فضل دعوة أهل السنة والجماعة

فضل دعوة أهل السنة والجماعة

المحاضرة بعنوان فضل دعوة أهل السنة والجماعة، والتي كانت بمسجد الأنصار بجول مسحه بالمكلا يوم الجمعة 20 محرم 1446هـ الموافق 26 يوليو 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دور المساجد في نشر العلم

يُشدد على أهمية المساجد في نشر العلم النافع ودعوة الناس إلى الله، وهي ليست فقط لأداء الصلاة بل منارات للعلم ومراكز للسنة. دعوة أهل السنة والجماعة تتميز بالعناية بالعلم النافع وتوجيه الناس إلى العمل الصالح.

دعوة أهل السنة والجماعة وأثرها

دعوة أهل السنة والجماعة هي دعوة أمن وأمان وخير للمجتمعات، وهي الدعوة الوحيدة التي ترد الناس إلى الصفاء والنقاء. اتباعها يحمي من الفتن والبدع ويعزز الأخلاق الكريمة والسلوكيات الصحيحة.

الرفق في الدعوة والتعاون على البر

يؤكد على أهمية الرفق في الدعوة إلى الله والتحلي بكرائم الأخلاق، ويحذر من التنازع والتفرق. التعاون على البر والتقوى ضروري لنصرة دين الله ونشر الدعوة المباركة.

