جواهر البلاغة  113

جواهر البلاغة 113

الدرس في جواهر البلاغة 113، الدرس الثالث عشر بعد المائة:من( المبحث الأول:في الإيجاز وأقسامه ... وينقسم الإيجاز إلى قسمين:إيجاز قصر وإيجاز حذف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيجاز في البلاغة العربية

الإيجاز هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل منها وافية بالغرض المقصود. يُعد الإيجاز ممدوحًا إذا استوفى المعنى ولم يكن فيه نقص.

أنواع الإيجاز وتطبيقاته في النصوص الدينية والأدبية

الإيجاز يكون فصيحا إذا زادت المعاني في عبارات قليلة، مثل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هناك أمثلة على الإيجاز بالقصر والإيجاز بالحذف في الشعر العربي والقرآن الكريم.

التقييم النقدي لأسلوب الإيجاز

الإيجاز قد يكون مذموما إذا سبب صعوبة في فهم المعنى. يُعقب على أسلوب الإيجاز في بعض العبارات، مشيراً إلى أنه قد لا يكون الأفضل دائماً وقد يصعب فهمه.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المبحث الأول. قال: الإيجاز وهو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل منها وافية بالغرض المقصود مع الإبان والإفصاح، كقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، فهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها، وكقوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، وكقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». فإذا لم تَفِ العبارة بالغرض سمي إخلالا وحذفا رديئا، كقول اليشكري: «والعيش خير في ظلال النوك ممن عاشك كدى». مراده أن العيش الناعم الرغد في حال الحمق والجهل خير من العيش الشاق في حال العقل، لكن كلامه لا يعد صحيحا مقبولا. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذكر التفصيل في هذا الباب التاسع الذي جعله رحمه الله في الإيجاز والإطناب والمساواة، وهي من مباحث هذا العلم، علم البلاغة. فابتدأ رحمه الله بالكلام على الإيجاز، فقال: هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل منها وافية بالغرض المقصود مع الإبان والإفصاح. وبعضهم يعرفه فيقول: هو اندراج المعاني الكثيرة تحت اللفظ القليل. وهي بمعنى ما ذكر المؤلف رحمه الله. وبعضهم يقول: هو التعبير عن المقصود بلفظ أقل من المتعارف عليه، واف بالمراد ومعطي للفائدة. وكما ترون، هذه التعريفات الثلاثة متقاربة. وقوله: كقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، فهذه الآية فيها إيجاز، وفي نفس الوقت فيها استيفاء للمعنى. ففيها عبارات قليلة ومعاني وافية كثيرة. وقد مر معنا أن الكلام بهذا الاعتبار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إيجاز، وهو ما قلت العبارات فيه وكثُرت المعاني، وهذا ممدوح إذا لم يكن فيه نقص في استيفاء المعنى. وإطناب، وهو كثرة الألفاظ مع قلة المعاني، وهذا غالبا يكون بالتكرار ونحوه، وهذا غير ممدوح إلا ما كان المقصود منه تأكيد معنى أو إدخال إقناع أو نحو ذلك. والمساواة، وهي استواء اللفظ والمعنى، وهذا هو الأصل. فإن المقام اقتضى المساواة، فالفصاحة والبيان بالمساواة. وإن اقتضى المقام الإيجاز، فكمال الفصاحة والبيان بالإيجاز. وإن احتاج المقام إلى الإطناب، وهو التطويل، وغالبا كما قلنا يكون هذا في باب إقناع الغير، وما كان بمعناه مما يحتاج به إدخال حجة ونحوه، فيكون هذا كذلك من الفصاحة والبيان؛ لأن زيادة العبارة مع قلة المعنى كان له فائدة. فمن أتى بهذه الفائدة فاستطاع أن يصل إليها، وهي إقناع الغير مثلا، فهو الفصيح وهو المبين أي في كلامه. قال قوله: فهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها، يعني مع قلة عباراتها، فلهذا سمي من مباحث الإيجاز. وهكذا الآية الأخرى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾. وسيأتي معنا إن شاء الله أن الإيجاز قد يكون بالقصر، وهو زيادة المعاني في العبارات القليلة، وقد يكون بالحذف، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه وأمثلة ذلك. ومثل بالآية والحديث كذلك، فالآية: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فيها