تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الله من التناجي بمعصيته ومعصية رسوله

تناولت الآيات تحذير الله للمؤمنين من التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، مشيرة إلى أن هذا الفعل من خلق اليهود ويهدف إلى إدخال الحزن والشحناء بين المؤمنين. وأمرت الآيات المؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى ومراقبة الله في كل الأفعال.

أثر الشيطان في التناجي المحرم والتوكل على الله

أوضحت الآيات أن الشيطان لا يضر إلا بما كتبه الله، ويجب على المؤمنين التوكل على الله. التناجي المنهي عنه هو ما يفتح باب الظنون السيئة، سواء كان بلغة لا يفهمها الآخرون أو غير ذلك.

ضوابط استخدام اللغات الأخرى في الحديث

شرحت الآيات والسنة حالات استخدام لغة أخرى أثناء الحديث مع الآخرين مع الاستئذان، مثل التحدث بلغتهم الأم لتسهيل توصيل المعلومات أو التحدث في أمور شخصية، مع التأكيد على عدم وجود سوء نية وراء ذلك.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، قال مُفسر رحمه الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝ إِنَّمَا النَّجْوَى بِالْإِثْمِ وَنَحْوِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ بِغُرُورِهِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ هُوَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ إِرَادَتِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات بهذه السورة العظيمة، سورة المجادلة، وما فيها من أحكام، وفي سياق ذكر ما سبق من حكم المناجاة، وأول آيات المناجاة، ذكر الله عز وجل حال اليهود وما كانوا عليه من المناجاة وأذية المؤمنين، بل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإسرارهم القول السيء، وفي هذا توطئة إلى أن المناجاة مظنة الفحش والتفحش الذي ينبغي أن يترفع عنه المسلم، بل أمر الإسلام ألا يرد صاحب الفحش والتفحش إلا بالكلام العدل، بعيدًا عن معاني الفحش والتفحش. وتقدم معنا حديث عائشة رضي الله عنها، في صحيح مسلم، وجاء معناه عن غيرها رضي الله عنها وارضاها، في اليهود لما سلموا على النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: «السام عليك»، فرد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «وعليكم»، فقالت عائشة رضي الله عنها: «وعليكم السام واللعنة»، وفي رواية: «الذام واللعنة»، وفي رواية: «يا إخوة القردة والخنزير»، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال لها: «لا تكوني فاحشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش»، فقالت: «أما سمعت ما قالوا؟» قال: «وما سمعت ما قلت؟ فإني قلت: وعليكم»، وفي رواية في الصحيح: «أن يهوديًا مر فأظهر السلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو سمعتم ما قال؟» قال: «وما قال يا رسول الله؟» قال: «ما قال؟» قالوا: «إنما سلم»، فقال: «بل قال: السام عليكم، نادوه فنادوه، فقالوا له: ما قلت؟» قال: «قلت: السام عليكم»، وفيه قصة. والشاهد من هذا، هذه التوطئة بأن هذا الخلق خلق اليهود، وكذلك ما كانوا يسرون من تخويف المسلمين بالأذية والقتل، أوحى أذية، وكذلك خوفًا في قلوب المسلمين، فأتبع سبحانه وتعالى هذا الحكم في حق المؤمنين بقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُبْشَرُونَ﴾. وفي هذا الإشارة أولاً إلى ترك هذا الخلق، خلق المناجاة، خصوصًا إذا كان مظنة سوء الظن، فإنه ينبغي للمسلم أن لا يسلك مسلك الكافرين والضالين والمغضوب عليهم، فإنه مسلك اليهود، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود: «أن يتناجى اثنان دون الثالث»، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن ذلك يحزنه»، يعني يدخل في قلبه مظنة السوء، فيدخل الشيطان في قلبه: «ما تناجى هؤلاء الاثنان دوني إلا وأراد أن يتكلم علي أو يخصان أنفسهما بشيء يمنعون منه أو نحو ذلك مما قد يقذفه الشيطان في قلبه»، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فكل