خاتمة بالدعاء والشكر

يتضمن دعاء للتوفيق والابتعاد عن الشر، وشكر لمن تسبب في الاجتماع المبارك، ويختم بالصلاة على النبي محمد عليه السلام. هذا يعبر عن الامتنان والتوجه إلى الله بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة، لكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا أن نجتمع ببيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا على العمل الصالح، وهذه نعمة أخرى من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى. وبادي ذي بدء، نشكر إخواننا المشايخ الفضلاء على ما كان من كلماتهم المباركة ونصائحهم وتوجيهاتهم النافعة، جزاهم الله خيرًا، وكذلك أبي معاذ وأبي هاشم. وكذلك نشكر إخواننا بهذا المسجد على استضافتهم وحرصهم على مثل هذه المجالس المباركة، فنشكر الأخ أبا يوسف ومن معه بإخوانه، وكذلك الآباء والأبناء على تهيئة هذه المجالس الطيبة المباركة. ولا ننسى الشكر كذلك للوالد الشيخ عبد الله بن دول عبد الله على ترتيبه لهذا الخير. ولو لم يكن إلا أن هذا الاجتماع المبارك بهذا المسجد الطيب المبارك حسنة من حسنات هذا المسجد المبارك الطيب، الذي بفضل من الله سبحانه وتعالى كان وسيكون بإذن الله تعالى منارة من منارات العلم ومركزًا علميًا من مراكز السنة، وهذه نعمة أخرى من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى. فهنيئًا لنا هذا الخير، وهنيئًا لنا هذا التوفيق، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا توفيقًا وسدادًا، وأن يجعل هذا المسجد الطيب المبارك من منارات العلم. فرسالة المساجد، أيها الأحبة، كما سمعنا في كلمات المشايخ الفضلاء وتلك التوجيهات المباركة، رسالة عظيمة. فهي لا تقتصر على أن تكون موضعًا للصلاة، بل منها تكون الدعوة إلى الله، منها يتخرج الخطباء وقراء القرآن، ويكون كذلك الاعتناء بتوجيه المجتمعات وتعليم كثير من الناس، تعليم الرجال والنساء، وتعليم الصغار والكبار القرآن الكريم وسنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. يكون بها كذلك دعوة أهل السنة، يكون بها توجيه الناس إلى الدين الصحيح القويم الذي جاء به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام. خصوصًا وأن المجتمع مرتع لأنواع المخالفات، وكذلك البدع والمحدثات والبعد عما جاء به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصفاء والنقاء الذي هو دعوة هذا الدين، الدين الصحيح دين الإسلام. أيها الأحبة عباد الله، إن هذه الدعوة مباركة، دعوة أهل السنة والجماعة، بفضل من الله، وكما سمعنا في هذه الكلمات المباركة، دعوة تعتني بالعلم النافع، وتعتني كذلك بتوجيه الناس إلى العمل الصالح. وهذا من خصائص وعظائم ما تميزت به هذه الدعوة المباركة، لأنها دعوة تسير على سير نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي هو قدوتنا ودستورنا وأسوتنا صلى الله عليه وسلم. كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من أول ما نزل عليه الأمر بالعلم، في قوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. العلم الذي به أخرج الناس من الظلمات إلى النور، العلم الذي به استطاع الناس أن يميزوا بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، وطريق الاستقامة من طريق الضلال. وهذا لم ينحصر في جانب العبادات كما يظن الكثير من الناس، لأن دعوة الإسلام دعوة شاملة تتناول جميع جوانب الحياة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولهذا أمرنا الإسلام أن ندخل بهذا الدين من جميع أبوابه، لا يدخل من باب ويترك أبوابًا أخرى. فيقول ذلك سبب في تنشيطهم ونقصهم في تدينهم واستسلامهم لربهم وخالقهم. فحقيقة الإسلام، معاشر المسلمين، هو الاستسلام لله عز وجل في أوامره في كتابه، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، الذي لا ينطق عن الهوى، وإنما هو كما قال الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وحي من الله، كما أن القرآن وحي من الله. وكما قال الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. أمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا، مما في كتاب الله، ومما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نسلك الطريق القويم والدين المستقيم الذي أراده الله سبحانه وتعالى رب العالمين للناس أجمعين. هذا الدين الذي لا يتوصل إليه بالعواطف ولا بالاستحسانات ولا بالأهواء، ولكن دين الاتباع والانتساب. ولذلك كان أحضر الناس بالدين الحقيقي الصحيح الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل السنة والجماعة، الذين سلكوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل الحب والاتباع، أهل القرآن والسنة، الذين يحرصون على أن يتبعوا كل ما جاء به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من دعوة أهل الإسلام الصحيح، دعوة فيها شمولية تتناول جميع جوانب الحياة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع أبوابه، لا تدخلوا من بعض