الدرس في شرح الدروس المهمة 46، الدرس الحادي عشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر المؤلف ثمانية مبطلات للصلاة، وأولها الكلام العمد مع الذكر والعلم، حيث يبطل الصلاة بينما لا تبطل بالكلام الخطأ أو الجهل أو الغفلة. الكلام العمد يعتبر من أكبر المبطلات للصلاة.
الضحك والأكل والشرب وانكشاف العورة من مبطلات الصلاة إذا كانت متعمدة. التبسم لا يبطل الصلاة، ويجب على المصلي ستر عورته أثناء الصلاة.
يجب على المرأة ستر عورتها في الصلاة، ويجوز لها كشف وجهها وكفيها أمام المحارم ونساء المسلمين. انكشاف العورة خطأً لا يبطل الصلاة.
لم يؤذن للنساء بالخروج للصلاة إلا للصلوات الليلية حرصًا على عدم الفتنة. إذا انكشف شيء بغير قصد أثناء الصلاة فالصلاة صحيحة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الدرس الحادي عشر: مبطلات الصلاة. قال: وهي ثمانية: الكلام العمد مع الذكر والعلم، أما الناس والجاهل فلا تبطل صلاته بذلك. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الدرس في الكلام على مبطلات الصلاة، وأشار في أول هذه المبطلات أولًا: معنى مبطلات الصلاة، أي ما تبطل الصلاة، أي تنقطع ولا تصح، فالباطل ضد الصحيح. وقوله: هي ثمانية، أي هذه المبطلات، وسيأتي أن في بعضها تفصيلًا، وأن كذلك في البعض الآخر خلاف. أول هذه المبطلات ذكر رحمه الله تعالى: الكلام العمد مع الذكر والعلم، وننتبه لهذه القيود الثلاثة: كونه كلامًا عمدًا، فخرج بذلك ما ليس بكلام، فإن الإنسان قد يعطس فيحمد الله، فحمد الله في الصلاة من الذكر الذي لا تبطل به الصلاة. فقد ثبت في صحيح مسلم في قصة وقعت لمعاوية بن الحكم السلمي: في الرجل الذي عطس فحمد الله، فشمته معاوية بن الحكم السلمي. الشاهد: حين أنكر الصحابة على معاوية بن الحكم السلمي فتكلم في الصلاة، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. فصار حمد الله الذي هو ثناء على الله ليس من الكلام، وتشميت العاطس الذي هو مخاطبة العاطس من الكلام، وفرق بين الجملتين واضح: الفرق الأولى ثناء على الله، فهو من الدعاء وليس من الكلام، والثانية خطاب للعاطس: يرحمك الله، وهذا الخطاب من الكلام. فالمقصود أن الكلام هو الذي تبطل به الصلاة، أما الدعاء والثناء على الله بما هو أهله مما دل الدليل الشرعي على جوازه، فهذا ليس من الكلام المنهي عنه. وقوله: العمد مع الذكر، يخرج ما إذا كان عن غير عمد، مثل الخطأ، مثلا قد يخطئ الإنسان فيتكلم لرؤية شيء فاجأه، مثلا رجل في الصلاة رأى صبيًا سيسقط فيقول: لا، أو يريد أن يأخذ شيئًا خطرًا، فكلامه الذي كان عن غير عمد خرج خطأ وسهوًا، فهذا معذور فيه. وقوله: العمد مع الذكر والعلم، لأنه قد يتعمد الكلام ولكنه جاهل بحكم الكلام، مثل قصة معاوية بن الحكم السلمي: تكلم وهو يجهل أن الصلاة لا يصلح فيها الكلام، لأن أحكام الصلاة جاءت تدريجيًا، ومن ذلك النهي عن الكلام في الصلاة كما في هذا الحديث الذي في صحيح مسلم. فإذا كان جاهلًا بالحكم فيعذر بجهله، وصلاته صحيحة، وهذا هو قوله: أما الناس والجاهل فلا تبطل صلاته بذلك. الناس يعني الذي يحصل له شيء من الغفلة، تخرج الكلمة وهو لا يريد إخراجها، إما لرؤية شيء مفاجئ أو نحو ذلك. أما إذا تكلم بالكلام العمد مع عدم وجود شيء من هذه الموانع، فالصلاة باطلة، وذلك لما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: الثاني: الضحك. أي من مبطلات الصلاة: الضحك، والضحك معروف، ويستدل له بما تقدم في حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وذكر الله وقراءة القرآن». فقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما هو التسبيح» حصر أن هذه الصلاة لا يجوز فيها شيء مما هو زائد عن هذا المذكور. ومعنى أنه لا يصلح في الصلاة إلا هذه الخصال المذكورة: التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، ومنه الذكر كما تقدم. والضحك ليس من ذلك، بل قاس على ذلك العلماء كل معنى ينافي كون المصلي يكون مصليًا، فهو يدخل في معنى مبطلات الصلاة، ومنه الأكل والشرب. ولهذا قال رحمه الله تعالى كذلك: أن من مبطلات الصلاة الأكل والشرب. قال: الثالث الأكل والرابع الشرب. وقد نقل العلماء الإجماع كابن المنذر وغيره أن الصلاة تبطل بالضحك، أي العمد. وهكذا كذلك الأكل والشرب، والمقصود بذلك كذلك العمد، لأنه قد يحصل ضحك بغير عمد خطأ، فما حصل من خطأ أو سهو فهو إن شاء الله معفو. أما ما كان من عمد لم يتمالك الإنسان نفسه فضحك، فالصحيح أن ذلك يبطل الصلاة. ونقل العلماء أن الضحك من مبطلات الصلاة، وأما التبسم فلا بأس به، يعني إذا وقع التبسم لا يبطل الصلاة. ومع ذلك لا ينبغي أن ينشغل المصلي لا بتبسم ولا بغيره، قد يعرض للمصلي ما يجعله يتبسم، فإذا وقع مثل ذلك فهذا لا يبطل الصلاة، لأن التبسم لم يحصل فيه صوت، ولم يكن معه فعل ظاهر ينافي كون المصلي مصليًا. وهكذا كذلك الأكل والشرب، فالأكل والشرب مما ينافي كون المصلي مصليًا، وهذا هو الضابط الذي به نعرف كون الشيء من مبطلات الصلاة أو ليس من مبطلات الصلاة. وكون المصلي تبطل صلاته بالأكل والشرب أظهر من كونه تبطل صلاته بالكلام والضحك، وهذا يسمى عند الفقهاء بالقياس الأولوي، يعني إذا منع المصلي من الكلام، فمن باب أولى الضحك، ومن باب أولى الأكل، ومن باب أولى الشرب، لأنها لحظات معدودة ينبغي أن ينشغل فيها المصلي بما أمر أن ينشغل به وهو الصلاة. وقوله رحمه الله: وانكشاف العورة خامسًا. انكشاف العورة، أي من مبطلات الصلاة كذلك انكشاف العورة، وهذا كذلك يحمل أنه من مبطلات الصلاة إذا كان هذا الانكشاف عن عمد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقد أمر المصلي بستر عورته، فإن المصلي يستر: أي الذكر من السرة إلى الركبة. والعورة تنقسم عند أهل العلم إلى ثلاثة أقسام: عورة مغلظة، وهي السوأتان، وعورة متوسطة، وهي بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وعورة خفيفة، وهي ما على العاتقين. فالمغلظة لا يجوز كشفها بحال، والمتوسطة يعفى عن اليسير منها للضرورة والحاجة، وعليه يحمل ما ورد من أدلة من انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواضع، يجمع بينه مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الفخذ عورة»، وهو حديث صحيح. بأن العورة المتوسطة قد يعفى عن اليسير منها عند الضرورة والحاجة، فالرجل إذا ركب الخيل أو إذا تحرك وعليه ثوب قصير قد ينكشف شيء من الفخذ أو ينزل شيء يسير من تحت السرة، فمثل هذا يعفى عنه في مثل هذه الحالات الطارئة النادرة القليلة. ومع ذلك ينبغي المسلم أن يحترط ويستر. وأما العورة الخفيفة أو المخففة، فهي التي يستر يفضل سترها، ويتأكد سترها في الصلاة، وهو ما على العاتق. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن لا يصلي المصلي ليس على عاتقه من ثوبه شيء، حتى لو أن الرجل ليس عنده إلا ثوب واحد، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يلف من ثوبه هذا على عنقه، كالإزار مثلًا يأخذ أحد طرفي الإزار ويلفه حول عنقه ويربطه فيه، هذا لو كان ليس عنده إلا إزار واحد. وهذا يدل على تأكيد ستر الجزء الأعلى من الجسد في الصلاة، وأنه من كمال الأدب أدب المصلي في وقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى. وأنتم تعرفون أن الصلاة صلة بين العبد وربه، وإذا صلى العبد فهو يصلي بين يدي الله عز وجل. وهكذا المرأة كذلك لها عورة مغلظة ومتوسطة وخفيفة. وعورة المرأة المتوسطة سائر الجسد إلا مواضع الزينة، فيجوز أن تكشف مواضع الزينة، وهي مواضع الوضوء: اليدين إلى ما فوق المرفقين، لأن هنا يضع في العضد زينة، والرقبة وشيء من العنق والصدر توضع فيه زينة، والرأس والرجلين إلى ما فوق الكعبين، يجوز أن تكشف هذا لمحارمها ولنسائها، أي نساء المسلمات بنص الآية وعموم الأحاديث. وقد ينكشف شيء يسير مما ينافي ذلك عند الحاجة والضرورة بغير قصد، وينبغي التستر، ومن كشف خطأ يعفى عنه. فالمرأة أحيانًا تحتاج إلى أن ترضع ولدها، خصوصًا بين النساء، فقد ينكشف شيء أثناء ترضيعها لولدها، لا ينبغي لها أن تتساهل، بل قد روي في هذا بعض الأحاديث فيه شيء من الوعيد. ولكن إذا حصل ذلك خطأ، لأن هذا يكثر استعماله، فهذا الخطأ معفو عنه، والمشقة تجلب التيسير. ولا يعني ذلك كما يظن بعض الناس، وقاله بعض أهل العلم، وهو خطأ وخلاف الصواب: أن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة إلى الركبة، هذا خطأ وخلاف الصواب. فإن الله عز وجل قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، فلم يفرق في حكم النساء مع حكم آباء البعولة والآباء والإخوة والأقارب المحارم. وقال: ﴿يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، والمعروف في كلام المفسرين وأهل الحديث أن المقصود بهذا هو مواضع الزينة، وليس الصدر، صدر المرأة مع التديين من مواضع الزينة. فتساهل بعض النساء في كشف هذا الموضع خطأ، وهو حرام لا يجوز، ومدعاه للفتنة والفساد، فلبس الألبسة الضيقة التي تكشف هذا الموضع أو نحو ذلك، كشف هذا الموضع لا يجوز، وهو من الفساد مما يدعو إلى الفساد. وهكذا كذلك به يُعلم خطأ ما يفعله بعض النساء في الأعراس وغيرها من كشف بعض المواضع، إما بلبس الضيق أو لبس المشقوق، فهذا كله لا يجوز، لأنه كشف للعورات. وأما المخففة، فالوجه والكفان تكشفهما على العكس، تكشفهما المرأة في الصلاة إلا عند الرجال الأجانب، فتسترهما عند الرجال الأجانب. فانكشاف العورة لا يجوز للمسلم أن يكشف عورته عمدًا، لأنه أمر بسترها في الصلاة. فإذا انكشف شيء منها على وجه الخطأ، فهل تبطل الصلاة؟ الصحيح أن الصلاة لا تبطل. أما على وجه العمد فتبطل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». مثال الخطأ: مثلا سجد المصلي فانكشف تعورته أثناء السجود، الصحيح أن الصلاة لا تبطل ما دام عن غير عمد. ويدل عليه ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء أن يرفعن من السجود حتى يقوم الرجال، وهذا حين كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليس صغيرًا، ويصلي النساء في آخر المسجد. حرصًا على عدم الفتنة لم يؤذن لهن على الصحيح أن يخرجن إلا إلى الصلوات الليلية، يعني المغرب والعشاء والفجر فقط، كما بيّنه الحفاظ في شرح الأحاديث في هذا الباب. فالشاهد: هذه الأحاديث تدل أن عورات بعض الصحابة قد تنكشف بسبب صغر ثيابهم، إما قصر الإزار أو شق فيه، مع حرصهم على التستر قد ينكشف، فإذا انكشف شيء بغير قصد فالصلاة صحيحة ولا تبطل.