تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 10

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 10

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استحواذ الشيطان على المنافقين وتأثيراته

يشرح هذا الفصل كيف يستولي الشيطان على المنافقين ويؤثر عليهم، مما يجعلهم ينسون ذكر الله ويتبعون الشيطان. هذا الاستحواذ يؤدي إلى تحولهم إلى حزب الشيطان.

تأثير الشيطان على الإنسان ومخالفته لله ورسوله

يفصل هذا الفصل كيفية استحواذ الشيطان على الإنسان وتأثيره عليه ليفضل السيئ على الجيد، ويبين أن اتباع الشيطان يعني مخالفة الله ورسوله والتعرض للخسارة. كما يوضح درجات استحواذ الشيطان وتدرج حزب الشيطان في المخالفة.

كتابة الله للنصر لأهل الحق وتفسير الآية

يناقش هذا الفصل معنى كتابة الله للنصر لأهل الحق كما في الآية ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، ويوضح أن هذه الكتابة تتجدد وتشمل الغلبة بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان.

ختام الدرس والدعاء

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام، ويختتم الموضوع المطروح.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، إن الذين يحدون الله ورسوله أولئك في الأذلين، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز. قال المفسر رحمه الله: استحوذ، استولى عليهم الشيطان بطاعتهم له، فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان، أتباعه، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، إن الذين يحدون، يخالفون الله ورسوله، أولئك في الأذلين، المغلوبين، كتب الله في اللوح المحفوظ، أو قضى، لأغلبن أنا ورسلي بالحجة أو السيف، إن الله قوي عزيز. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، تكلمنا في هذه الآيات في سورة المجادلة، وفي سياق ذكر حال المنافقين، ووجه شبههم باليهود وأهل الكتاب. وقد مر معنا في الآيات السابقات حال المنافقين، واتخاذهم أيمانهم جنة، وما كان من صدهم عن سبيل الله، وما توعدهم الله عز وجل من العذاب الشديد، والوعيد الأكيد، العذاب المهين في الدنيا والآخرة. تبعًا لتلك الآيات، قول سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، قال المفسر رحمه الله: استولى. وعلى القاعدة التي مرت معنا: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فاستولى من معاني الاستحواذ، والاستحواذ شيء زائد عن الاستيلاء، فهو استيلاء وزيادة. الاستحواذ يدل على القرب والدخول في الكنف، فهو استيلاء على وجه القرب والتبعية، يعني صاروا جندًا من جند الشيطان، يوجههم ويسلطهم كيف شاء. فقد يستولي الإنسان على شيء، ولكنه لا يستحوذه، ولكن إذا استولى عليه واستخدمه، فقد استحوذه. قول سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، قال: بطاعتهم له، وهذا من مواضع استحواذ الشيطان. وإلا فاستحواذ الشيطان ليس فقط بطاعتهم له، بل كذلك بما يكون من إبعادهم وحرمانهم من كل ما ينفعهم وينفع المؤمنين، وهذا هو واقع كل من حرم طريق الرب سبحانه وتعالى، فإنه يكون من جند الشيطان، وكذلك يكون محرومًا من التوفيق لكل ما ينفعه بالدنيا والآخرة. وقوله: ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، هذه علامة من علامات المنافقين والكافرين، فإن الشيطان إذا تسلط على أحد، أنساه ذكر الله، وذلك بإشغالهم بذكر نفسه، كما أخبر الله عز وجل عن الشيطان وتسلطه في آيات كثيرة، فإنه يشارك الناس في أكلهم وشربهم وأولادهم، وهكذا. كذلك استفزهم بصوته ورجله، وكل هذا من تسلط الشيطان، فيستبدل القرآن بالمعازف والغناء، ومجالس الإيمان بمجالس المعاصي، والمشروبات المباحة الطيبة والمأكولات بالمحرمات، والحلال بالخبائث. فإذا استحوذ الشيطان على أحد، وجهه لكل قبيح، وزهده وكرِه إليه كل طيب نافع، فلا يرى الطيب إلا خبيثًا، ولا يرى الخبيث إلا طيبًا. ألا ترى إلى انتكاس الفطرة لكل من حرم طريق الهداية والإيمان، كيف يحبب الشيطان إليهم القاذورات بأنواعها، فيتركون الحلال الطيب بأنواعه من المآكل والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال، ويسلطهم لكل فاحش وقبيح من الأقوال والأفعال والمأكلات والمشروبات والمنكوحات، وغير ذلك مما في هذه الدنيا. وإذا نظر الإنسان بنظر العقل، فضلًا عن الشرع، علم أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. انظر إلى أنواع المشروبات الطيبة في هذه الدنيا، وكيف تسلط واستحوذ الشيطان على جنده، فصاروا مع المسكرات والمخدرات وغيرها. وانظر إلى كذلك طيب الأقوال والأفعال، كيف استحوذ عليهم الشيطان، فصاروا مع المعازف والغناء والخنا وغيره من الكلام الفاحش البذيء، ومع أهل القذارة والنذالة، ويترك أهل القرآن والعفة والطهارة. حتى في النكاح، يترك المؤمنات الطاهرات العفيفات، ويسقط في أحضان القذرات النجسات، اللاتي هن سلعة مع كل رجل، وهذا من أكبر الحرمان، كما قال الله عز وجل: ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾، وهكذا الخبيثات للخبيثين. هذا هو استحواذ الشيطان، وقليل من كثير، فيمسيهم ذكر الله وطريقة الخير والبر، فيكونوا من حزب الشيطان، وهذا من معاني الاستحواذ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، قال: أتباعه، ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، خاسرون في الدنيا، فأبدلهم الشيطان الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولذلك يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، ويندمون أشد الندم، حين لا تنفع الندامة. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ﴾، قال المفسر رحمه الله: يخالفون. وعلى ما تقدم، فيخالفون. مبنى «يُحَادُّونَ» ليس «يُحَادُّونَ»، فمعناه مختلف، فهو تقريب لمعنى المحادة، فالمحادة مخالفة وزيادة، المحادة مخالفة فيها المنابذة والمعارضة، كمحادة في محادة التسايف والتحارب. ولهذا سمي السيف حدًا لأنه يقطع، وسميت العقوبة حدًا لأنها تعارض وتكافئ ما كان من باطل. وقوله: ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أولئك بالأذلين، أن يعارضون ويحاربون ويضادون ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء بالأقوال أو الأفعال أو المواقف أو الأحكام أو غيرها من معاني المحادة. وهذه الآية اختلف أهل العلم فيها، فقيل أنها مكية، وقيل أنها مدنية، والراجح أنها كباقي الآيات، وأنها آية مدنية. وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾، قال رحمه الله: المغلوبين، ولا شك أن الغلب من معاني الذلة، والأذل مغلوب وزيادة، ففيه معنى الصغار والإهانة. فمن اتبع حزب الشيطان، لزمه أن يكون محادًا لله ورسوله، وثمرته أن يذله الله في الدنيا والآخرة، فيكون مغلوبًا ذليلًا صغيرًا، كما جاء في حديث ابن عمر عند أحمد وغيره بإسناد صحيح: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»، وهذا عام. وبه نعرف أن استحواذ الشيطان درجات، كما أن النار دركات، وأن حزب الشيطان كذلك طبقات، كما أن النار كذلك طبقات. فمن حزب الشيطان أهل الشرك والكفر والنفاق، ومن حزب الشيطان أهل البدع والمعاصي، ومن أهل الشيطان كذلك من قد يغلبه الشيطان، ولو كان أصله مؤمنًا أو مسلمًا. فالشيطان يدخل في حزبه من يستطيع، قدر ما يستطيع، لو لم يكن إلا أن يصرفك عن الأفضل إلى المفضول، وعن الواجب إلى المستحب، وعن المكروه إلى المحرم، وهكذا يتدرج بك حتى يخرجك من دين الإسلام، ويجعلك من جنده الكافرين أو المشركين أو المنافقين. فهو لا يزال بالإنسان في خطواته التي حذرنا الله عز وجل منها، حتى يخرجك إلى قاع جهنم، وهو مصير المنافقين. فإذا لم يستطع، حاول بالذي فوقه، وهكذا. كما قلنا: لو لم يكن إلا أن يصرفك عن الأفضل إلى المفضول. فينبغي الإنسان أن يكون حذرًا، حذر أشد الحذر من أن يستدرجه الشيطان، فيجعله من حزبه وأتباعه في قليل أو كثير. وقول سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، قال: في اللوح المحفوظ، أو قضاء. والصحيح: كلاهما. كتب الله في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف عام، كل شيء، كما في حديث عبد الله بن عمر عند البخاري وغيره. وهكذا كذلك قضاء بالقضاء القدري، وقضاء الله القدري كان بما قضاه يوم خلق السماوات، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام. وهكذا كذلك بقضائه الشرعي، وقضائه كذلك الأسبوعي واليومي، فإن لله قضاء يتجدد بأمره سبحانه وتعالى. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، هذه الكتابة تتجدد، وآخر تجددها وقت وقوعها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، هذا قبل وقوعه، وبعد وقوعه. كذلك قوله: ﴿حَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الآيات، فإنه عند وقوع الفتنة يقع التحقيق لتمييز المؤمنين من المنافقين، والصادقين من الكاذبين. وهذا كذلك من الكتابة والعلم في علم الله، وكتابته تكون قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه، والثواب والعقاب يكون متى عند الوقوع. وهكذا هنا: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، قال: بالحجة أو السيف. والصحيح: بكليهما، أي الغلبة لأهل الحق بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان. والغلبة بالحجة والبرهان أكثر وأغلب من الغلبة بالسيف والسنان. ولهذا قد يغلب الكفار، ولو بعض حين في زمان أو مكان بحسبه، بالسيف والسنان، ولكنهم لن ولم يغلبوا بالحجة والبرهان أبدًا. وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فالطائفة المنصورة والفرقة الناجية لم تزل ولا تزال هي الظاهرة والمنصورة بالحجة والبرهان. وأما بالسيف والسنان، فالحروب سجال، كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في زمانه، وللصحابة من بعده، وللمسلمين إلى يومنا هذا. أما بالحجة والبرهان، فهو لأهل الإسلام إلى قيام الساعة. ولذلك لا يزداد يوم إلا ويزداد الإسلام ماذا؟ انتشارًا بالحجة والبرهان، وعدد المسلمين اليوم أكثر مما كان بالأمس، وبالأمس أكثر مما كان قبل الأمس، وهكذا. وهذا من علامات الظهور بالحجة والبرهان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا يدخل هذا الدين، بعز عزيز وذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، ويذل به الكفر أو الشرك وأهله». وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، هذه صفة الرب العظيم، فإذا كان كذلك، فينبغي أن نطلب الغلب منه، وأن نلتجئ إليه، وأن نعلم أن كل أعداء هذا الدين من منافقين وكافرين ومشركين وغيرهم، لن يجن النصر عليهم إلا بالله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، هذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وآله.