وتتركوا بعضًا، ويتبين بذلك التفسير، ويتبين بذلك التفريق، ويتبين بذلك الخلل. ولهذا نجد أن من شرك التوفيق للدين الصحيح وتلك السنة النبوية صلى الله عليه وسلم، فإنه دخلت عليه أنواع خلل، وكذلك صنوف من البدع والمحدثات، بسبب عدم كمال الاتباع والانتساب، وعدم الحرص على تعلم العلم النافع وإذاعته من عمل صالح. وإن من مزايا وخصائص دعوة أهل السنة والجماعة أنها دعوة احتنت بالعلم النافع احتناءً عظيمًا. فكان رحم ذلك إقبال الناس على كتاب الله، وإقبال الناس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفقهًا في دين الله عز وجل، وتفقهًا بذلك أحكام شريعة الله جل وعلا، سواء كان ذلك بالعقيدة أو كان ذلك بالعبادة أو كان ذلك بالمعاملة أو كان ذلك بالأخلاق أو السلوك أو المنهاج، في جميع الجوانب. آمين، لأنهم علموا أن الدين يتناول ذلك كله. لم يقف هذا الأمر عند طلبة العلم، بل إنه انتقل إلى محبي السنة من عامة الناس. صار عندهم من التميز ومن الفطنة والمعرفة ما تميز به عندهم باب العقائد الصحيحة من العقائد الفاسدة. عرفوا خطر الشركيات والبدع والمحدثات، عرفوا كذلك منزلة العقيدة والتوحيد والإيمان في دين الله عز وجل. فاعتنوا بذلك وأقبلوا على التعرف على مسائلهم، والحذر من كل ما يبطلها، لعلمهم أن أعظم الذنوب على الإطلاق هو الشرك بالله عز وجل. كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كذلك كان من فضل الله سبحانه وتعالى، ليس على طلبة العلم فقط، بل على محبي السنة وأهلها من عامة الناس. صار عندهم التميز في معرفة الدعوات المنحرفة عن دعوة أهل السنة والجماعة، كالدعوات الحزبية، التي لها ولاءات ضيقة سياسية أو غيرها، مما كان لها أثرًا سيئًا على المجتمع. ففرقت المجتمع إلى أحزاب وفرق وولاءات ضيقة. فكان بفضل من الله حماية المجتمع بفضل من الله، ثم بدعوة أهل السنة وعلمائها ودعاتها وتوجيهاتهم وبثهم العلم. كان أهل التميز وهذه الحمية من تلك الدعوات المنحرفة، دعوات أهل حزبيات ضيقة. وهكذا كذلك بفضل من الله صارت حماية أخرى من أهل الأفكار الغالية، دعاة التكفير والتفجير، دعاة الإرهاب والفتن. صار عند عامة أهل السنة ومحبيهم، فضلًا عن طلبة العلم، الحمية والمعرفة والدراية من أهل هذه الأفكار المنحرفة، وهذه المداخل الطاغية. لما سمعوا من توجيهات علماء السنة، ومن توجيهات دعاة السنة كذلك، ما كان سببًا في حميتهم، وفي كذلك بعددهم عما يفسد دينهم. لعلمهم أن هذا كذلك مما يفسد الدين. وهكذا ترى الحرص على الأخلاق الكريمة والمواقف السليمة والسلوكيات الصحيحة. لما علموا من منزلة الأخلاق في هذا الدين، فمنزلة الأخلاق في هذا الدين منزلة عظيمة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن أكثر ما يدخل الجنة، قال: تقوى الله وحسن الخلق». الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وعلى من اتبع هداه. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، إن دعوة أهل السنة والجماعة دعوة أمن وأمان، ودعوة خير وبركة ورحمة للمجتمعات. وذلك لأنها دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس فيها ولا أتى ولا براءات ضيقة، ليس فيها تعصب من الأشخاص. وإن وقع ذلك، فإن ذلك على خلل في الانقياد والاتباع لتوحيد هذا الدين، ودعوة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام. لما وقع بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين ما يقع بين البشر والبشر، قد يقع بينهم فتنة. فكل ابن آدم خطاء، وقد يقع منه النقص. كما قال عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم خطاء». فنزل الشيطان بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين، فقال أحدهما: يا آل الأنصار! وقال الآخر: يا آل المهاجرين! ولبعض المهاجرين لبعض كريم، أكرمه الله بكتابه. ولأبناء الأنصار لبعض كريم، أكرمه الله كذلك بكتابه. إذ المهاجرون الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمهاجرون والأنصار، نزل الشيطان بخصومة يسيرة، فنادى هذا ببعض المهاجرين، ونادى الآخر ببعض الأنصار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك وبخه: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!». كره النبي صلى الله عليه وسلم وقبح لما صار هذا الاسم يستخدم بغير استدامه الصحيح. لما صار هذا الوصف ينادى به من أجل الشحناء والبغضاء والولاء والبراء الضيق. فكيف بغيرها من الألقاب أو غيرها من المسميات؟! فينبغي أن نستفيد من هذا درسًا عظيمًا، أن ديننا يدعونا لأن نكون جميع المسلمين مؤمنين متبعين لنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، متبعين اتباعًا كاملًا يتناول جميع جوانب هذا الدين. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الاختلاف سيكون في هذه الأمة، وسيكون كثيرًا. كما جاء في حديث العرباض بن سارية المشهور الصحيح في السنن وغيرها، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم المحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». أيها المسلمون عباد الله، من تأمل هذا الحديث ورأى واقع الناس وما اختلفوا فيه، بعقائدهم ومنهاجهم، ومن عباداتهم ومن معاملاتهم، ومن أخلاقهم وسلوكياتهم، علم عظيم فضل اتباع دعوة أهل السنة والجماعة. فإنها الدعوة الوحيدة التي ترد الناس إلى ذلك الصفاء والنقاء الذي قال عنه ربنا صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». أي تركنا على دين صافي نقي. فما علينا إلا الاتباع، وعليهم الحذر من الابتداع. ما علينا إلا الائتمار، وعليهم الحذر من التمرد والعصيان. ما علينا إلا الاجتماع على الحق والهدى، ونحذر من أن تفرقنا الفتن. فنقول: من أهل الردة؟! كم من الناس من يدعي أنه مسلم، وهو يعبد غير الله، حجرًا أو قبرًا أو قبة أو تابوتًا، يرجو منها أعظم مما يرجو من الله. يبكي عندها، يسأل هذا الميت الذي في قبره، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن ينفع من يسأله أو يستجيب له. بل لا يسمع من يسأله، فضلًا أن يستطيع أن يسمع أو يوصل إليه شيء من خير. ومع ذلك، وهو يظن أنه على دين الإسلام، والإسلام من تعليمه بريء. وآخرون، كما سمعنا في كلمات المشايخ الفضلاء، حولوا بيوت الله التي هي محل الرغبة والطاعات والقربات، إلى محل الطرب والدفوف والرقص والزفن، وغير ذلك مما لا يرضاه العقلاء والرزان. أهكذا يستهان ببيوت الله؟! أهكذا تعرض من حرمة الله؟! والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. أين تعظيم شعائر الله؟! أين تعظيم بيوت الله؟! حين يورث بها بالدفوف، وحين يرقص بها ويزفن، وحين يجتمعون بالشباب في الدفوف والطبول. بل وربما وصل الأمر إلى آلات الله والطرب. إن من الناس بجهله وبهواه صار يتعامل معاملة المجانين، لم يتعامل معاملة الرزان. يصفقون ويجمعون حين يقرؤون تلك الموالد، وما فيها من بدع وغرائب وشركيات وثنيات. أنهم يستقلون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإذا قام معهم بالطبل مساءً، لم نرى النبي صلى الله عليه وسلم. فأنتم لمن تقومون؟! فيقولون كذبًا وزورًا: لو صفت قلوبكم لرأيتم النبي صلى الله عليه وسلم. كأن قلوبهم صفت فرأوا النبي صلى الله عليه وسلم. وغيرهم لم تصف قلوبهم، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم. يدفع الواحد ينظر إليهم متحيرًا: هل هؤلاء من المجانين والبلهاء؟! أم هؤلاء من الذين يكذبون على أهل الدين بمثل هذه السخافات؟! إن من الناس من ينتسب إلى هذا الدين، ثم يستحل الدماء، فيفجر ويقتل، ويستحل الأموال والأعراض، باسم الدين. والدين من جرائره بريء. ولكن للأسف، بسبب ضحالة علمه، وقلة معرفته، وغلبة عاطفته، اختطفته هذه الأفكار المنحرفة، وهذه الدعوات الإرهابية الطاغية. فكان ضحيتها، بسبب ضحالة علمه وقلة معرفته وغلبة عاطفته. ولكن بفضل من الله، أهل السنة والجماعة عرفوا الصواب، وعرفوا الجماعات، وبينوا للكثير ممن ضل في هذا الوادي، فعادوا تائبين مستغفرين، راجعين إلى حياض السنة. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. إن من الناس من انتسب إلى هذا الدين، وقد شغلته السياسات، وحب الكراسي والمناصب، حتى استحلوا المحرمات، بقاعدة شيطانية: الغاية تبرر الوسيلة. لاقوا الأعداء، وعادوا الأحبة وأهل الصفاء، لأجل السياسة ولأجل المناصب ولأجل الكراسي. تلونت أقوالهم وتغيرت وتحورت مواقفهم، لأنهم لا يبالون، وإنما يبالون للوصول إلى ما يريدون من هذه السياسات. القدرة ثم بعد ذلك ينسئون هذا إلى دين الله. ودين الله من هذه المسالك الرذيلة بريء. ولكن بفضل من الله سبحانه وتعالى، عرف الكثير من الناس، بفضل الله سبحانه، ثم بدعوة أهل السنة والجماعة، خطر هذه الدعوات المنحرفة، وهذه السياسات الحزبية المقيدة، التي أضرت بالأمة أشد الضرر. إن من الناس من ينتسب إلى الإسلام، ولم يفهم الإسلام حق فهمه. فغالى في الابتداع، وأفنى في الإفراط، وكان منفرًا بسوء أخلاقه وسوء تصرفاته ومواقفه، وبغلوه كذلك في أحكامه وفتاواه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا: «إن منكم لمنفرين، إن منكم لمنفرين». كررها عليه الصلاة والسلام. وإن من الناس من ينفر الناس، زمرًا وجماعات، يخرجون من بيوت الله بسبب سوء تصرفاتهم، وغلو أخلاقهم. وليس هذا من دين الله سبحانه وتعالى بشيء. بل نبينا نبي الرحمة، نبينا صلى الله عليه وسلم إمام الحكمة، أمر وأمر قومه أن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. كما قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يرضى على الرفق ما لا يرضى على العنف». الرفق كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ووقع أن رجلًا من اليهود مر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك». فضجبت عائشة رضي الله عنها حبًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وضجت من تطاول هذا اليهودي. فقالت: وعليك السام واللعنة يا أخوة المردة والخنازير! فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا يا عائشة؟!». قالت: يا رسول الله، ألم تسمع