظهر أربعا وليس ثلاثا. قال رحمه الله تعالى: رابعا: الأفضل أن الوتر يكون بعد صلاة شفع؛ لتقديم شفع قبل الوتر، هو السنة. والاقتصار بالوتر على ركعة واحدة لما تقدمها شفع جائز، فقد جاء بحديث أبي أيوب مرفوعا: «من شاء أوتر بواحدة». رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها. وهذا لو قدر صحته، لحمل على أحد الكيفيتين: إما الإنسان قد صلى من الليل ما صلى قبل ذلك، فجاز أن يوتر بواحدة. وإما إنسان خشي أن يدركه الفجر، جاز أن يوتر بواحدة، قام من الليل، وإذا بقي له الفجر خمس دقائق، فما عنده إلا أن يتوضأ ويوتر بركعة واحدة؛ لأنه من خشي أن يصبح أوتر بواحدة. أما أن يصلي واحدة منفردا، فهذا لم يصح صريحا صحيحا من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله. وهذا الحديث كما تقدم: أكثر الحفاظ أنه موقوف لم يصح مرفوعا. قال رحمه الله تعالى: سادسا: استحباب الوتر، وقد قيل بوجوبه، يعني: اختلف العلماء، فمنهم من قال: واجبا، ومنهم من قال: مستحبا. والصحيح: أنه مستحب استحبابا مؤكدا، ولهذا لم يدعه النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ولا في حضر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به أهل القرآن، ويلوم عليه، حتى قال: «نعم العبد عبد الله، نعم الرجل عبد الله، لو لان يقوم الليل». فما كان بعد ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنه يدع قيام الليل بعد إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. قال رحمه الله تعالى: والراجح: أنه ليس بواجب، لكنه من أفضل التطوعات؛ لكثرة النصوص في الأمر به وفضله، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه في حضر ولا سفر. وهو كما قال رحمه الله: وأكثر الأدلة تدل على ذلك. ففي الصحيحين في قصة الرجل: «هل علي من شيء بعدها؟» قال: «لا». قال: «والله لا أنقصهن ولا أزيد عليهن». قال: «أفلح إن صدق، أفلح إن صدق». فدل أن لا يجب من الصلوات إلا الصلوات الخمس في اليوم والليلة. وأما كونه لم يذكر الجمعة وغيرها، فهذا؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس، وإنما الكلام على الصلوات الخمس. نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.