طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 102

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 102

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 102، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

رحمة الله تعالى وإعانته للعباد وتفسير الإعانة

يشرح الشيخ ابن بريك رحمه الله مقولة الإمام ابن القيم حول إعانة الله تعالى للعباد، ويوضح الفرق بين الإعانة شرعًا وكونًا. كما يتطرق إلى رحمة الله تعالى في تدارك العباد بعد ارتكابهم للمعاصي.

حكمة وقوع المعاصي وآثارها على العبد وتوبته

يشرح كيف أن وقوع المعاصي يمكن أن يكون فيه حكمة ورحمة من الله، حيث يؤدي إلى توبة العبد وزيادة التزامه بدين الله. كما يشير إلى أن العبد يزداد تواضعًا واعترافًا بعبوديته لله بعد التوبة.

كمال العبودية لله وآثارها على الفرد والمجتمع

يُظهر أن كمال مدح العبد يكون بكمال عبوديته لله، وأن الأنبياء والرسل وأتباعهم هم أكرم الناس لما قاموا به من عبودية الله. كما يُبيّن أن آثار هذه العبودية تتنوع بين صلاح المجتمع وانتشار الخيرات.

أهمية الصبر والاحتساب عند فقد الأبناء

يُشير إلى أن فقد الأبناء يمكن أن يكون سببًا لدخول الجنة إذا صبر العبد واحتسب، ويؤكد على أهمية التصرف وفقًا للشريعة عند فقد فلذات الأكباد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قالوا أشهدهم مع ذلك حمده العظيم وذره العميم وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافي، فاستخرج منهم داءً لو استمر معه لأفضى إلى الهلاك. ومقصوده رحمه الله: فنالوها بنعمته وإعانته، ليس الإعانة على المعاصي، ولكن الإعانة فيما هم فيه من الحياة. وكذلك أخذهم بنعم الله، فنالوها بنعمته وإعانته. وأما المعصية فهو سبحانه لا يحبها ولا يرضاها، ولكن هذا شرعًا، أما كونًا فأذن بوقوعها، وتنسب إلى العبد ولا تنسب إلى الله، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، فينسب السيء من الأقوال والأفعال إلى فاعليه، وليس إلى فعل الله سبحانه وتعالى. ولكنه لأن الله الخالق الذي بيده كل شيء، لا يكون بملكه إلا ما يشاء، ومن ذلك خلق الخير وخلق الشر، والإذن بوقوع الخير والإذن بوقوع الشر. قال رحمه الله تعالى: ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه بقلوبهم، وأخبر أنه عند ظنونهم به. ولو أشهدهم عظيم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومكره على من عصاه فقط، لأورثهم ذلك المرض القاتل والداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم. وقد يقع ذلك لبعض الناس، أن الذنوب توقعهم في اليأس والقنوط، وقد ينتحر بعضهم فيهلك نفسه، فنوعًا من رحمة الله. والله لا يحب هذا، وفعل هذا مما لا يحبه شرعًا، وأذن بوقوعه لحكمة كونًا وقدرًا. فوقوعه على هذا الوجه كذلك فيه حكم، فهو خطأ وصاحبه مريض، وحاله كحال الأخطاء التي تقع والأمراض التي تقع تقع في هذا الكون بإذن الله ولحكمة. قال رحمه الله تعالى: وكان ذلك عين هلاكهم، ولكن رحمهم قبل البلاء، وفي حشو البلاء يعني في أثناء البلاء، وبعد البلاء، وجعل تلك الآثار التي توجبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم، وسببًا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفة والكرامة عنده. هذا لمن وفقه الله لطريق التوحيد والإسلام الصحيح والسنة، فإنه يوفق للرجوع إلى الله على الوجه الصحيح. وأما من لم يوفق إلى ذلك، فقد تتخطفه البدع والأهواء، أو العياذ بالله يصاب باليأس والقنوط من رحمة الله. وكل هذا بسبب الجهل والبعد عن دين الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبيد. كما قلنا العبد قد يغتر بما أعطاه الله من النعم، وقد يغتر بما وفقه الله من الطاعة، لكن إذا وقع في معصية ونقص انكسرت ما في نفسه من رفعة، وحصل له من الذل ما يوجب تحقق معاني العبودية على وجه أكمل مما كان عليه من قبل. ولو كان موجودًا، فحال العبد في عبوديته قبل المعصية ليس كحاله بعد المعصية والتوبة منها، لأنه بذلك يشعر بالتقصير والافتقار، ويزداد بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا بلطفه، ويردنا إليه تائبين. قال: ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته، فهم على كل حال يربحون عليه، ويتقلبون بكرمه وأحسانه. وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير له، يسوقه به إلى كرامته وثوابه. الكرامة الحقيقية في تحقق العبودية لله عز وجل في الدنيا، وعظيم آثارها في الآخرة. ليست الكرامة أن يرفعك الله الرفعة الدنيوية لا بالمناصب ولا بالشهرة، ولا كذلك بالمال والجاه وغيره من متاع الدنيا، بل الرفعة الحقيقية بكمال العبودية لله. ولهذا وصف الله عز وجل أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام حين أراد أن يمتدحهم بوصف العبودية، فعددا من أنبيائه ورسله ناداهم بالعبودية في أشرف المقامات، في مقام النزول الوحي، وفي مقام كذلك النبي عليه الصلاة والسلام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، وغير ذلك من المقامات. وهذا يدل على أن كمال مدح العبد إنما هو بكمال عبوديته لله عز وجل. قال رحمه الله: وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم، حتى إذا تأمل الناس بهم غيرهم البين أجمل الناس وأكملهم، أكملهم عبودية لله سبحانه وتعالى. فإنه إذا كملت عبوديته كملت كذلك أخلاقه ومعاملته مع خلق الله ومع عباد الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام وأتباعهم من حملة العلم هم أكرم الناس. فاستغفر لهم كل شيء، يستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان في البحر، لعظيم ما قاموا به من عبودية الله. ومن آثار هذه العبودية التي تتنعم بها المخلوقات، صلاح المجتمع بصلاح علمائه. وإذا صلح العلماء وصلح المجتمع، حصلت الخيرات. فيعرف هذه المخلوقات أن آثار الخير الذي جرى من آثار هؤلاء. وإذا كما قال بعض العلماء: هذا تفسير معنى استغفار كل شيء حتى الحيتان بالبحر. وكما روي عن بعض السلف أنه تعرف الدابة حتى النمل في جحرها أن ما أصابها من قحط إنما هو بذنوب العباد. قال رحمه الله تعالى: وكذلك عطاياه دنيوية نعم منه عليهم، فإذا استرجعها أيضًا منهم وسلبهم إياها، إن قلبت من عطايا من عطايا الآخرة. كما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت من عطايا الآخرة. وصدق رحمه الله، كما جاء في الحديث: «فيمن أخذ الله حبيبتيه أكرمه الله بهما بالجنة». يأخذ أعظم آلة وأفخرها أعطاه إياه بالدنيا، فإذا استرجعها كانت من عطاياه في الآخرة. ولله حكمة، فمن أخذ الله منه شيئًا مما أعطاه، فليعلم علم اليقين إنه صبر واحتسب، عوضه الله بما هو خير وأعظم منه في الآخرة. حتى ما يكون من غير جسد الإنسان، فلذات الأكباد، فإن العبد إذا أخذ الله عز وجل منه بعض أبنائه فاحتسب، كان ذلك سببًا في دخول الجنة. ولكن الواجب الصبر والاحتساب والتصرف بالتصرف الشرعي الصحيح. طيب إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.