إلى ما قال؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: «ألم تسمعي إلى ما قلت؟! يعني قال: وعليك». كتب النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة يسيرة. أم قال: وعليك ما قلت! يرد عليه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تكلف ما لا يطيق، علمنا له». تعليمًا لعائشة، وهو تعليم لهذه الأمة: «إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يرضى على الرفق ما لا يرضى على العنف». فنهاها أن تقول هذه العبارة، مع أنها عبارة مع يهودي، ويهودي دعا على النبي صلى الله عليه وسلم في السلام. ومع ذلك، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تترفق في عباراتها، وأن تترفع في كلماتها، وأن تنزل إلى أخلاقيات هذا اليهودي، وتلقى بجوابه. أن يكون ذلك تعليمًا لها، وهو تعليم لهذه الأمة. معاشر المسلمين، لنا بهذا ربط وعبرة، بأجل أن نعرف أن معاشر أهل الإسلام وأهل دعوة أهل السنة والجماعة، ينبغي أن نتحلى بكرائم الأخلاق، وأن كذلك نسلك الأخلاق العالية، وأن نحذر من الأخلاقيات الدنيئة، وأن نبتعد عن الجفاء والغلظة، وغيرها مما ينفر عن دين الله عز وجل. ينبغي أن يكون الواحد منا داعيًا إلى الله بأفعاله قبل أن يكون داعيًا إلى الله بأقواله. أن يكون داعيًا إلى الله بأخلاقه، وبمواقفه، وبحسن تصرفاته، قبل أن يكون داعيًا إلى الله بما يدعيه بلسانه. ينبغي علينا أن نكون دعاة إلى الله بما نفعل من أموالنا وأعراضنا وأنفسنا لله سبحانه وتعالى. كل ذلك رخيص في جنب الله. أن تكون كلمة الله هي العليا، أن يكون الناس يدخلون إلى دين الله عز وجل، ويتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو الذي ينبغي أن نحفص عليه، أن نتعاون على البر والتقوى، وأن نعتصم بحبل الله جميعًا، بحبل الله دينه القويم، وصراطه المستقيم، الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم وأرضاهم. أن نكون كذلك بأقوالنا وأفعالنا وأخلاقنا ومواقفنا وسلوكياتنا. فعند ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى يأتينا الخير، وتفتح لنا أبواب الخير، ونكون بإذن الله سبحانه وتعالى مبشرين بخير. أيها المسلمون عباد الله، إننا بحاجة أن نراجع أنفسنا في بذل هذا العلم بجد واجتهاد. فإن الكثير من الناس لم يبلغهم العلم الصحيح، ولم تبلغهم هذه الدعوة المباركة الصحيحة الصافية النقية، التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إننا بحاجة أن ندعو أنفسنا، وأن ندعو أهلنا وقرابتنا وأبناءنا ومجتمعاتنا إلى العمل بهذا الدين، وأن ندخل به من جميع جوانبه، بما يكون به قوتنا، وبما يكون به عزتنا وكرامتنا. لأن قوتنا بطاعتنا لله، وامتثالنا لأوامر الله. وإلا فمتى ما تأخرنا عن أوامر الله وعن الاستجابة لله، عاقبنا الله عز وجل، وكذلك حرمنا نصره وتأييده. كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. إننا بحاجة، معاشر المسلمين عباد الله، أن نتعاون في نصرة هذه الدعوة المباركة، كل بحسب استطاعته. هذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بقوته وجهده، وهذا بماله، وهذا بشفاعته، وهذا بسعيه. كل أحد يبذل ما يستطيع في نصرة دين الله عز وجل. أن نتعاون على البر والتقوى، لأجل أن تصل هذه الرسالة وهذا الدين الحق الصافي النقي إلى الناس أجمعين، وأن يكون الناس كلهم من أهل هذه الدعوة المباركة. إننا بحاجة أن نتعاون، وأن لا نسمع لشياطين الجن والإنس أن يفسدوا بيننا، فيبرد صفنا، ويورث قوتنا، بما يكون من خلق الخلافات وإيجاد النزاعات. وهذا الذي يطمع به شياطين الجن والإنس، وأعداء هذا الدين. والأمر كما قال الله عز وجل محذرًا من هذا الأمر الخطير العظيم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. معاشر المسلمين، إننا بحاجة أن نتجاوز الكثير من خلافاتنا، وأن نجتمع على الحق والهدى، الذي به تكون قوة أهل الحق، وتكون به بإذن الله سبحانه وتعالى نصرة الله سبحانه وتعالى لأهل الحق. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. أي تذهب قوتكم. فالمنعة والمناعة، سبب لذهاب القوة، وسبب لتسلط الأعداء. ولكذلك تفريط هذا الجمع وهذا الخير، وتسكيط هذه الجهود المباركة. أيها المسلمون عباد الله، إننا بحاجة كذلك أن نصل إلى المجتمع بجميع طبقاته، فهذه الدعوة المباركة لا تفرق بين صغير وكبير، بل هي دعوة الجميع. الراعي والرعية، والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير، الكل مأمور بأن يستجيب، وأن يبذل ما يستطيع في نصرة دين الله عز وجل، في نفسه وفي أهله وفي ولده وفي مجتمعه. فإن هذا هو سبب تجير هذه الأمة، بأن نقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل أحد. كما قال الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يصرف عنا وعنكم كل شر وضير، وأن يجعل لنا هداة مهديين، غير ضالين ولا مضلين. ونكرر الشكر لمن كان سببًا في هذا الاجتماع المبارك، وهذا الخير، وأن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.