ألفاظ قليلة ومعاني كثيرة. وواضح وجه ذلك، فقول سبحانه: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فيه إثبات وحدانيته سبحانه وتعالى في الخلق، ووحدانيته سبحانه وتعالى في الأمر، وذلك يدل على نفوذ مشيئته سبحانه وتعالى الشرعية والكونية. فهذه معاني كثيرة في عبارات قليلة، مع ما لا يخفى مما استنبطه بعض علماء الإسلام من مباحث العقيدة في هذه الآية. وهكذا الحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، عبارة قليلة في معاني كثيرة. وذكر العلماء مسائل كثيرة من هذه العبارة مما يستنبط من هذا الحديث. فهذا الإيجاز صار فيه فصاحة وبيان. ثم قال: فإذا لم تَفِ العبارة بالغرض سمي إخلالا وحذفا رديئا، يعني لكونه لم يؤدي المقصود. ومثل بقول اليشكري -وهو الحارث بن حلزة-، والشاهد في قوله كما ذكر: يريد أن يقول أن العيش الناعم الرغد في حال الحمق والجهل خير من العيش الشاق في حال العقل. وهذا الإيجاز مخل بالمعنى؛ لأنه قال: «والعيش خير في ظلال النوك ممن عاشك كدى». والمراد بالنوك يعني الحمق، ممن عاش كدا، أي مما يعيش مع عقله، هذا هو المحذوف. وهو يكد في الحياة، فصار حدث هذا المعنى هذا اللفظ، وهو ذكر العقل، أخلى بالمعنى من جهة أولا عدم وضوح وجلاء المعنى، فيحتاج المتأمل في هذا البيت أن يعيده مرات وكرات حتى يعرف ما هو المقصود من هذا البيت. فلم يكن البيت بهذا الحذف فيه البيان الذي يكفي مع إيجازه، فصار الإيجاز مخلا بالمعنى. مع أن البيت ليس على إطلاقه، وليس هو صحيح؛ فليس العيش مع الحمق خير إذا كان رغدا، فإن من الناس من لا يرضى بالحماقة مع الرغد، ما فائدة الرغد وهو أحمق؟ بل يرضى لنفسه بالعيش الشاق ما دام قد أعطي عقلا. بل هذا الذي يطمع به أكثر الناس، من يفرح أن يكون مجنونا وهو في عيش رغد البهيم خير منه. فصار البيت من جهة اللفظ قاصر، ومن جهة المعنى قاصر من جهتين: من جهة مشقة فهم المعنى، وثانيا عدم صحة هذا التعبير. قال رحمه الله تعالى: وبعضهم مثل بمثال آخر منه قول عروة بن الورد: «عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ومقتلهم عند الوغى كان أعذر». ويريد أنه تعجب إذ يقتلون أنفسهم في وقت السلم والرخاء، يعني هذا شيء عجيب كيف يقتلون أنفسهم في وقت الرخاء والمسالمة، ولو كانوا قتلوا أنفسهم عند الحرب لكان هذا معذرا لهم. فصار حذف السلم ومعناه من البيت سبب صعوبة في فهم البيت؛ فإن الإنسان يحتاج لفهم هذا البيت ووصول معناه أن يعيد ويكرر البيت مرات، فضلا عن أن تكون المرة الواحدة كافية في إيصال المعنى. فإذا هذا حذف حصل في البيت، حذف أخلى بالمعنى. وكما قلنا: إذا قصرت العبارة واستصعب المعنى صار هذا الإيجاز ليس إيجازا ممدوحا بل مذموما. قال رحمه الله: وينقسم الإيجاز إلى قسمين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف. وسيأتي معنى ذلك. قال: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، فهذه الآية قد جمعت مكارم الأخلاق، وانطوى تحتها كل دقيق وجليل؛ إذ في العفو الصفح عمن أساء، وفي الأمر بالمعروف صلة الأرحام ومنع اللسان عن الكذب وغض الطرف عن كل المحارم إلى آخر ما ذكر رحمه الله في إيضاح معنى الإيجاز بالقصر. قال: ولأجل تمام ما يريد كان عليه أن يقول: إذا قل وزجا. فصار فيه الخلل من جهتين: أولا من جهة صعوبة فهم المعنى مع هذا الحذف، فكأنه يريد أن يقول: إذا تسهل وقل أفضل منه إذا تأخر وتوفر. يريد أنه أن توفره مع كونه بطيئا أفضل من سهولته مع كونه قليلا. فمثلا يأتيك درهم سهل، لكن هو هذا الدرهم فقط، وتأتيك دراهم كثيرة لكن ببطء بين الدرهم والدرهم وقت طويل، لا شك أن الثاني أفضل من الأول. وهكذا كذلك المعروف المعنوي. وهذا ليس على إطلاقه؛ أولا من جهة المعنى، فإن من الناس من لا يوافق على هذا ولا يرى أن هذا أفضل. وكذلك من جهة استصعاب فهم هذا المعنى من هذه العبارة، فصار العبارة لأجل محافظته على الفواصل بهذا الحذف أدى إلى شيء من صعوبة الفهم لهذا المعنى. قال رحمه الله: فإيجاز القصر -أو هذا- نتركه إن شاء الله؛ لأنه سيتكلم على هذا المبحث بالتفصيل إن شاء الله. نترك هذا للدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.