ما كان بمعنى مما هو مظنة فتح باب الظنون السيئة، فإنه ينهى عنه، ومن باب أولى أن يكون فعلاً وحقًا فيه شيء من الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ففيه الأمر بالمناجاة إذا احتيج إلى المناجاة بالبر والتقوى، وأن يراقب الله عز وجل في ذلك، وأن يعلم أنه سيحشر إليه، وهو سائله عن كل سر. وكذلك ظاهر الأمر الآخر أن لا يفتح للشيطان بابًا بالظنون السيئة، فلا يعين الشيطان على إخوانه بالمناجاة، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومعناه: النجوى مفتاح يستخدمه الشيطان ليدخل بهذه الظنون السيئة التي يقذفها، ما يكون سببًا للحزن والنفرة بين أهل الإيمان. ولهذا نودي في أول الآية بالإيمان، ومعناه: أن ما يأتي ينافي الإيمان، فإن كنتم أهل إيمان حقًا وصدقًا، فلا ينبغي أن تفعلوا الأسباب التي تفرق وتوجد الشحناء والبغضاء والحزن وسوء الظن بين أهل الإيمان، وبعدها جاء العلاج في حال أنه وقع، فلا ينبغي للمؤمن أن يحزن، ولا كذلك يخاف؛ لأن الأمر كله بيد الله، وهذا هو قول سبحانه: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: الشيطان بما يقذفه من الظنون السيئة. وليس قال: هو، أي: الشيطان أو كذلك النجوى نفسها، الضمير يعود إلى الشيطان أو إلى النجوى، قولان مشهوران في تفسير الآية: ﴿بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾، أي: الشيطان وما يقذفه من الظنون السيئة، أو كذلك النجوى إن قدر أنها وقعت على أسوأ الاحتمالات، فلن يضرك إلا ما كتبه الله عليه، لابد أن يكون المؤمن على ثقة ويقين بالله عز وجل في ذلك، قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن كنتم مؤمنون حقًا صدقًا، فليكل توكلكم على الله، ولا تخافوا غيره سبحانه وتعالى. ففي هذا تسلية لمن ابتلي بأن حصلت نجوى دونه، ألا يحصل في قلبه شيء من الحزن ولا الخوف، وأن يكون في ثقة تامة بربه وخالقه ومولاه الذي ينبغي أن يتوكل عليه، ويخاف، لا يخاف غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، فهذا من هذا الباب وتأكيده. وكذلك تقدم معنا في الحديث النهي عن المناجاة، فهذه الآيات فيها إشارة إلى أن التناجي خلق ليس بمستقيم، وينبغي لأهل الإيمان أن يمتنعوا ويبتعدوا منه، والصحيح أن المناجاة المنهي عنها كل ما يفتح باب الظنون السيئة، سواء أكانت مناجاة حقيقية بأن يسر اثنان بالكلام دون الثالث، أو جماعة دون جماعة. ويزداد الأمر تأكيدًا إذا قد أوجد الشيطان شيء من الوحشة بينهم، وبمعناه أن يتكلم أهل لغة بلغة لا يفهمها الثالث، مثلاً: اثنان لا يتكلمون العربية وبينهم رجل يتكلم العربية ولا يتكلم غيرها، فتناجى اثنان تكلم اثنان باللغة غير العربية، فهنا ينبغي ألا يفعل مثل هذا؛ لأن هذا يفتح باب الظنون السيئة، خصوصًا إذا كان الاثنان يتكلمان العربية، فيقذف الشيطان في قلبه: لماذا الآن لا يتكلمان بالعربية وأنا معهم؟ فيقذف الشيطان في قلبه أبواب الظنون السيئة، فلا ينبغي. ولهذا نص العلماء أنه لا يجوز أن يتناجى اثنان بلغة وهم يحسنون لغة الثالث، ولا يجوز أن يتناجى جماعة بلغة وهم يحسنون لغة الجماعة الأخرى؛ لأجل أن لا يفتح الشيطان باب الظنون السيئة، إلا إذا كان حاجة لذلك، فيستأذنون إذنًا يتأكدون أنه لا يكون معه الظن السيئة. يعني مثلاً يقول: عفوا، لو سمحت، سنتكلم بلغتنا؛ لأننا لا نحسن هذه اللغة، فهي أسهل علينا لتوصيل المعلومات، فسنتكلم في موضوع كذا، نحتاج أن نتكلم بلغتنا، أو حتى لو احتاجوا أن يخفوا شيئًا، لكن مظنة السوء غير موجودة، كأن يكون اثنان وهناك آخرون فيحتاجون أن يسروا بكلام، كلام أسري أو كلام نحوه، فيتكلمون أو يستأذنوا، فيقولوا: «المعذرة، عندنا كلام أسري، فنحتاج أن نتكلم على انفراد»، مثله يحتاج أن نتكلم بلغة أخرى. ولهذا جاء في بعض الروايات في الحديث الأمر بالاستئذان في ذلك، ما قيده العلماء بأن يكون معه عدم مظنة السوء، ولا يفتح باب الظنون السيئة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.